سياسة إطلاق النار

جنود دخلوا إلى البيرة لتنفيذ اعتقالات، يقتادون معتقلين سيرًا على الأقدام إلى "بيت إيل"، وفي طريقهم يقتلون طفلًا ويصيبون شابّين بجراح

الصورة
קטע הרחוב שבו ירו החיילים למוות באייהם שאפעי באל-בירה. צילום: איאד חדאד, בצלם 2.11.23
الصورة
أيهم شافعي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
أيهم شافعي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في يوم الخميس الموافق 2.11.23، قرابة الساعة 6:00 صباحًا، حضر عشرات من الجنود، بعضهم ملثّمون، إلى بلدة البيرة ودخلوا إلى أحد المباني. بعد نحو ثلاث ساعات، قرابة الساعة 9:00، خرج الجنود من المبنى مع ثلاثة معتقلين مُقيَّدي الأيدي خلف ظهورهم ومعصوبي الأعين، واقتادوهم سيرًا على الأقدام باتّجاه "بيت إيل"، عبر الأحياء السكنيّة ومنطقة البيرة الصناعيّة.

في الساعة 9:15، وعندما اقترب الجنود والمعتقلون من إحدى المدارس، رشقهم أربعة فتيان بالحجارة عن بُعد نحو 100 متر. أطلق الجنود النيران الحيّة عليهم، لكن لم يُصب أحد بأذى. بعد إطلاق النار حاول أحد الأطفال، أيهم شافعي (12 عامًا)، عبور الشارع للانضمام إلى أصدقائه الذين كانوا يقفون على جانبه الآخر، وعندها أطلق الجنود طلقة أخرى أصابته. مشى شافعي بضع خطوات أخرى ثمّ سقط. واصل الجنود طريقهم وقام السكّان بنقل شافعي إلى المستشفى، حيث أقرَّت وفاته بعد وقت قصير.

بعد ذلك ببضع دقائق، اقترب الجنود من سوبرماركت الشنّي وقام بعض الشبّان برشقهم بالحجارة من زقاق مجاور. ردّ الجنود على الفور بإطلاق النيران الحيّة وأصابوا اثنين منهم ـ أحدهما بجراح بالغة والآخر بجراح متوسّطة، ثمّ واصلوا طريقهم. قام الأهالي بنقل المصابين إلى المستشفى.

بعد مرور بضع دقائق أخرى، على بُعد نحو نصف كيلومتر، مرّ الجنود بجوار مكتب الترخيص في البيرة. قام نحو خمسة شبّان برشقهم بالحجارة، وهذه المرّة أيضًا ردّ الجنود على الفور بإطلاق النيران الحيّة على الشبّان من مسافة نحو 30 مترًا. أطلقوا طلقتين ناريّتين، على الأقلّ، أصابت إحداهما يزن شيحة (24 عامًا) الذي لم يكن مشاركًا في الحدث وكان يشاهد ما يحدث فقط. بعد إطلاق النار واصل الجنود طريقهم إلى "بيت إيل"، كما في الحالات السابقة. نقل السكّان شيحة إلى المستشفى، وهناك أقرَّت وفاته.

دخل الجيش إلى البلدة واعتقل ثلاثة من سكّانها، ثمّ اختار أن يقتادهم في الشوارع سيرًا على الأقدام لمسافة طويلة. وكما هو متوقّع، تمّ رشق الجنود بالحجارة، فردّوا هم بإطلاق النيران الحيّة مرّةً تلو الأخرى، فقتلوا طفلًا وشابًّا وأصابوا اثنين آخرين.

الصورة
يزن شيحة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
يزن شيحة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفاد، في ردّه المقتضب، بأنّه "خلال الاعتقالات في البيرة نشب إخلال بالنظام شمل رشق حجارة. ردّت القوّة بإطلاق النار، تمّ رصد إصابة". يتّضح من هذا الردّ أنّ إطلاق النيران الحيّة على راشقي الحجارة – حتّى لو كان قد تسبّب في مقتل شخص – يُعتبر مشروعًا في نظر الجيش. لكنّ إطلاق النار بقصد القتل مسموح به، فقط لا غير، في ظروف تكون فيها حياة الجنود في خطر، وفقط عندما لا تكون لديهم أيّة طريقة أخرى لمنع الخطر – وذلك وفقًا لمبادئ القانون الجنائيّ وكذلك وفقًا لتعليمات إطلاق النار. إنّ إقرار المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنّ الجنود تصرّفوا، في هذه الحالة، كما هو مطلوب يتناقض مع هذا التقييد ويمنح تصريحًا شاملًا بإطلاق النيران الحيّة على الأشخاص الذين لا يُعرّضون أحدًا للخطر.

 

 

باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد سجّل إفادات من شهود عيان عن قتل شافعي وشيحة:

ع. ر. تحدّث في 8.11 عن قتل أيهم شافعي:

أنا مصوّر صحفيّ. في يوم الخميس، قرابة الساعة 9:00، وبينما كنتُ في منزلي في البيرة اتّصل بي أحد الأصدقاء وأبلغني بوجود اجتياح للجنود في منطقة شارع نابلس. خرجتُ على الفور ووصلتُ إلى المكان خلال خمس دقائق. كان هناك عشرات الجنود الذين انتشروا على الشارع الرئيسيّ، بجانب مخبز الصرفندي.

وقفتُ في زاوية بعيدة عنهم نسبيًّا، على مسافة 40-50 مترًا، ثمّ بدأتُ أقترب منهم. فجأةً صوَّب أحد الجنود سلاحه نحوي، رغم أنّني كنتُ أرتدي سترة صحفيّ، فعدتُ إلى الوراء. رأيتُ الجنود يقتادون 2-3 معتقلين معصوبي الأعين ومقيَّدي الأيدي إلى الخلف باتّجاه المنطقة الصناعيّة، في طريق فرعيّ يمرّ خلف المخبز. في تلك الأثناء لم يكن هناك أيّ رشق للحجارة عليهم.

سرتُ وراء الجنود حتى وصلوا إلى الشارع المؤدّي إلى المنطقة الصناعيّة. وجدتُ مخبأ أستتر فيه خلف أحد المباني عند المفرق، وكنتُ من حين إلى آخر ألقي نظرة خاطفة عليهم من هناك، بحذر. في المرّة الثانية التي أخرجتُ فيها رأسي ونظرتُ قام جنديّ بتصويب بندقيّته نحوي مرّة أخرى. في تلك اللحظة رأيتُ 4-5 أطفال يقفون خلف مدرسة. رشقوا الجنود بالحجارة. تفرّق الأطفال عند المفرق واختبأوا، وفي كلّ مرّة كانوا يخرجون، يقتربون ثمّ يختبئون مرّةً أخرى. حينئذٍ رأيتُ أحد الأطفال، وعلمتُ لاحقًا أنّه كان أيهم شافعي، يختبئ خلف حاوية قمامة. تمركز جنديّ ملثّم خلف زاوية أحد المباني ثمّ سمعتُ صوت طلقة ناريّة باتّجاه الأطفال، لكن لم يصب أحد من الأطفال بأذى. بعد ذلك رأيتُ أيهم يعبر الشارع باتّجاه أصدقائه الذين كانوا على الجانب الآخر واختبأوا في زاوية لم تكن في مدى إطلاق النار من قبَل الجنود. بينما كان يعبر الشارع سمعتُ طلقة ناريّة أخرى فـأُصِيب، لكنّه استمرّ في المشي بضع خطوات أخرى حتّى وصل إلى أصدقائه، ثمّ سقط على الأرض.

الصورة
إلى اليمين: المكان الذي منه أطلق الجنود النار. إلى اليسار: المكان الذي تعرض فيه أيهم شافعي لإطلاق النار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 2.11.23
إلى اليمين: المكان الذي منه أطلق الجنود النار. إلى اليسار: المكان الذي تعرض فيه أيهم شافعي لإطلاق النار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 2.11.23

حالما أصيب الصبيّ أخذ أصدقاؤه يصرخون: "سيّارة إسعاف، سيّارة إسعاف". بعد ذلك رأيتُهم يسحبون الطفل إلى الوراء. وصلت سيّارة خاصّة وقامت بإخلائه على الفور، وفي تلك الأثناء واصل الجنود تقدّمهم إلى داخل المنطقة الصناعيّة. أنا خفتُ من الاستمرار في محاولة التوثيق لأنّني شعرتُ بأنّهم قد يطلقون النار عليّ.


أ. ر. تحدّث في 2.11.23 عن قتل يزن شيحة:

أنا أعمل في قسم التأمين في مكتب الترخيص. أثناء وجودي في العمل تجمّع عدد كبير من الأشخاص والمركبات في ساحة المكتب. سمعتُ أشخاصًا يقولون إنّ هناك جيشًا في الخارج، فخرجتُ لأنظر. وقفتُ على الدرج ورأيتُ أنّ هناك جَلَبة، لذا منعت أشخاصًا آخرين من الخروج. رأيتُ نحو 50 جنديًّا يأتون من المنطقة الصناعيّة. كان معهم 2-3 معتقلين مقيَّدي الأيدي إلى الخلف ومعصوبي الأعين. كان أحدهم يرتدي فانيلّة. سار الجنود على دفعات، فرقة تلو أخرى.

بعد أن ابتعد الجنود عن ساحتنا نحو الشمال، بدأ بعض الشبّان يرشقونهم بالحجارة. في تلك الأثناء خرج أحد موظّفي قسم المرور، يزن شيحة (23 عامًا)، من باب المكتب الخلفيّ وذهب باتّجاه الساحة التي فيها موقف السيّارات، وذلك كما يبدو لكي يراقب ما يحدث. توقّف في زاوية الساحة مستندًا إلى إحدى السيّارات وأخذ يشاهد ما يحدث.

