جنود يطلقون النار على فلسطينيّ (46 عامًا) ويُردونه قتيلًا عند اقترابه من شارع 60 لبيع حاوية زيت زيتون لزبون
22 شباط/فبراير 2024
في يوم الخميس الموافق 23.11.23، قرابة الساعة 13:00، قُتِل خضر علوان (46 عامًا) رميًا بالرصاص، بمحاذاة شارع 60، في منطقة رام الله. وقد أفاد الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ بأنّ جنودًا "لاحظوا المشتبه به الذي التقط حجرًا كبيرًا واقترب من الشارع لإلقائه. خوفًا على سلامة المارّة في المكان، أطلق الجنود النار عليه وقاموا بتحييده". من التحقيق الذي أجرته بتسيلم، ترتسم صورة مغايرة عن الحادثة.
في ذلك الصباح، كان علوان يعمل كعامل أجير في قطف الزيتون في بستان شرقي قرية دير دبوان. قرابة الساعة 13:00، سافر سويّةً مع صديقه وعامل آخر لتسليم حاوية زيت إلى مُشترٍ، كانوا قد اتفقوا معه على أن يلتقوا بجانب شارع 60، على بُعد نحو كيلومتر ونصف الكيلومتر من البستان. في طريقهم، تحقّق الثلاثة من أنّ الحاجز الذي نصبه الجيش في 7.10.23 في المنطقة كان خاليًا من الجنود، وعندها فقط واصلوا سفرتهم.
عندما وصلوا إلى مدخل النفق تحت شارع رقم 60، والذي يربط بين قريتي دير دبوان وبرقة، أوقف الثلاثة السيّارة وتسلّق علوان، سيراً على قدميه، الساترَ الترابيّ باتجاه شارع 60. بعد نحو دقيقتين عاد على أعقابه بدون الحاوية، لكن عندما أصبح على بُعد بضعة أمتار عن السيّارة سُمِع صوت إطلاق نار من اتّجاه شارع 60، من فوقه. أصيب علوان وسقط، كما أصابت عدّة رصاصات السيّارة وأرجلَ صديق علوان والعامل الآخر اللذين كانا جالسَين فيها. ذُعِر صديق علوان، الذي كان يقود السيّارة، فانطلق بها مغادرًا المكان على الفور.
بعد ذلك بوقت قصير وصل شقيق علوان إلى المكان، بعدما أُبلِغ بما حدث، فوجد جنودًا يقفون بجانب سيّارة إسعاف إسرائيليّة ويعيقون إخلاء شقيقه بسيّارة إسعاف فلسطينيّة وصلت إلى المكان. احتجز الجنود شقيق علوان أيضًا، وفقط بعد نحو عشر دقائق أطلقوا سراحه وسمحوا لسيّارة الإسعاف الفلسطينيّة بإخلاء علوان إلى المستشفى، حيث أقرَّت وفاته.
ط. م.، صديق علوان، روى لباحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد، في 26.11.23:
أنا أعمل في مرآب للدرّاجات الناريّة في كفر عقب، لكن بسبب الأحداث خلال الفترة الأخيرة وصعوبة التنقّل في الطرقات، لم يكن هناك الكثير من العمل فقرّرت أن أجد عملًا بديلًا.
في يوم الخميس الموافق 23.11.23، في ساعات الظهيرة، اتّصل بي خضر علوان، وهو صديق قديم لي من بيتين، والذي أعمل معه أحيانًا في بيع الزيتون وزيت الزيتون. عرض عليّ أن أنضم إليه للعمل في قطف الزيتون في بستان شرقيّ دير دبوان، وطلب منّي أن أحضر له قهوة. وصلتُ إلى هناك ورأيتُه مع صاحب البستان ومعه ابنه الصغير وعامل آخر. جلسنا معًا ثمّ اتّصل به شخص أراد شراء حاوية زيت. طلب منّا أن نلاقيه في منتصف الطريق، في منطقة النفق بين قريتي برقة ودير دبوان.
طلب منّي خضر أن أوصله إلى هناك بسيّارتي. وهذه سيّارة غير مرخّصة (مشطوبة)، بلوحة ترخيص صفراء. وافقتُ على الرغم من أنّني كنت أعلم بأنّ السفر إلى هناك بمشطوبة هو أمر خطير، لأنّ الجيش يتجوّل على طول هذا الشارع طوال الوقت. منذ 7.10 أقام الجيش أيضًا حاجزًا جديدًا هناك بمكعّبات إسمنتيّة على جانبي الشارع.
