شرطيّ حرس الحدود يخرج من سيّارة جيب مصفَّحة ويطلق النار من مسافة 100 متر على رأس شابّ لم يُشكّل خطرًا على أحد
22 أيلول/سبتمبر 2024
في الليلة بين 21-20.3.24 دخلت قوّة من الجيش وحرس الحدود وشرطة إسرائيل إلى أحياء كفر عقب وأمّ الشرايط، شمالي شرق القدس، ونفّذت فيها عمليّة اعتقال. قرابة الساعة 5:00 فجرًا، عندما خرجت القوّة من المنطقة، كان نحو 15 شابًّا ينتظرونها على أطراف حيّ سطح مرحبا في البيرة، قرب شارع رام الله - القدس الرئيسيّ الذي عبرتْ فيه. بعد أن انعطفت القوّة إلى داخل حيّ سطح مرحبا دخل الشبّان أيضًا إلى داخل الحيّ عبر الأزقّة، حيث ألقوا الحجارة عن بُعد نحو عشرة أمتار صوب المركبات المحصَّنة التي واصلت طريقها باتّجاه مستوطنة "كوخاف يعقوف".
بعد بضع دقائق وصلت سيّارتا جيب أخريان من اتّجاه آخر. واصلت سيّارة الجيب الأولى طريقها باتّجاه مستوطنة "كوخاف يعقوف"، مثل بقيّة أفراد القوّة، بينما توقّفت الثانية على بُعد نحو 120 مترًا عن الشبّان، الذين هربوا أو اختبأوا خلف سيّارات مركونة. خرج أحد عناصر شرطة حرس الحدود، وكان يجلس بجانب السائق، من سيّارة الجيب، وركض باتّجاه الشبّان وأطلق عليهم رصاصة واحدة من مسافة مائة متر تقريبًا، فأصابت رأس محمّد صالحيّة (18 عامًا)، من سكّان مخيّم الأمعري للاجئين، الذي اختبأ خلف سيّارة. بعد ذلك أطلق الشرطيّ 6-7 طلقات ناريّة أخرى على الشبّان، ثمّ أطلق طلقتين ناريّتين أخريين على شابّ كان يحاول الاقتراب من صالحيّة المصاب لكي يساعده. في هذه المرحلة عاد الشرطيّ إلى سيّارة الجيب التي سافرت هي أيضًا باتّجاه مستوطنة "كوخاف يعقوف".
أدخل الشبّان صالحيّة إلى سيّارة عبرت في المكان وأخلوه إلى مركز فلسطين الطبّيّ في رام الله، حيث أقرَّت وفاته قرابة الساعة 9:00.
في يوم الحادث أصدر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بيانًا قال فيه: "خلال نشاط القوّات في مدينة رام الله في لواء بنيامين نشب إخلال عنيف بالنظام، قام خلاله مخرِّبون برشق الحجارة وإلقاء الألعاب الناريّة والعبوات الناسفة على المحاربين الذين ردّوا بوسائل لتفريق المظاهرات وبإطلاق النار عليهم، وقد تمّ رصد عدّة إصابات".
يتبيّن من تحقيق بتسيلم أنّ صالحيّة والشبّان الذين كانوا برفقته ألقوا الحجارة فقط على سيّارات الجيب المحصَّنة، وأنّ شرطيّ حرس الحدود أطلق النار على الشبّان بعد أن توقّف رشق الحجارة وعندما فرّ الشبّان أو اختبأوا. لم يكن الشرطيّ معرضًا لأيّ خطر من قبَل صالحيّة وزملائه، وبالتالي لم يكن هناك أيّ مبرّر لإطلاق النار. لقد تصرّف الشرطيّ، شأنه شأن كثيرين قبله، من منطلق علمه بأنّه يستطيع إطلاق النار مرارًا وتكرارًا على الفلسطينيّين، إصابتهم أو حتّى قتلهم في وضح النهار وعلى مرأى من شهود عيان، دون أن يدفع أيّ ثمن على ما يقوم به. ويحصل هذا بمساندة كاملة من قادته العسكريين، من أصحاب الرتب الرفيعة في الجيش ومن كبار المسؤولين على المستوى السياسيّ.
جمع باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد إفادتي اثنين من الشبّان الذين كانوا قرب صالحيّة في 21.3.24.