فجأةً سمعتُ طلقة ناريّة من اتّجاه الجنود. لم يكن مطلق النار ضمن نطاق رؤيتي، لكنّني رأيتُ أنّ يزن قد أصيب. قال: "أخ" وسقط على الأرض، وعندها فهمنا أنّه مصاب. اقترب منه بعض الشبّان لتقديم الإسعاف الأوّليّ له، ثمّ أدخلوه إلى سيّارة خاصّة وأخذوه إلى المستشفى في رام الله. علمتُ لاحقًا أنَّ يزن قد قُتل.

الصورة
ساحة مكتب الترخيص التي قُتل فيها يزن شيحة، بجوار المكان الذي تقف فيه السيارة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 2.11.23
ساحة مكتب الترخيص التي قُتل فيها يزن شيحة، بجوار المكان الذي تقف فيه السيارة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 2.11.23

شاهد آخر قال في 2.11:

في يوم الخميس الموافق 2.11.23، قرابة الساعة 9:00، بينما كنتُ في العمل، سمعتُ صوت إطلاق نار من اتّجاه شارع نابلس وفهمتُ من وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّ الجيش الإسرائيليّ الذي دخل إلى منطقتنا قد انسحب. قرابة الساعة 9:30، بينما كنتُ في حانوت "الكرزون" التي قبالة مكتبنا، رأيتُ جنودًا مشاةً يمرّون في شارعنا. أقدّر أنّه كان هناك ما بين 40-50 جنديًّا. ساروا في شارع جناح المرور وكانوا يقتادون معتقلَين اثنين. كان أحد المعتقلَين يرتدي فانيلّة بيضاء، والآخر يرتدي قميصًا أسود.

بدأتُ أصوّر بهاتفي. بعد أن مرّ الجنود وأصبحوا على بُعد نحو 10-20 مترًا عنّي خرجتُ من الحانوت وانتقلتُ إلى الجانب الآخر من الشارع. عندما وصلتُ إلى الرصيف المجاور لمكتب الترخيص اختبأتُ. رأيتُ بعض الشبّان الذين اختبأوا خلف جدار في زاوية ساحة مكتب الترخيص وبدأوا يرشقون الجنود بالحجارة عن بُعد 20-30 مترًا.

استجمعتُ شجاعتي وعبرتُ الشارع وتقدّمتُ نحو الجنود وبدأتُ أنا أيضًا أرشق الحجارة، ومن خلفي قام هؤلاء الشبّان برشق الحجارة هم أيضًا واختبأوا خلف جدار على بُعد نحو 7 أمتار عنّي.

أطلق جنديّ كان يقف بجانب مصنع "نايس" لمواد التنظيف عدّة رصاصات. سمعتُ الشبّان يصرخون: "جريح، جريح". للحظة اعتقدتُ أنّني ربّما أنا قد أصِبتُ وبدأتُ أتحسّس جسمي. لكنّ الرصاصة أصابت موظّفًا في مكتب الترخيص يُدعى يزن شيحة الذي كان يقف جانبًا ولم يكن مشاركًا في هذه المواجهة. اقتربتُ من الجريح ورأيتُ أنّه ينزف وأنّ عينيه مقلوبتان. ابتلع لسانه وكان يغرغر وبالكاد كان يتنفّس.

واصل الجنود تقدّمهم باتّجاه "بيت إيل". قام أشخاص بإخلاء الجريح بسيّارة خاصّة إلى المستشفى في رام الله. قرأتُ لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي أنّه قد قُتل.

مواد مقترحة

ילדי משפחת בני עודה, מימין לשמאל: מוחמד, מוסטפא, עות'מאן, ח'אלד. התמונה באדיבות המשפחה

سياسة إطلاق النار

دون تحذير مسبق، ودون أن يشكّلوا أيّ خطر – قوّات إسرائيليّة تطلق النار على سيّارات في طمّون وفي الخليل وتقتل تسعة أشخاص، من بينهم طفلان ورضيع عمره سبعة أشهر