قرابة الساعة 13:00 أخذنا حاوية الزيت وسافرنا باتّجاه النفق. انضمّ إلينا أيضًا العامل م. الذي كان يعمل هناك في البستان. جلس خضر إلى جانبي وجلس م. في المقعد الخلفي. إنّها سفرة لمسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر تقريبًا. في الطريق إلى هناك أوقفْنا سائقًا وسألناه إن كان هناك جنود على الحاجز فأجاب بالنفي. واصلنا السفر ووصلنا خلال خمس دقائق.
عندما وصلنا إلى مدخل النفق استدرتُ وتوقّفتُ بجانب المكعّبات الإسمنتيّة التي وضعها الجيش هناك. أخذ خضر الحاوية وابتعد لكي يبحث عن مكان مريح لتسلّق الساتر الترابيّ المؤدّي إلى شارع 60، مسافة نحو 120 مترًا. بعد دقيقتين رأيتُ خضر يعود ويبدأ بالنزول باتّجاهنا في الطريق نفسها التي ذهب منها. قلتُ له أن يسرع قليلًا لأنّني خفتُ أن يأتي جنود.
عندما كان خضر على بُعد نحو عشرة أمتار عنّا، بدأ إطلاق النار فجأةً. تساقط الرصاص مثل المطر. ثمّ سمعتُ خضر يصرخ ورأيتُه يسقط. كان من الواضح أنّ إطلاق النار يأتي من الجانب الأيمن لسيّارتي، لكنني لم أتمكّن من رؤية الذين كانوا يطلقون النار. شعرتُ بأنّني أصِبتُ برِجلي. دخلتُ في حالة من الهلع والارتباك. خفتُ خوفًا شديدًا. دُستُ على دوّاسة البنزين وانطلقتُ من هناك بأقصى ما استطعتُ من السرعة. صرختُ بأنَّ خضر قد مات وقلتُ لـ م. الذي كان يجلس خلفي إنّني أُصبتُ، فقال لي إنّه أصِيب هو أيضًا.
في أثناء القيادة نظرتُ إلى الوراء ورأيتُ أنّ م. أصيب في الركبة. سافرتُ إلى مركز دير دبوان الطبّيّ وفي الطريق سألتُ م. إنْ كان قد رأى مَن أطلق النار علينا، فقال إنّه رأى سيّارة تندر بيضاء لكنّه لم يرَ مَن أطلق النار. اعتقدنا أنّهم ربّما كانوا مستوطنين.
أنزلتُ م. في المركز الطبّيّ وسافرتُ فوراً إلى منزلي، غير البعيد عن هناك، لكي أخبّئ سيّارتي، رغم أنّني كنتُ جريحًا. خفتُ أن يلاحقني الجيش ويوقفني بذريعة أنّني أقود مركبة غير قانونيّة. خبّأتها في حقل قريب من منزلي ودخلتُ إلى المنزل. رأت زوجتي وجهي الأصفر وكم كنتُ مرتبكًا وخائفًا وسألتني عمّا حدث. شرحتُ لها أنّني جُرحتُ. ذهبتُ على الفور لتغيير ثيابي، ثمّ ركبتُ على درّاجتي الناريّة وسافرتُ عائدًا إلى المركز الطبّيّ. التقيتُ هناك برئيس المجلس وبعض السكّان الآخرين من القرية الذين حاولوا أن يفهموا من م. ماذا حدث، بينما كان هو يتلقّى فيه الإسعاف الأوّليّ وينتظر سيّارة الإسعاف. أخبرتهم أنا أيضًا بما حدث وطلبتُ منهم أن يحاولوا مساعدة خضر لأنّ جراحنا نحن الاثنين طفيفة. في ذلك الوقت وصلت سيّارة الإسعاف وطلبتُ من الطاقم التوجّه لإخلاء خضر. سافروا إلى هناك وانتظرنا نحن في المركز الطبّيّ. في تلك الأثناء، حضر إلى المركز ناس كثيرون للاستفسار عن سلامتنا.