قال صديق محمّد:
في يوم الخميس الموافق 21.3.24، في الساعة 4:15 فجرًا، كنتُ أستعدّ لتناول السحور قبل بداية يوم الصوم في رمضان. تصفّحتُ وسائل التواصل الاجتماعيّ وتابعتُ مداهمة كانت تنفذها قوّات الجيش الإسرائيليّ في حيّ أم الشرايط جنوب المخيّم. تراسلتُ مع صديق لي، محمّد صالحيّة، وقرّرنا أن نذهب معًا لرشق القوّات بالحجارة، كما فعل شبّان آخرون من المخيّم.
خرجتُ من المنزل في الساعة 4:50، التقيتُ بصديق آخر ومشينا معًا حتّى الإشارة الضوئيّة التي على شارع رام الله -القدس الرئيسيّ. عادةً ما تأتي القوّات من اتّجاه أمّ الشرايط، تجتاز الإشارة الضوئيّة، وتواصل طريقها إلى مستوطنة "كوخاف يعقوف"، ولذلك ينتظرها الشبّان بجانب الإشارة الضوئيّة.
عندما وصلنا إلى منطقة الإشارة الضوئيّة كانت الساعة 05:10 وكان هناك 10-12 شابًّا يقفون بجوار محلّ أبو عيشة للسيّارات، على جانب الشارع المؤدّي إلى رام الله. انضممنا إليهم والتقيتُ هناك أيضًا بمحمّد صالحيّة. بعد بضع دقائق وصلت قافلة المركبات العسكريّة، لكن ليس من الاتّجاه الذي توقّعناه. توقّفت المركبات الأولى بجوار متجر عرابي لانتظار بقيّة القافلة. كانت هناك مركبات للجيش ولحرس الحدود، ما يقرب من 11 مركبة، معظمها سيّارات جيب، وشاحنة أو اثنتان أيضًا لنقل الجنود.
في الساعة 5:30 بدأت القوّات بالسفر مرّة أخرى. ظننا أنّهم سيتّجهون مباشرة نحو حي سطح مرحبا عند الإشارة الضوئيّة، دون أن يصلوا إلينا على الإطلاق، لكنّهم واصلوا السفر في اتّجاهنا. تقدّمنا بين المنازل مسافة مائة متر تقريبًا، ووصلنا إلى المفرق الموجود داخل الحيّ أمامهم، ثمّ بدأنا بإلقاء الحجارة على القافلة التي عبرت أمامنا بالضبط.
لم تردّ القوّة على الإطلاق. عبرت أمامنا ببساطة وتابعت طريقها شرقًا باتّجاه سطح مرحبا دون توقّف. ظننا أنّ كلّ القوّة قد عبرت، لكن، فجأةً، وصلت من خلفنا، من جهة الجنوب، مركبتان أخريان لحرس الحدود.
المركبة الأولى، التي كان على سطحها سلاح آليّ، واصلت طريقها ببطء باتّجاه حي سطح مرحبا، إلّا أنّ المركبة الأخرى توقّفت على بُعد 120 مترًا عنّا. خرج شرطيّ من حرس الحدود من المقعد المجاور للسائق. وجّه سلاحه صوبنا وتقدّم نحونا بسرعة 20 خطوة تقريبًا، حتّى أصبح على بُعد نحو 100 متر عنّا. قلتُ لمحمّد صالحيّة، الذي كان بجانبي، أن يحذر لأنّ الشرطيّ مشط سلاحه. في هذه المرحلة كان الجميع قد هربوا أو اختبأوا. رأيتُ محمّد يختبئ خلف سيّارة مركونة على الرصيف، واختبأتُ أنا خلف سيّارة أخرى، ليس بعيدًا عنه.
عندها سمعتُ الشرطيّ يطلق طلقة ناريّة واحدة، دون أن يُلقي أحد عليه ولو حجرًا. بعدها أطلق علينا 6-7 طلقات ناريّة أخرى. لكنّ محمّد قد كان أصيب بالرصاصة الأولى. رأيتُه يسقط على الرصيف. لأوّل وهلة لم أدرك أنّه محمّد. حاولتُ الاقتراب منه، لكنّ الشرطيّ أطلق عليّ طلقتين ناريّتين أخريين، لمنعي من التوجّه إليه كما يبدو.