في غضون ستّة أشهر، بين مطلع كانون الأوّل 2025 ومطلع حزيران 2026، قتلت قوّات إسرائيليّة في الضفّة الغربيّة تسعة أشخاص – من بينهم طفلان في الخامسة والسادسة من عمرهما، وطفل رضيع عمره سبعة أشهر – في خمسة أحداث منفصلة أطلقت فيها النار، دون تحذير مسبق، نحو سيّارات كان يستقلّها فلسطينيّون في مناطق سكناهم، رغم أنّهم لم يشكّلوا أيّ خطر. في جميع الأحداث شرعت القوّات بإطلاق النار على المركبات بعد أنْ أبطأت سرعتها تمهيدًا للتوقّف، وفي حالتين اثنتين فرمل السائقان بمبادرة منهما، بعدما شعرا بالذعر حين لاحظا وجود القوّات في المكان، رغم أنّ القوّات لم تأمرهما بالتوقّف. وفي حادثين آخرين، لم يكن السائقان على علم إطلاقًا بوجود القوّات قبل شروعها بإطلاق النار عليهما. من جميع الحالات الخمس التي حقّقت فيها بتسيلم، يتّضح نمط واحد متكرّر: استخدام النيران القاتلة نحو مركبات يستقلّها مدنيّون، حتّى عندما لا يشكّلون أيّ خطر على القوّات.ثلاث من هذه المركبات كانت تستقلّها عائلات مع أطفالها.في أحد هذه الأحداث، في 10.1.26 – أطلق جنديّ النار على سيّارة كان يقودها شاكر الجعبري (58 عامًا) ومعه فيها ابنته وأطفالها الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و11 عامًا. كانت السيّارة تسير في طلعة الشارع، وخفّف شاكر السّرعة بالضغط على الفرامل بقوّة عندما لاحظ فجأةً وجود جنود راجلين في طلعة الشارع الذي أمامه. فور ذلك، أطلق أحد الجنود ثلاث رصاصات نحو السيّارة – من مسافة أمتار معدودة. أصيب شاكر في جبينه ومات على الفور.وفي حادثة أخرى وقعت في 15.3.26، في بلدة طمّون، أطلق مستعربو شرطة حرس الحدود نيرانًا كثيفة، من مسافة نحو 10 أمتار، نحو سيّارة أُسرة كان يستقلّها زوجان وأولادهما الأربعة الصّغار، الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و11 عامًا. أسفر إطلاق النار عن مقتل الوالدين، وعد وعلي بني عودة، واثنين من أطفالهما، عثمان (6 سنوات) ومحمّد (5 سنوات). فيما أُصيب الطفلان الآخران، خالد (11 عامًا) ومصطفى (8 سنوات)، بجروح طفيفة. جرى إطلاق النار فور خروج السيّارة، التي كانت تسير ببطء، من منعطف في أحد شوارع البلدة. لم يطلب أفراد القوّة من الأب، الذي كان يقود السيّارة، التوقّف، بل إنّ أفراد العائلة لم يلاحظوا وجودهم بتاتًا حتّى اللحظة التي أطلِقت فيها النار نحوهم، ولم يكونوا على علم بوجودهم في المنطقة.وفي الحادثة الثالثة، التي وقعت في يوم 5.6.26، في الخليل، أطلق جنديّ النار على سيّارة كان يستقلّها طفلان، دانية سلامة-أبو هيكل وزوجها فهد أبو هيكل، ومعهما طفلهما الرضيع سام البالغ من العمر سبعة أشهر، وأخوه كنان (12 عامًا)، وجدّة الولدين، فريال أبو هيكل (80 عامًا). وعلى نحو شبيه بالحادثة السابقة في الخليل، تمّ تنفيذ إطلاق النار هنا أيضًا عندما أبطأت السيّارة سرعتها وكانت على وشك التوقّف. ورغم ذلك، أطلق أحد الجنود النار نحوها، من مسافة نحو 20 مترًا، وقتلَ الطفل الرضيع.في الحالات الثلاث جميعها، جرى إطلاق النار من مسافة قصيرة كان يمكن منها رؤية المسافرين في السيّارات، وهو ما يدلّ على أنّ وجود الأطفال الواضح فيها لم يمنع إطلاق النار، ويؤكّد على الهوّة الشاسعة بين ملابسات الأحداث وبين مزاعم الجيش الروتينيّة بشأن وجود خطر فوريّ يهدّد الجنود. في أعقاب مقتل أفراد العائلة في طمّون، سارع المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ والشرطة إلى نشر ادّعاء كاذب يزعم أنّ السيّارة زادت سرعتها باتّجاه القوّات، التي شعرت بالخطر وشرعت في إطلاق النار. غير أنّ إطلاق النار جرى نحو سيّارة مدنيّة كانت تستقلّها عائلة مع أطفال صغار في طريق عودتها من التسوّق في نابلس.وأصدر الجيش بلاغًا مشابهًا أيضًا بعد مقتل الطفل الرضيع أبو هيكل في الخليل، وزعم فيه أنّ القوّات "شعرت بأنّ سيّارة اندفعت بسرعة نحوها". ورغم أنّ موت أبو هيكل أقرّ منذ قرابة الساعة 22:00 من ذلك المساء، إلّا أنّ بلاغ الجيش، الذي صدر بعد نحو ساعة ونصف الساعة من ذلك، ادّعى أنّ "ثلاثة فلسطينيّين أصيبوا وتمّ إخلاؤهم لتلقّي العلاج الطبّيّ"، دون أن يتطرّق إلى الإصابة القاتلة التي تعرّض لها الطفل الرضيع. مع ذلك، اعترف الجيش في بلاغه بأنّه "تبيّن من التحقيق الأوّليّ أنّهم من غير الضالعين". وفي 7.6.26، بعد يومين من هذه الحادثة، أفيد بأنّ الجيش قرّر فتح تحقيق في الحادثة. ووفقًا لخبر نُشر في شبكة CNN، أفاد سكّان وأصحاب مصالح تجاريّة في المنطقة بأنّ الجيش عاد لاحقًا إلى موقع الحادثة وصادر تسجيلات كاميرات المراقبة في المنطقة. وفي حين أنّ الإعلان عن فتح تحقيق يشير، ظاهريًّا، إلى محاولة للوصول إلى الحقيقة، إلّا أنّ تجربة بتسيلم تبيّن أنّ مصادرة توثيق المساس بالفلسطينيّين لا تهدف عمومًا إلى دفع التحقيق قدمًا، بل إلى التستّر عليه وإخفاء الأدلّة، وأنّ مآل مثل هذه التحقيقات هو أن تُغلق في الغالب دون أيّ نتيجة. وفي 11.8.26، رفضت شرطة التحقيقات العسكريّة تزويد صحيفة هآرتس بمعلومات حول ما إذا كان الجنديّ الذي أطلق النار قد خضع للتحقيق. وفيما يتعلّق بقتل أبناء عائلة بني عودة، أفيد في صحيفة "هآرتس"، في 11.8.26، أنّ وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحش) لم تستدعِ للتحقيق أيًّا من أفراد الشرطة الذين أطلقوا النار عليهم وقتلوهم، وأنّ التحقيق في الموضوع من المتوقّع أن يُغلق.إنّ الحالات الثلاث التي تعرّضت فيها عائلات مع أطفالها للنيران القاتلة ليست حالات استثنائيّة. ففي كانون الأوّل 2025، وثّقت بتسيلم حادثتين أخرييْن أطلق فيهما جنود النار على مركبتين لم يُشكِّل ركّابهما أيّ خطر. ففي 6.12.2025، في الخليل، أطلق جنود النار وقتلوا أحمد رجبي (17 عامًا) بعد أن أوقف سيّارته امتثالًا لأوامرهم، ولاحقًا، بعد أن أصيب بالذعر من جرّاء إطلاق النار وضغط مجدّدًا على دَوّاسة الوقود، اصطدم بأحد الجنود بشكل طفيف. وخلال إطلاق النار المتواصل قُتل أيضًا زياد أبو داود (56 عامًا)، وهو عامل نظافة تواجد في مكان الحادثة في إطار تأدية وظيفته.وفي 28.12.25، بمحاذاة عينبوس في محافظة نابلس، أطلق جنود النار على سيّارة كان يستقلّها أربعة شبّان بعد أن أبطأت سرعتها وهمّت بالتوقّف. وأسفر إطلاق النار عن مقتل قيس علّان (20 عامًا)، وإصابة أصدقائه الثلاثة.إنّ هذه الظاهرة، المتمثّلة في إطلاق النيران القاتلة على سيّارات يستقلّها مدنيّون، ليست ظاهرة جديدة. فمنذ مطلع عام 1994 نشرت بتسيلم تقريرًا يتناول هذه الظاهرة بتوسُّع. والآن، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال إطلاق النار هذا يحصد أرواح الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة: ففي الفترة الواقعة بين 7.10.23 و 31.8.26، وثّقت بتسيلم مقتل 29 شخصًا بنيران القوّات الإسرائيليّة التي استهدفت مركبات في الضفّة الغربيّة. ولم يُشكّل 22 منهم على الأقلّ، أي نحو 75% من مجمل القتلى، أيّ خطر على القوّات أو على مدنيّين إسرائيليّين. وفي الحالات السبع المتبقّية، لم يكن في الإمكان التحديد، بناءً على المعلومات التي جمعتها بتسيلم، ما إذا كان القتلى قد عرّضوا القوّات للخطر بأيّ شكل من الأشكال. ففي بعض الحالات لم يكن هناك شهود عيان على إطلاق النار، بينما خشي شهود العيان، في حالات أخرى، الإدلاء بمعلوماتهم. وتضاف إلى ذلك حقيقة أنّ السلطات الإسرائيليّة امتنعت، في حالات كثيرة منذ بداية الحرب، عن نشر بيانات تتعلّق بحالات القتل في الضفّة الغربيّة، وبالتالي فإنّ موقفها الرسميّ من هذه الأحداث غير متوفّر.