عالجوا إصابتي التي كانت طفيفة. قاموا بتطهير الجرح وتضميده فقط. بعد نحو عشر دقائق سمعتُ رئيس المجلس يقول إنّ خضر قد مات. بدأتُ أصرخ وأبكي. فقدتُ صديقي الغالي.
في تلك اللحظات وصل عمّ م. وأخذنا بسيّارته إلى مركز فلسطين الطبّيّ، حيث تمّ إخلاء خضر إلى هناك. كانت اختناقات مروريّة ولم نصل إلى هناك إلّا قرابة الساعة 14:00. لحظة دخولنا رأيتُ خضر في غرفة الطوارئ وقد فارق الحياة. كانوا قد غطّوه بعلم فلسطين. كان حوله عدد من أفراد العائلة وسكّان القرية الذين حضروا عندما سمعوا بما حدث.
أمّا نحن فأخذونا إلى العيادات الخارجيّة للمستشفى لمواصلة العلاج. وقد تمّ تسريحنا في اليوم نفسه. ووري جثمان خضر الثرى بعد الظهر، في مقبرة بيتين.
علوان علوان (48 عامًا)، شقيق خضر علوان، روى لباحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد، في 27.11.23:
في يوم الخميس الموافق 23.11.23، بعد الساعة 13:00، اتّصل بي صهري وقال لي إنّ أخي خضر أصيب من جرّاء إطلاق النار الذي نفّذه الجيش بجانب نفق برقة وأنّه لا يزال في أيدي الجيش. سافرتُ إلى هناك فورًا بسيّارتي. وصلتُ إلى مسافة 150-100 مترًا، فمنعني الجنود من الاقتراب أكثر. كانت هناك أيضًا سيّارة إسعاف فلسطينيّة تنتظر، منعوا طاقمها من الاقتراب أيضًا. لم أرَ خضر، لكنّني رأيتُ سيّارات جيب عسكريّة تقف على الجسر على شارع 60، سيّارة إسعاف تابعة لـ"نجمة داود الحمراء" وشخصاً بلباس مدنيّ . حاولتُ التقدّم نحو الجنود لكنّ أحدهم اعترض طريقي. قلتُ له بالعبريّة إنّني شقيق الجريح فأمرني بالتوقّف. اتّصل بجنديّ آخر، ضابط كما يبدو، ثمّ أمرني بإعطائه بطاقة الهويّة ومفاتيح السيّارة والانتظار.
بعد عشر دقائق تقريبًا، قرابة الساعة 13:30، سمح الجنود لسيّارة الإسعاف بالتقدّم لإخلاء خضر. بعد أن أدخلوه ورجعوا وعادت سيّارة الإسعاف نحوي أوقفتُها وسألتُ المسعف عن حالة خضر، فأشار لي بأنّه قد توفّي. فتحتُ باب سيّارة الإسعاف ونظرتُ إليه. كان غارقًا في دمه وعيناه مقلوبتين، بلا حراك. رأيته قد فارق الحياة. رأيتُ على فخذه اليسرى ضمّادات مكتوب عليها بالعبريّة وافترضتُ أنّ طاقم "نجمة داود" قد حاول معالجته. واصلت سيّارة الإسعاف طريقها إلى مركز فلسطين الطبّيّ. أعاد لي الجنديّ مفاتيح السيّارة وسافرتُ خلفه.
فهمتُ لاحقًا أنّ خضر كان هناك مع صديق له لتوصيل الزيت إلى شخص ما. بعد أن سلّمونا الجثمان قمنا بدفنه في المساء ذاته.
خضر أب لأربعة، أراد إعالة أسرته فقط. ابنه الصغير عمره ستّ سنوات. تمّ اعتقاله في السابق عدّة مرّات، لأنّه دخل إلى إسرائيل بدون تصريح للبحث عن عمل. لا يُعقل أن يأتي شخص بالغ مثله إلى مثل هذه المنطقة التي يتواجد فيها الجيش طوال الوقت لكي يرمي حجرًا أو لكي يفعل شيئًا من هذا القبيل. واضح لي أنّ الادّعاء الإسرائيليّ مُلفّق وغايته تبرير قتل أخي. أصبحت حياة الفلسطينيّين رخيصة، عديمة القيمة. بالإمكان قتلنا في أيّة لحظة، دون حسيب أو رقيب.