انتظرتُ بضع ثوانٍ حتّى عاد الشرطيّ إلى المركبة التي سارت باتّجاه سطح مرحبا، وعندها فقط اقتربتُ من محمّد. كان شبّان آخرون قد وصلوا إليه قبلي، رفعوه وأدخلوه إلى سيّارة مرت من هناك بالصدفة. فقط عندما رفعوه فهمتُ أنّه محمّد – تعرّفت عليه من حذائه ثمّ سمعتُ أيضًا أحد الشبّان يصرخ "قطري قطري" – هذا اسم عائلة والدة محمّد وكان بعضنا يسمّيه هكذا. طوال هذا الوقت كنتُ أفكّر في والدته وقلت الله يقوّيها، لأنّه بحسب كمّيّة الدم والأنسجة التي بقيت في المكان الذي سقط فيه كان واضحًا أنّه لن ينجو.
بعد أنّ تمّ إخلاء محمّد ذهبتُ أنا أيضًا إلى مركز فلسطين الطبّيّ في رام الله، ووصلت إلى هناك في الوقت الذي أحضروه فيه تقريبًا. أدخلوه فورًا إلى غرفة الصدمات في قسم الطوارئ. قالوا على الفور إنّ إصابته حرجة وسيكون من الصعب إنقاذه. حاول الأطبّاء، لكن في الساعة 9:00 أعلنوا وفاته.
وقال شابّ آخر:
وصلتُ في يوم الخميس الموافق 21.3.24، في الساعة 5:30، مع مجموعة مكوّنة من 10-12 شابًّا، تتراوح أعمارهم بين 18-20 عامًا، إلى مفرق داخليّ في منطقة سطح مرحبا في البيرة، أمام موقع بناء. انتظرنا هناك قافلة مكوّنة من 13 مركبة إسرائيليّة على الأقلّ تابعة للجيش ولحرس الحدود، بما في ذلك شاحنة لنقل الجنود – والتي فهمنا من وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّها من المتوقّع أن تمرّ من هناك.
رشقنا المركبات بالحجارة. لم نُلقِ أيّ شيء آخر ولم نلحق ضررًا بأيّ واحدة من المركبات. لاحظنا أنّه مرّت 11 مركبة فقط. لم تتوقّف وواصلت طريقها باتّجاه سطح مرحبا. ثمّ وصلت مركبتان أخريان من اتّجاه آخر، من طريق جانبيّ آخر. كان على سطح المركبة الأولى مدفع آليّ، لكنّها استمرّت في السير ببطء ولم تتوقّف. المركبة الثانية توقّفت - على بُعد نحو 120 مترًا عنّا، ونزل منها الشرطيّ الذي كان يجلس بجانب السائق وركض باتّجاهنا، وعندما أصبح على بُعد نحو 100 متر عنّا قام بمشط سلاحه.
ذُعرنا جميعًا. أدركنا أنّ الوضع أصبح خطيرًا جدًّا وأنّه ينوي أن يطلق النار. بدأنا نهرب ونختبئ، كلّ واحد في أقرب زاوية أو خلف أقرب سيّارة منه. اختبأ محمّد صالحيّة خلف سيّارة مركونة على الرصيف. هربتُ أنا إلى الطريق المؤدّي إلى موقف السيّارات الأرضيّ للمبنى القريب منّي. أطلق الشرطيّ رصاصة واحدة منفردة، فأصابت محمّد في رأسه، فسقط مع نزيف شديد جدًّا. بعد ذلك أطلق 5-7 رصاصات متتالية، ثمّ كانت هناك طلقتان ناريّتان أخريان. استمرّ إطلاق النار ثواني معدودة فقط.
بعد أن غادرت سيّارة الجيب عدتُ باتّجاه محمّد، لكنّ بعض الشبّان كانوا قد وصلوا إليه قبلي وقاموا بإخلائه بسيّارة مدنيّة. كانت في المكان الذي سقط فيه بقع دم كبيرة. من رآها لن يتخيل أبدًا أنّه سيبقى على قيد الحياة.
سافرتُ إلى مركز فلسطين الطبّيّ مع شبّان آخرين بسيّارة أحدهم، لأطمئنّ على حالة محمّد. عندما وصلنا كان الأطبّاء ما زالوا يحاولون إنقاذ حياته. نقلوه من قسم إلى قسم، وبذلوا جهودًا كبيرة، لكنّ ذلك لم يجدِ نفعًا. في الساعة 9:00 أقرّوا وفاته.