في 14 من هذه الحالات، ادّعى الجيش أو الشرطة أو "الشاباك" أنّ القتلى عرّضوا القوّات للخطر؛ حيث زُعم بشأن 13 حالة منها أنّهم حاولوا دهس القوّات التي كانت في الموقع. وقد دحضت تحقيقات بتسيلم هذا الادّعاء بشأن عشرة من القتلى، في حين لم يكن بالإمكان الحسم في الحالات الثلاث المتبقّية، بناءً على المعلومات التي جُمعتْ، ما إذا كانت هناك بالفعل محاولة دهس. وفي الحالة الإضافيّة، ادّعت الشرطة أنّ القتيل كان مسلّحًا، ولكن لم يكن بالإمكان أيضًا تأكيد هذا الادّعاء أو نفيه بناءً على المعلومات التي جمعتْها بتسيلم.وسقط أربعة قتلى آخرين من المارّة الذين أطلقت القوّات الإسرائيليّة النار عليهم وأردتهم قتلى، في أعقاب محاولات قام بها أشخاص آخرون، كانوا على مقربة منهم، لاستهداف تلك القوّات. وكان من بين هؤلاء الطفلة رقيّة جهالين (4 سنوات)، التي كانت تستقلّ سيّارة أجرة مع عائلتها وقُتلت بنيران أفراد شرطة حرس الحدود، بعد أن حاولت مركبة يستقلّها زوجان فلسطينيان دهس شرطية عند حاجز قريب. وقُتل شخص آخر بنيران جنود كانوا ينصبون كمينًا بعد أن ألقى عدد من السكّان زجاجات حارقة باتّجاههم على شارع 55، كما أُطلقت النار على شخص آخر وأُردي قتيلًا عندما حاول النزول من مركبة لإخلاء صديقه، الذي أطلقت النار عليه بعد إلقائه عبوة ناسفة محليّة الصنع نحو قاعدة عسكريّة. وقُتل شخص آخر كان موجودًا في الشارع من جرّاء إطلاق نار كثيف صُوِّب نحو سائق مركبة كان على مقربة منه. وادّعت القوّات أنّ السائق حاول دهسهم، غير أنّ تحقيق بتسيلم دحض هذا الادّعاء.وقُتل شخص آخر برصاص الجنود بعد أن لم تتوقّف السيّارة التي كان يستقلّها برفقة شخص آخر عند حاجز فجائيّ. كما قُتل شخص آخر عندما كان يستقلّ سيّارة مسروقة برفقة شخص آخر، وذلك أثناء مطاردة، تخلّلها إطلاق نار، نفّذتها قوّات إسرائيليّة ضدّهما.وقُتل شخصان آخران، كانا ناشطين في تنظيم الجهاد الإسلاميّ، داخل سيّارتهما، وكانا مسلّحين، وذلك خلال مواجهات دارت بين فلسطينيّين وقوّات إسرائيليّة في مخيّم جنين للاجئين. من غير المعلوم ما إذا كان الاثنان قد شاركا في المواجهات التي قُتِل فيها 15 شخصًا آخر، من بينهم خمسة قاصرين.في الحالات السبع المتبقّية، والتي لم تصدر بشأنها أيّ بيانات رسميّة، يتبيّن من تحقيق بتسيلم الميدانيّ أنّ إطلاق النار لم يحدث على خلفيّة مواجهات، أو مطاردة، أو محاولة من قِبل أيّ شخص آخر للمسّ بالقوّات، كما لم يزعم أيّ مصدر رسميّ بأنّ القتلى قد شكّلوا أيّ خطر.فيما يلي التحقيق الميدانيّ في الحالتين الأخيرتين، في الخليل وطمّون:مقتل علي ووعد بني عودة وطفليهما عثمان ومحمّد، البالغين من العمر ستّة و خمسة أعوام، طمّون، 15.3.26:في مساء السبت، 14.3.2026، قبيل نهاية شهر رمضان، اقتحمت قوّات كبيرة من الجنود ومستعربي شرطة حرس الحدود عدّة منازل في بلدة طمّون.خلال الاقتحام، كان أفراد عائلة بني عودة الستّة، الوالدان وأطفالهما الأربعة، عائدين إلى البلدة بعد قضاء الوقت والتسوّق بمناسبة عيد الفطر في مدينة نابلس. وكان أفراد العائلة، الذين كانوا في طريقهم إلى منزلهم، يستقلّون سيارتهم ويسيرون ببطء. وعند خروجهم من منعطف في الشارع، فتح مستعربو شرطة حرس الحدود النار الحيّة على السيارة عن بعد نحو 10 أمتار، وقتلوا الوالدين علي (38 عامًا) ووعد (36 عامًا) بني عودة، واثنين من أطفالهما: عثمان (6 سنوات)، والذي كان كفيفًا، ومحمّد (5 سنوات). وكما ذُكر أعلاه، فإن الأب، الذي كان يقود السيارة، لم يَطلب منه المستعربون التوقّف، بل إنّ أفراد العائلة لم يلاحظوا وجود القوّات بتاتًا حتّى لحظة إطلاق النار عليهم، ولم يكونوا على علم بوجود القوّات في المنطقة.نجا طفلاهما الآخران من هذا الاعتداء، وروى خالد (11 عامًا)، الذي انحنى ونجا من الرصاص، أنّه فور توقّف إطلاق النار، قام المستعربون بسحبه وإخراجه هو وشقيقه مصطفى (8 سنوات) من السيّارة. ووفقًا لأقواله، فقد حقّقوا معه بعنف، وصفعوه على وجهه، واعتدوا عليه بالضرب، وأصرّوا على أنّه يمان بني عودة – فتى كانت القوّات تبحث عنه في تلك الليلة.وفي وقت لاحق من تلك الليلة، اعتقلت القوات يمان بني عودة (15 عامًا) في منزله، بعد أن فتشت المنزل واعتدت بالضرب على بنات عائلته. وصحيحٌ حتى منتصف آب 2026، فهو لا يزال قيد الاعتقال الإداري.جمع باحث بتسيلم الميدانيّ، عارف دراغمة، إفادات من بعض أفراد عائلة بني عودة ومن سكّان المنزلين اللذين داهمهما الجنود في تلك الليلة:خالد بني عودة (11 عامًا) الذي نجا هو وأخوه مصطفى (8 أعوام) من إطلاق النار القاتل، حدّث في 16.3.26:أنا أسكن في بلدة طمّون مع عائلتي – والديّ، وأخوتي الثلاثة. كان والدي يعمل في داخل إسرائيل منذ سنوات، وكان يأتي لزيارتنا من حين إلى آخر.في الأشهُر الثلاثة الماضية لم يأتِ أبي إلينا بسبب العمل، لكنّه كان يتّصل بنا كلّ يوم كي يطمئنّ علينا. قبيل انتهاء شهر رمضان اتّصلنا به، فأخبرنا أنّه سيأتي بعد يوم أو يومين. أخيرًا، جاء أبي في يوم الجمعة، 13.3.26، نحو السّاعة 20:00، بعد الإفطار. فرحنا جدًّا وتشوّقنا كثيرًا – أنا وإخوتي ووالدتي انتظرناه خارج المنزل لكي نراه قادمًا، لأنّنا لم نره منذ أشهُر. كنّا متلهّفين إلى التسوّق معًا للعيد ولقضاء الأسبوع الأخير من رمضان سويّة.كان لقاؤنا عبارة عن لحظات ملؤها الفرح والسّعادة. عانقناه ودخلنا جميعًا إلى المنزل. جدّي وجدّتي أيضًا كانا في انتظاره، فهُما يحبّانه كثيرًا، وهو أيضًا يهتمّ بهما دائمًا ويلبّي احتياجاتهما. أمضينا معًا يومي السّبت والأحد في أجواء بهيجة، وقد أعدّت أمّي وليمة إفطار تناولناها معًا.في يوم الأحد، 15.3.26، نحو السّاعة 23:00 ليلًا، وبعد أن أدّينا صلاة التراويح في مسجد القرية، قرّرنا - أنا وأبي وإخوتي -السّفر إلى نابلس لكي نتسوّق مُشتريات العيد. ركبنا سيّارتنا أنا وأمّي وجميع إخوتي، وكنّا فرحين جدًّا لأنّ أبي مُوجود معنا وسيبقى معنا خلال أيّام العيد.عندما وصلنا إلى نابلس توجّهنا إلى "سيتي مول" – المجمّع التجاريّ الجديد الذي افتُتح هُناك. أمضينا هُناك بعض الوقت، ثمّ تناولنا الطعام وتجوّلنا في أنحاء المدينة بالسيّارة. أردنا أن نشتري ملابس أيضًا لكنّ السّاعة كانت 1:00 بعد منتصف اللّيل، فقرّرنا أن نعود إلى المنزل لأنّ الوقت قد تأخّر كثيرًا. اتّفقتُ مع والدي أن نعود في اليوم التالي لشراء ملابس العيد. رضيتُ بذلك لأنّني لم أشأ أن أثقل على أبي خاصّة وأنّه يعمل بعيدًا عنّا، في إسرائيل.خرجنا من نابلس عائدين إلى منزلنا في طمّون. كان سفرُنا سويّة مُمتعًا. جميعنا تبادلنا أطراف الحديث وضحكنا معًا. نحو السّاعة 1:30 ليلًا دخلنا إلى طمّون عبر مدخلها الجنوبيّ-الغربيّ، وواصلنا طريقنا في اتّجاه المنزل. لم نسمع عن أيّ أحداث استثنائيّة، ولم نعلم بوجود جنود في المنطقة.كنتُ أنا جالسًا في المقعد الذي خلف أبي، أخي مصطفى في المقعد الذي خلف والدتي، أخي محمّد في الوسط، وأمّي كانت في المقعد الأماميّ وأخي عُثمان في حضنها، وهو كفيف البصر ومن ذوي الاحتياجات الخاصّة.واصلنا السّفر في وسط البلدة، وبالضّبط بعد أن انعطفنا في أحد الشوارع شاهدتُ خلفنا أضواء "ليزر"، وفوجئنا بجنود أخذوا يُطلقون النار علينا. يبدو أنّهم خرجوا من زقاق قريب. قبل ذلك لم نعرف أنّه يوجد هناك جنود ولم نرَهُم. لم أسمع أيّ جنديّ يطلب من أبي أن يتوقّف قبل أن يُطلقوا النيران. كانت نوافذ السيّارة مفتوحة ولم نسمع شيئًا في الخارج سوى طلقات الرّصاص.أطلقوا علينا عشرات الأعيرة الناريّة. ظننتُ أنّني الناجي الوحيد في السيّارة. كان الدّم يغطّي والدتي. كانت تصرُخ ثمّ صمتتْ، ففهمتُ أنّها قد استُشهدت. أبي كان يحتضر وقد سمعته يتلو الشهادتين، أمّا إخوتي فلم يُبدوا أيّ حراك. ظننتُ أنّني الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، لأنّني حين فتحوا النار انحنيتُ وراء مقعد أبي.بعد مضيّ ثوانٍ معدودة اقترب الجنود إلينا وفتحوا الباب. أمسكوا بي من شعري وجرّوني أنا أيضًا إلى خارج السيّارة. أخي مصطفى خرج بنفسه وهو يرفع يديه فوق رأسه. أبعدني الجنود عن السيّارة بضعة أمتار وسألوني من يوجد في داخل السيّارة، فأجبتُهم: أبي وأمّي وإخوتي. عندئذٍ صفعني أحد الجنود وقال إنّني أكذب. سألني من يوجد أيضًا في داخل السيّارة، فأجبتُه: فقط أفراد أسرتي. أوقعوني على الأرض وضربوني على ظهري وهُم يتوعّدونني بالقتل إذا تبيّن أنّه يوجد في السيّارة أشخاص آخرون. قالوا لي: "أنت يامن. أنت تكذب". لم أفهم في البداية من هُو يامن، لكنّني علمتُ لاحقًا أنّهم يبحثون عن فتى اسمه يامن في سنّ 15 عامًا تقريبًا.أجلسوني أنا وأخي مصطفى قرب بوّابة حديديّة ثمّ فتحوا أبواب السيّارة لكي نرى جثامين أفراد أسرتنا، أبي وأمّي وأخويّ، التي كانت مغطّاة بالدّماء.بعد مضيّ بضع دقائق جاءت سيّارة إسعاف من جهة الشرق. أشار الجنود لي من أين أذهب، وحين وصلتُ إلى سيّارة الإسعاف أخذتني أنا ومصطفى إلى المستشفى التركي في طوباس لنتلقّى العلاج. لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك لسيّارتنا ولجثامين أفراد أسرتي.لحظات إطلاق النار كانت مُرعبة ومؤلمة جدًّا. أبي يصرُخ، أمّي تصرُخ. كنت في حالة صدمة. أصابتني الشظايا بجروح في مختلف أنحاء جسمي. بعد ذلك، تبيّن في المستشفى أنّ إصابتي طفيفة، وكذلك إصابة أخي مصطفى.سرّحونا من المستشفى في نحو السّاعة العاشرة صباحًا، فذهبنا لنشارك في تشييع جثامين أبي وأمّي وإخويّ. كنتُ أعلم أنّهم استُشهدوا، فقد رأيت كلّ شيء في داخل السيّارة - لم يتحرّكوا بتاتًا.قتل الجيش الإسرائيليّ أبي وأمّي وأخويّ مع أنّنا لم نفعل أيّ شيء، بل حتّى لم نعلم بوجود جنود في المنطقة. لقد قتلوهم بدم بارد.بقيتُ أنا وأخي مصطفى الآن. نحن الآن يتيمان، وليس لنا أحد سوى جدّي وجدّتي.أتساءل طوال الوقت: كيف كان لنا أن نهدّد سلامة الجنود كي يُطلقوا النار علينا بهذه الطريقة؟ كنّا مُسافرين في الشارع ولم يكن هناك أيّ شيء غير عاديّ. سرنا ببُطء، لكنّهم أطلقوا النار علينا دون تحذير مسبق.كنّا سعداء للغاية لأنّ أبي عاد إلينا. أمّي كانت مسرورة، وكذلك إخوتي. لعبنا وضحكنا وفرحنا لأنّنا سنُمضي أيّام العيد سويّة – نحن وجدّي وجدّتي والعائلة كلّها.بدلًا من ذلك حياتنا تدمّرت. قُتلت كلّ أسرتنا. الآن بقينا وحدنا أنا وأخي الصغير، ولا نعرف كيف سنُواصل حياتنا بدون أب وأمّ.لكن رغم الألم الفظيع فإنّني لا أقول سوى الحمدُ لله على كلّ شيء.جدّة خالد ومصطفى ووالدة علي بني عودة، نجاح بني عودة (63 عامًا)، أمّ لعشرة، قالت في إفادتها في 24.3.26:ابني علي، رحمه الله، كان متزوّجًا وأبًا لأربعة أولاد. كان يعمل في إسرائيل لكي يعيل عائلته. كان علي إنسانًا كريمًا يضحّي من أجل كلّ مَن يحتاج إليه، حتّى على حساب وقته وصحّته. كنتُ أتحدّث مع علي طوال الوقت. في الأشهر الأخيرة لم يَعُد إلى البيت وبقي في مكان عمله داخل إسرائيل. كنتُ دائمًا أقلق عليه عندما كان في إسرائيل بسبب الشرطة، وخشيتُ أن يحدث له شيء، لكن لم يخطر ببالي للحظة أنّه سيُقتل مع زوجته وطفليه.عندما كان علي يتّصل بي، كان يطلب دائمًا أن أدعو له، وكان يقول لي إنّ دعائي يمنحه الأمان. كان يفتح كاميرا الفيديو ويُريني أين يسكن، وأنّه موجود في مكان آمن، لكي يطمئنني. كان يقول لي: "أريد أن أعمل لكي أخفّف عن أبي الذي ربّانا، وصار الآن كبيرًا وتعب".عاد إلى البيت قبل نحو أسبوع من نهاية شهر رمضان، ووصل قبل صلاة المغرب. كنتُ أنا وزوجته وأولاده في انتظاره. جاءوا إلينا ثمّ ذهبوا بعد ذلك إلى منزلهم ليرتاحوا. وفي مساء اليوم التالي تناولنا الطعام معًا – أكلنا الحلويات، وفرحنا، وقضينا الوقت جميعًا معًا، وكنّا نضحك ونمزح.بعد ذلك خرج علي للقاء الأصدقاء والأقارب الذين لم يرهم منذ فترة طويلة، ثمّ ذهب ليقصّ شعره. بعد ذلك، قرابة الساعة 23:00، أخذ الأطفال الذين كانوا ينتظرونه للخروج لقضاء الوقت معًا، رغم أنّه هو وزوجته وعد لم يرغبا كثيرًا في الخروج لأنّ الوقت قد تأخّر. لكنّني أصررتُ على أن يخرجوا، من أجل الأطفال الذين انتظروه وقتًا طويلًا وكانوا في غاية الحماس والفرح وأرادوا شراء ملابس للعيد.ارتدى الجميع ملابسهم، وحمل علي طفله عثمان، وهو كفيف، على يديه. قبل خروجهم، سألني وسأل والده إنْ كنّا بحاجة إلى أيّ شيء من نابلس، فأجبناه بأن يشتري للأطفال ما يحتاجون إليه.قرابة الساعة 1:30 استيقظتُ لكي أتناول الدواء، لأنّ يدي كانت تؤلمني، وحينها رأيتُ ابني عمر يفتح الباب ويأخذ الهاتف. نهضتُ فزعة، فقال لي إنّ هناك قوّات خاصّة في طمّون. سألتُه أين علي، وبدأت أقلق عليه وعلى عائلته. فقال لي إنّ علي وعائلته لم يعودوا بعد إلى البيت.اتّصلتُ بهم لكنّهم لم يجيبوا، وحينها قال لي عمر إنّ الجيش يطلق النار على سيّارة. قلتُ له إنّهم يطلقون النار على سيّارة علي، لأنّهم دائمًا ما يجيبون على الهاتف. لكنّ عمر قال إنّ الأمر يتعلّق بأشخاص آخرين، حتّى أنّه أعطاني أسماءً.لم أهدأ. كنتُ متوتّرة للغاية، وشعرتُ بأنّ شيئًا ما حدث لعلي ولعائلته. وفجأةً، بدأ عمر يصرخ ويقول إنّها سيّارة علي.قبل ذلك بشهر قلتُ إنّه إذا حدث شيء لعلي فسيكون ذلك كارثة بالنسبة لي. كان ينتابني دائمًا شعور بأنّ شيئًا ما سيحدث له. كنتُ أتّصل به طوال الوقت لأطمئنّ عليه، وكان هو يفتح كاميرا الفيديو لكي يهدّئ من روعي.سألتُ عمر أين هم، فقال لي إنّهم في المستشفى في طوباس. طلبتُ من زوج ابنتي أن يأخذني إلى هناك بسيّارته. وصلتُ إلى هناك بعد بضع دقائق، ورأيتُ مصطفى وخالد، ابنَيْ علي. رأيتُ دماء على ملابسهما وسألتُ إن كانا مصابين. فقال لي خالد ومصطفى إنّ هذه الدماء هي دماء محمّد، الذي كان بجانبهما عندما قُتل. صُدمتُ من هذا الخبر المُفجع. روى لي خالد كيف أطلق الجنود النار على السيّارة وأنّه انحنى ولذلك لم يُصب. وأخبرني كيف تلا علي الشهادة وكيف صرخت وعد بأنّ الجميع قد قُتلوا.قلتُ له "أبوك سيكون بخير". كنتُ آمل أنّهم لا يزالون على قيد الحياة، لأنّهم لم يحضروهم بعد إلى المستشفى. ولكن بعد نصف ساعة أحضروهم، وكانوا جميعًا قد فارقوا الحياة. أدخلوهم إلى الثلّاجات. كانت هناك آثار كثيرة للأعيرة الناريّة على جثامينهم، وخاصّة في منطقة الوجه من الجهة اليمنى. والكثير من الدماء. عندما رأيتُ علي ومحمّد، لم تكن زوجته وعد في المكان نفسه، فأمِلتُ أنّها لا تزال حيّة، ولكن اتّضح لي بعد ذلك أنّها كانت في ثلّاجة مجاورة، سويّة مع عثمان.لم أصدّق ما حدث. حتّى بعد أن رأيتُ جثامينهم كان من الصعب عليّ أن أصدّق. لقد أطلقوا النار على ابني وعائلته، وقتلوهم. ابني وأطفاله ذهبوا لقضاء بضع ساعات في نابلس، ولشراء أشياء للعيد. حتّى أنّ علي أعطى أخاه نقودًا وطلب منه أن يوزّعه على أخواته وعلى والديّ، وكأنّه شعر بأنّه على وشك أن يموت مع عائلته.هذا ما حدث.دفنّاه في طمّون. سوف نعتني بخالد ومصطفى، ولديْ ابني الغالي. أطلق الجيش النار عليهم وهو يعلم بوجود عائلة داخل السيّارة. كان علي يريد أن يقضي العيد معنا ويعود إلى عمله، لكنّ الاحتلال منعه من ذلك. لم يكن مطلوبًا، بل كان مجرّد عامل ذهب ليعمل من أجل إطعام عائلته، لكنّ الاحتلال سلبنا علي ووعد وطفليهما إلى الأبد.عبد اللطيف بشارات (68 عامًا)، الذي داهم جنود منزله قبيل إطلاق النار بوقت قصير، قال في إفادته في 17.3.26:اقتحم الجنود منزلنا في حدود الساعة 1:15 ليلًا. فتحوا المدخل الرئيسيّ، البوّابة السحّابة، ثمّ فجّروا بعد ذلك باب المدخل الرئيسيّ للبناية. البناية مكوَّنة من طابقين: أنا أسكن في الطابق الأرضيّ مع زوجتي، ويسكن ابننا المتزوّج في الطابق العلويّ.استيقظنا مذعورَين، أنا وزوجتي التي سألت: "ما هذا الغبار والأوساخ في داخل البيت؟"، فقلتُ لها: "هذا ليس غبارًا ولا أوساخًا، هذا زجاج – هؤلاء جنودٌ فجّروا الباب".فور ذلك، صعد الجنود إلى الطابق العلويّ، إلى ابني، وعلمنا لاحقًا أنّه كان في الحمّام في ذلك الوقت. ارتدى ملابسه بسرعة وخرج. صعدتْ زوجتي على الفور إلى الأعلى، إلى منزل ابننا، ولكن بعد دقيقة رأيتُ جنديَّين يُمسكان بها ويقتادانها، ويأمرانها بالنزول إلى الطابق الأرضيّ. أعاداها إلى داخل منزلنا.بينما كنتُ واقفًا في المكان، قال لي أحد الجنود، والذين كان بعضهم ملثّمين: "أعطني يديك". قلتُ لهم بالعبريّة: "لكنّني رجل مسنّ، ومريض أيضًا". لقد خضعتُ لأكثر من ستّ عمليّات جراحيّة في ظهري، ولديّ بلاتين هناك أيضًا. ورغم ذلك، دفعني، وألقى بي على الأريكة وقيَّد يديّ بالأصفاد. ثمّ أخذ بطانيّة كانت في البيت ووضعها على رأسي بحيث غطّت وجهي.أزاحت زوجتي البطانية التي وضعوها عليّ وقالت لهم: "زوجي مريض، بعد لحظة سيموت". بعد ذلك حضر جنديّ آخر، وأخذ غطاء الطاولة ووضعه على رأس زوجتي، لكنّها أزالته.بعد أن قيّدوا زوجتي أيضًا، أقفلوا علينا الباب في داخل إحدى الغرف، وصعد جميع الجنود إلى منزل ابني. لم أكن أعلم ماذا يفعلون هناك، ولكن في وقت لاحق أخبرني أنّهم فتحوا النوافذ، وفكّوها وأنزلوا الستائر، واستخدموا بعض الخزائن كسواتر حماية بجانب النوافذ.مكثوا في منزلنا ساعة تقريبًا، وخلال هذا الوقت كلّه كنتُ أنا وزوجتي محبوسين في الغرفة التي أقفلوها علينا مقيَّدي الأيدي بالأصفاد البلاستيكيّة. عندما غادروا، تركونا داخل الغرفة ومضوا دون أن يقولوا لنا شيئًا. لم تمرّ عليّ في حياتي لحظات كهذه قطّ. تركوني مكبّل اليدين داخل الغرفة وذهبوا.بعد ذلك حرّرنا ابننا من الغرفة المقفلة. قال لنا إنّهم غادروا، ثمّ حرّر يدَيْ زوجتي التي قامت بعدها بتحرير يدَيّ.بعد مغادرتهم فهمنا من الناس ومن شبكات التواصل الاجتماعيّ أنّ الجيش أطلق النار على مركبة. رأيتُ أشخاصًا كثيرين يحضرون إلى المكان الذي حدث فيه ذلك، وهو قريب جدًّا من منزلي، على بُعد نحو 15 مترًا. خرج ابني إلى هناك، وعندما عاد أخبرنا بأنّ الجنود أطلقوا النار على عائلة بني عودة، الذين كانوا يستقلّون سيّارتهم، وأنّه كان هناك أطفال في داخل السيّارة.هذا جيش عديم الأخلاق. هذا الجيش غير إنسانيّ. لم يكترثوا لكوني رجلًا مسنًّا ومريضًا. تعاملوا معي بعنف. لم يسألوني عن أيّ شيء، ولم يسألوا ابني أيضًا. كان ذلك ببساطة استباحة واعتداء على منزلي ومنزل ابني. مكثوا لدينا وقتًا طويلًا. كنّا خائفين جدًّا وخشينا على حياتنا.والدة يمان بني عودة، الذي اعتقلته القوّات في تلك الليلة، مريم بشارات (بني عودة) (42 عامًا)، أمّ لأربعة، قالت في إفادتها في 17.3.2026:نحن نسكن في الطابق الثاني من مبنى مؤلّف من طابقين، على مسافة غير بعيدة من المكان الذي أطلق فيه الجنود النار على سيّارة عائلة بني عودة.في تلك الليلة، قرابة الساعة 1:00، استيقظتُ على صوت إطلاق نار وطرقات على الباب في الطابق الأوّل. سمعتُ جنودًا يسألون السكّان في الطابق الأوّل: "أين مريم؟". بعد ذلك سمعتُ إطلاق نار في المنطقة الواقعة جنوب منزلي. ارتديتُ ملابسي بسرعة ونظرتُ من النافذة. كنتُ مع بناتي، وكنّا جميعًا نرتجف من الخوف.بعد ذلك بأقلّ من دقيقتين، اقتحم الجنود الباب الحديديّ بطريقة جنونيّة وهمجيّة، ودخلوا إلى منزلي معهم كلب. أخذوا يصرخون علينا ويشتموننا. أمرونا جميعًا بالجلوس في غرفة واحدة، باستثناء ابنتي الكبرى، نسمة (18 عامًا)، وهي طالبة في السنة الأولى في الجامعة، وقد بدأوا بالتحقيق معها في غرفة أخرى. بعد ذلك تحدّث معي أحد الضبّاط وسألني عن ابني، يمان. أجبتُه بأنّه صغير السنّ، في الصفّ التاسع، وأنّه ليس في البيت. أخذ يشتمني، ثمّ شتم الذات الإلهيّة، وصرخ عليّ: "لا تتكلّمي، لا تتكلّمي". سمعت نسمة ذلك، لأنّ الغرفة التي كانوا يحتجزونها فيها كانت بجوار الغرفة التي كنتُ أنا فيها، فقالت للجنديّ إنّها تريد رؤية ما يحدث مع والدتها في الغرفة الأخرى. عندئذٍ، تهجّم الجنديّ عليها وأراد أن ينزع الحجاب عن رأسها. قلتُ لها ألّا تتكلّم.أمرني الجنود بالاتّصال بيمان. اتّصلت ابنتي به وطلبت منه القدوم. مكثوا في المنزل أكثر من ساعة وهم ينتظرون وصول يمان.بينما كانوا ينتظرونه حطّموا وأفسدوا كلّ شيء في المنزل: الأغراض، أدوات المطبخ، الأغطية وغيرها. بل إنّهم داسوا على المصاحف الشريفة. واستمرّوا طوال الوقت في شتمنا. كما أخذ الجنود على بطاقة هويتي ومحفظتي. كانوا يوجّهون بنادقهم نحو أولادي لبثّ الرعب في نفوسهم. وفي مرحلة ما حاولتُ الاقتراب من الغرفة التي كانوا يحقّقون فيها مع نسمة، فقال لي أحد الجنود، وكان يتحدّث العربيّة، أن أعود وهدّدني: "أريد إطلاق النار على ابنتك الكبرى أمام عينيك". بعد ذلك، ضرب نسمة على رجلها من الأسفل ببندقيّته وكسر لها قدمها. فسقطت نسمة على الأرض. كما ضرب ابنتي الصغيرة (11 عامًا) على كتفها بالبندقيّة. وكان يصرخ علينا وعلى الأولاد: "اخرسوا".في وقت لاحق وصل يمان إلى المنزل، فكبّله الجنود في الخارج واقتادوه إلى داخل البيت، ثمّ حقّقوا معه في الداخل. سألوه عن منشورات وملصقات كانت في المنزل. رأيتُ ابني مقيّد اليدين ومعصوب العينين، وكانوا يحنون ظهره باتّجاه الأرض. بعد ذلك غادروا المنزل وأخذوا يمان معهم.لقد فقدتُ أحد أبنائي، ريان، قبل سنة. وأنا أخشى أن يفعلوا شيئًا بيمان أيضًا.مقتل سام أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر، في الخليل، 5.6.26:في ساعات مساء يوم الجمعة الموافق 5.6.26، كانت عائلة أبو هيكل تستقلّ سيّارتها من بيت لحم إلى الخليل. كان في السيّارة كلٌّ من: فهد أبو هيكل (40 عامًا)، وزوجته دانية سلامة-أبو هيكل (28 عامًا)، وابنهما الرضيع سام، البالغ من العمر سبعة أشهر، بالإضافة إلى كنان (12 عامًا)، وهو ابن فهد من زواج سابق، ووالدة فهد، فريال أبو هيكل (80 عامًا). كان أفراد العائلة في طريقهم إلى منزل فريال الواقع في حيّ تل رُميدة، بعد أن حلّت ضيفةً عليهم في بيت لحم.يقع حيّ تل رميدة في المنطقةH2 الخاضعة للسيطرة الإسرائيليّة، وتتركّز في نطاقه غالبيّة المستوطنات اليهودية في المدينة. تفعّل إسرائيل منظومة دائمة من قوّات الجيش والشرطة في المنطقة، تشمل عشرات السدّات على الطرق والحواجز الداخليّة المأهولة بانتظام، ونقاط التفتيش والدوريّات المكثّفة – كما تفرض قيودًا مشدّدة على حريّة حركة السكّان الفلسطينيّين وعلى وصولهم إلى منازلهم ومصادر رزقهم والخدمات المختلفة.عندما اقتربت السيارة من منطقة وادي الهرية، الواقعة على بُعد نحو كيلومتر واحد إلى الشمال من موقع تل رميدة الأثريّ في المدينة، لاحظ أفراد العائلة حركة غير اعتيادية للمركبات العسكريّة. واصلوا سفرهم، وبعد الساعة 19:30 بقليل، عند وصولهم إلى المفترق المسمّى "مفترق/حاجز 17" - على اسم حاجز للسلطة الفلسطينية كان يعمل في المكان سابقًا - صادفوا عددًا من الجنود الذين كانوا يغلقون الطريق. وجّه أحدهم سلاحه نحو السيّارة وشغّل منظار التصويب بالليزر. أبطأ فهد، الذي كان يقود السيارة، من سرعته على الفور، ولكن بعد أقلّ من نصف دقيقة، ودون أيّ تحذير مسبق، أطلق الجنديّ رصاصتين على الأقلّ نحو السيارة. اخترقت إحداهما الزجاج الأماميّ، وأصابت كفّ يد فهد اليمنى، ثمّ أصابت رأس الرضيع سام، الذي كان يجلس على ركبتي والدته في المقعد الخلفيّ. كما أصابت شظايا الرصاصة والدته دانية في فكّها الأيمن وفي صدرها. أطلقت النار مباشرةً نحو السيارة وركّابها من مسافة لم تتعدَّ 20 مترًا تقريبًا، وهي مسافة كان يمكن منها الرؤية بوضوح أنّ السيارة تُقلّ أُسرة، وفيها نساء وأطفال.فور إطلاق النار غادر الجنود المكان، ونُقل أفراد الأسرة بسيارة خاصّة كانت موجودة هناك إلى مستشفى عالية في الخليل، ونُقلت دانية وسام بعد ذلك إلى مستشفى الأهلي في المدينة. حاول الأطبّاء إجراء إنعاش للرضيع، ولكن دون جدوى. أُجِّل الإعلان عن موته حتّى استقرّ وضع والدته دانية، ولم يُعلن عن وفاته إلّا قرابة الساعة 22:00 من ذلك المساء. وفي اليوم التالي، أُحضر جثمان الرضيع إلى والدته لتوديعه. بقيت دانية راقدة في المستشفى في قسم العناية المكثّفة لمدّة خمسة أيّام.باحثة بتسيلم الميدانيّة، منال جعبري جمعت إفادات العائلة.فريال أبو هيكل (80 عامًا)، جدّة سام، وأمّ لعشرة، قالت في إفادتها في 7.6.26:أنا أسكن في منطقة تل رميدة بمدينة الخليل مع ابني وديع (39 عامًا). في السابق عملتُ في جهاز التعليم. وعلى مدار عقود عانيتُ أنا وعائلتي من تجبُّر الاحتلال واعتداءات المستوطنين، ومن محاولات تهجيرنا من أرضنا وطردنا منها. تفاقمت هذه المعاناة منذ أحداث 7 أكتوبر: أُغلِق الطريق المؤدّي إلى منزلنا بمكعّبات إسمنتيّة، لمنع مرور المركبات. علاوة على ذلك فقد استولت السلطات الإسرائيليّة والمستوطنون بالكامل على أراضينا المزروعة بأشجار الزيتون، ومنعونا من الوصول إليها أو قطف ثمار الزيتون منذ ثلاث سنوات.انتقل ابني فهد للسكن في مدينة بيت لحم قبل سنتين، بعد زواجه من دانية سلامة. وقبل سبعة أشهر، وُلد ابنهما سام. لدى فهد ابن آخر أيضًا، كنان (12 عامًا)، من زواجه السابق. تقيم والدة كنان في الخليل، وهو يتنقّل في عيشه بين منزل والده ومنزل والدته.في 4.6.26، قرابة الساعة 19:00، كان كنان يحتفل بتخرّجه من المدرسة الابتدائيّة وانتقاله إلى المرحلة الإعداديّة. وحضر والده فهد للمشاركة في الحفل. بعد انتهاء الاحتفال، دعاني فهد لقضاء يومين في منزله ببيت لحم، فسافرتُ معه. قرّرتُ العودة إلى منزلي يوم الجمعة لأنّ وديع بقي بمفرده في البيت، وخشيتُ على سلامته من اعتداءات المستوطنين أو اقتحامات الجنود.أقلّني فهد بسيّارته إلى الخليل، ورافقتنا في الرحلة أيضًا زوجته دانية، وابنهما سام، وابنه كنان. جلستُ أنا في المقعد الأمامي إلى جانب فهد، الذي كان يقود السيّارة. وجلس كنان ودانية في المقعد الخلفيّ، ووُضع سام في مقعد الأمان الخاصّ به. عندما وصلنا إلى منطقة وادي الهريّة في الخليل، لاحظنا حركة نشطة للمركبات العسكريّة، وفهمنا أنّ هناك جنودًا إسرائيليّين في المنطقة. كان هذا أمرًا اعتياديًّا من ناحيتنا، لأنّ الوحدات الراجلة التابعة للجيش تتجوّل هناك في كثير من الأحيان.واصلنا طريقنا نحو المنزل، عبر الطريق الوحيدة المؤدّية إلى بيتي في تل رميدة، والتي لا بديل لها. أخرجت دانية سام من مقعد الأمان وأمسكت به على ركبتيها استعدادًا لوصولنا إلى المنزل. عندما وصلنا إلى المفترق المعروف باسم "حاجز 17"، بجوار حارة رزق، وعلى بُعد نحو 200 متر من بيتي في تل رميدة، رأينا أربعة جنود على مسافة نحو عشرين مترًا من السيارة. وجّه أحدهم سلاحه نحونا وشغّل مِنظار الليزر، ثمّ ودون أيّ تحذير مسبق، وفي غضون أقلّ من نصف دقيقة من لحظة وصولنا إلى المكان، أطلق علينا رصاصتين.لم أستوعب ما كان يجري حولي حتى سمعتُ دانية تصرخ: "قتلوا ابني! سام مات!". فتحتُ باب السيارة، وكان الجنود قد فرّوا من المكان بعد أن أطلقوا النار علينا. بدأتُ أصرخ وأستغيث. خرجت دانية هي الأخرى من السيارة، وكان وجهها مغطّى بالدماء، بينما كان سام مستلقيًا على ذراعيها بلا حراك، والدماء تسيل من وجهه. خرج فهد أيضًا من السيارة، وكانت يده اليمنى تنزف.بدأ الكثير من الأشخاص بالتجمهر في المكان، واستقلّ فهد، الذي كان يحمل سام، سيارة خاصّة كانت هناك، سويةً مع دانية وكنان، وجرى نقلهم من المكان. أمّا أنا فبقيتُ جالسةً في الشارع، محطّمةً تمامًا وغير قادرة على الوقوف على قدميّ، إلى أن وصلت سيّارة إسعاف فلسطينيّة إلى المكان ونقلتني إلى مستشفى عالية الحكومي.نُقل فهد وعائلته أيضًا إلى هناك، وتمّ لاحقًا نقل دانية وسام إلى مستشفى الأهلي. في وقت لاحق من تلك الليلة، أعلن الأطبّاء وفاة سام.شقيقه كنان يعاني من صدمة نفسيّة قاسية، وحزن عميق، وانهيار نفسيّ جرّاء فقدان شقيقه الصغير، الذي قتله الجنود أمام عينيه. حتّى اليوم لا يمكنني تصديق ما حدث. الأمر أشبه بكابوس فظيع. أيّ ذنب اقترفه طفل رضيع يبلغ من العمر سبعة أشهر؟ربّما كان سيخطر ببالنا أن يقوم الجنود باعتراض السيارة، أو احتجاز السائق، أو إذلاله، وحتّى بالاعتداء عليه جسديًّا. لكن لم يخطر ببالنا قطّ أن يفتحوا النار علينا بهدف قتلنا دون أيّ سبب، ودون أن نشكّل أيّ خطر عليهم.والدة سام، دانية سلامة (28 عامًا)، قالت في إفادتها في 7.6.26:أنا أسكن في بيت لحم مع زوجي فهد (40 عامًا)، ومع ابني سام، البالغ من العمر سبعة أشهر. أعمل محاضرةً في جامعة فلسطين الأهليّة، ويعمل زوجي أيضًا محاضرًا في الجامعة نفسها. أنا متزوّجة من فهد منذ عامين. قبل سبعة أشهر وُلد ابننا سام، الذي ملأ حياتنا بالحبّ والبهجة.في يوم الخميس الموافق 4.6.26، استضفنا في منزلنا ببيت لحم حماتي، فريال أبو هيكل (80 عامًا)، لتناول العشاء. كان زوجي قد أحضرها من الخليل بعد مشاركته في حفل تخرّج ابنه كنان (12 عامًا) من زواجه الأوّل، من المدرسة.في ساعات بعد ظهر يوم الجمعة قرّرتْ حماتي العودة إلى منزلها في الخليل، لأنّها كانت قلقة على ابنها وديع، الذي يسكن معها في حيّ تل رميدة – منطقة مغلقة تعاني من اقتحامات يومية للجنود ومن اعتداءات المستوطنين. وقرّرتُ أنا الانضمام إلى زوجي ووالدته وابنه كنان لمرافقتها إلى الخليل.وصلنا إلى الخليل في ساعات المساء، وسلكنا شارع وادي الهرية – وهو الطريق الوحيد المؤدّي إلى منزل حماتي في تل رميدة. عندما رأيتُ أنّنا نقترب من المنزل، أخرجتُ سام من مقعد الأمان ووضعته على ركبتيّ، كي أستعدّ للنزول من المركبة فور وصولنا. وفي نحو الساعة 19:30 وصلنا إلى مفترق 17 – قرب حارة رزق، وعندها رأينا أربعة جنود على مسافة نحو عشرة أمتار من السيارة. صوّب أحدهم سلاحه نحونا وأطلق النار باتّجاه السيارة – بتقديري أطلق رصاصتين أو أكثر. اخترقت إحدى الرصاصات الزجاج الأمامي، من جهة السائق، وأصابت يد زوجي اليمنى. ثمّ أصابت خدّ ابني سام الأيسر، تحت عينه، وخرجت من خدّه الأيمن، وأصابت شظاياها خدّي الأيمن وصدري. لكنّني لم أكترث إطلاقًا بإصابتي، لأنّني كنتُ في حالة صدمة وذهول من منظر الدماء التي كستْ وجه ابني سام، الذي كان بلا حراك. بدأتُ أصرخ: "سام مات! سام قُتل"!خرج زوجي من السيارة وهو ينزف من يده اليمنى. أخذ منّي الطفل وركض به نحو سيارة خاصة، وركضتُ أنا وكنان خلفه. في ذلك الوقت كانت والدة زوجي تجلس على الأرض وتصرخ بشكل هستيريّ طلبًا للمساعدة من السكّان الذين تجمهروا في المكان. فرّ الجنود على الفور بعد إطلاق النار.نقلتنا السيارة الخاصة إلى مستشفى عالية الحكومي، ومن هناك جرى نقلنا إلى المستشفى الأهلي. في تلك المرحلة لم أكن أعلم بعد أنّ ابني سام قد قُتل. أدخلوني إلى وحدة العناية المكثّفة، وامتنع الأطبّاء عن إجراء عملية جراحية لي، لأنّ الشظايا كانت قريبة جدًّا من الشريان الرئيسي المؤدّي إلى القلب. كما عالجوا خدّي الأيمن الذي أصيب بالشظايا.لم أعلم بنبأ مقتل ابني إلّا في صباح اليوم التالي، حيث أحضروه إليّ إلى وحدة العناية المكثّفة لكي أتمكّن من وداعه.قتلوا طفلي الصغير وأحرقوا قلبي. قتلوا أحلامي في رؤيته يكبر وينمو. سلبوا منّي أمومتي.لا أستطيع تخيّل كيف سأتمكّن من العودة إلى المنزل دون ابني؛ فقد كان مصدر البهجة في بيتنا – ذاك الذي يُنسينا تعبنا وهمومنا. كيف سأقوى على مواصلة الحياة دون بكائه ودون ضحكاته؟أنا أسأل نفسي طوال الوقت: لماذا أطلق الجنديّ النار؟ لماذا أراد قتلنا؟ لماذا سلبوا منّي ابني؟رغم الألم الذي أشعر به، ورغم أنّ الأطباء حذّروني من استقبال الزيارات بسبب وضعي الصحّي الصعب الذي أمرّ به، إلّا أنّني لم أرفض لقاء أيّ صحفي أو أيّ ممثّل عن منظّمة حقوق إنسان جاء إلى غرفتي في المستشفى. أريد أن يعرف العالم أجمع: الجيش الإسرائيلي قتل طفلي الرضيع، البالغ من العمر سبعة أشهر فقط، دون أن يفعل أي شيء ودون أن يكون مذنبًا بأيّ شيء.

7 أيلول/سبتمبر 2026

מכוניתו השרופה של קייס עלאן. מתוך תיעוד וידיאו שפורסם ברשתות החברתיות, שימוש לפי סעיף 27א'

سياسة إطلاق النار

جنود يُطلقون النار على سيّارة كانت تُقلّ أربعة شبّان فيقتلون السّائق ويجرحون أصدقاءه الثلاثة ثم ينكّلون بهم

في يوم الأربعاء المُوافق 28.12.25، نحو السّاعة 19:20، كان الشابّ قيس علّان (20 عاماً)، من قرية عينبوس في محافظة نابلس، يصطحب أصدقاءه الثلاثة في سيّارته. كان الشبان الأربعة يسافرون باتجاه منزل علان، في الجهة الجنوبية من القرية، وخلال الطريق توقفوا لشراء بعض التسالي والمشروبات الخفيفة.عندما وصلوا إلى بُعد نحو نصف كيلومتر عن المنزل، فوجئوا بضوء قويّ يُوجَّه نحوهم من الطرف الآخر من الشارع، وبدا كما لو أنّ شخصاً يُشير إليهم بمصباح يدويّ. خفّف قيس السّرعة وعندما أصبح على وشك التوقّف، أطلقت نحوهم 7-8 طلقات من الرصاص الحيّ. أصيب قيس علّان في رأسه وسقط رأسه على المِقود، ثمّ انحرفت السيّارة يميناً فاصطدمت بسور في طرف الشارع وارتدّت نحو الطرف الآخر من الشارع فاصطدمت بعامود كهرُباء ثمّ توقّفت. في أثناء تلك الأحداث المتلاحقة، وحتى بعد أن فقد السّائق السيطرة واصطدمت السيّارة بالسّور وعامود الكهرُباء، واصل الجنود استهداف الشبّان بعشرات الطلقات الناريّة الأخرى.قُتل علان، على الفور كما يبدو، وأصيب أصدقاؤه الثلاثة جرا الرصاص الحي: إبراهيم عبد الله (17 عامًا)، أصيب في بطنه وساقه اليمنى؛ يزن رشدان (20 عامًا)، أصيب برصاصة أصابت ذراعه وشظايا رصاص في ظهره؛ و"م." (20 عامًا)، أصيب بجروح خفيفة جراء شظايا الرصاص.أخرج الجنود أصدقاء علّان من السيّارة بالقوّة وجرّوهُم على الأرض مسافة 20-30 متراً، ثم ضربوهُم وجرّدوهم من ملابسهم. ضرب أحد الجنود بسلاحه الشابّ رشدان فيما ركله جنود آخرون. كما تعرض إبراهيم أيضاً للضرب وخبْط رأسه بـسيارة "الجيب"، ثمّ ركل الجنود بطنه بقوّة قرب موضع إصابته ممّا فاقم خطورة الإصابة.بعد وقت قصير جاءت سيّارة إسعاف وأدخل المُسعفون إليها اثنين من الجرحى - إبراهيم عبد الله ويزن رشدان. عندما حاول المُسعفون إخلاء الجرحى من المكان أعاق الجنود تحرّكهم طوال دقائق حيث طلبوا بطاقتيّ هويّة الجريحين، وعندما لم يتم العثور على بطاقة هوية أحدهما صوّره الجنود لغرض التعرّف عليه وفقط بعد ذلك سمحوا لسيّارة الإسعاف بالتحرّك فانطلقت نحو مستشفى رفيديا في نابلس. أخلت سيّارة إسعاف أخرى المصاب الثالث (م) إلى المستشفى نفسه وتمّ تسريحه في اليوم نفسه. وحسب ما قاله أحد المسعفين، فعند وصوله إلى المكان رأى سيارة علان وهي تحترق.بعد ذلك، غادر الجنود المكان آخذين معهم جثة الشابّ قيس علّان.في أعقاب الحادثة، نشر الجيش بياناً قال فيه: "ورد بلاغ عن "مخرّب" حاول دهْس قوّة من الجيش كانت تقوم بمهمّة في منطقة عينَبوس في لواء السّامرة. ردّت القوّة بإطلاق النار نحوه وقتلت المخرّب". لكن، كما في حالات أخرى كثيرة، أطلق الجنود بشكل منفلت نيراناً فتّاكة نحو مدنيّين يقودون سيّارتهم في الشارع المؤدّي إلى قريتهم، رغم أنهم خفّفوا السّرعة استجابة لضوء وُجّه نحوهُم ـ وهو ما كان ينبغي أن يفعله أيّ شخص في مثل هذه الحالة.الحالة التي نعرضها هُنا هي جزء من نمط أحداث مماثلة وقعت بين كانون الأوّل 2025 وآذار 2026. فعلى سبيل المثال، في 15.3.26 قام مستعربو "حرس الحدود" بإطلاق الرّصاص دون سابق إنذار نحو سيّارة عائلة بني عودة فقتلوا الأب والأمّ واثنين من أطفالهما (5 و6 سنوات)؛ وبعد ذلك ضربوا أحد الطفلين اللّذين نجيا من رصاصهم. في حادثة أخرى وقعت في الخليل يوم 10.1.26 قتل جنود بنيرانهم شاكر الجعبري الذي كان يقود سيّارته ومعه ابنته وأحفاده، بعد أن خفّف السّرعة حين لاحظ أنّ جنوداً راجلين قادمون أمامه. وفي حادثة أخرى وقعت هي أيضاً في الخليل قُتل في 6.12.25 أحمد الرّجبي وزياد أبو داوود، حين طلب جنود من أحمد الرّجبي أن يتوقّف بعد أن قد مرّ عنهُم في سيّارته. قاد أحمد السيّارة إلى الخلف لكي يعود إلى حيث الجنود، لكنّ أحد الجنود أطلق النار في الهواء فذُعر أحمد وفي غمرة اضطرابه ضغط مرّة أخرى على دوّاسة الوقود، فيما جنديّ يهمّ بأن يفتح باب السيّارة، وأصاب الجنديّ إصابة طفيفة. عندئذٍ أطلق الجنود وابلاً من الرّصاص وقتلوا أحمد الرّجبي وزياد أبو داوود، والأخير كان عامل نظافة تصادف وجوده في المكان. هذه الأحداث تعكس نمطاً متكرّراً من إطلاق النيران الفتّاكة دون أيّ مبرّر نحو مدنيّين عُزّل أبرياء، بضمنهم أطفال، لم يشكّلوا أي خطر على القوّات الإسرائيليّة.سجلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي إفادات اثنين من الجرحى والمسعف الذي نقلهما إلى المستشفى:يزن رشدان (20 عاماّ)، من سكّان قرية عينَبوس:בفي يوم الأربعاء المُوافق 28.12.25، نحو السّاعة 19:20، قمت مع صديقيّ قيس علّان و(م) بمُساعدة صديقنا إبراهيم عبد الله في تنفيذ أعمال صيانة لمنزله القريب من منزلي، وسط قرية عينَبوس. بعد أن أنجزنا الأعمال، خرجنا الأربعة في سيّارة قيس، التي يستخدمها فقط داخل القرية لأنّها غير مرخّصة.سافرنا في اتّجاه منزل قيس، والذي يقع في الناحية الغربيّة من القرية، لكي نُمضي السّهرة عنده. جلس (م) وقيس في المقعد بجانب السّائق، وجلسنا أنا وإبراهيم في المقعد الخلفيّ. في الطريق توقّفنا عند دكّان بقالة لنشتري تسالي ومشروبات خفيفة، ثمّ عُدنا إلى السيّارة وواصلنا السّير في اتّجاه منزل قيس.عندما كنّا على مسافة 400-500 متر من منزل قيس فوجئنا بضوء على بُعد 20-30 متراً منّا. بدا الأمر وكأنّ شخصاً يحمل مصباحاً ويُلوّح لنا به، لكنّنا لم نتمكّن من رؤيته بوُضوح. كان يقف في الطرف الآخر من الشارع، أي من الجهة اليُسرى. خفّف قيس السّرعة، وعندما كاد يتوقّف تماماً أطلقوا النار علينا فجأة. سمعت 7-8 طلقات. لم أستوعب ما الذي يجري، لكنّني رأيت قيس يتّكئ برأسه على المِقود والسيّارة تنحرف بقوّة في اتّجاه السّور الذي على يميننا.سمعت إطلاق نيران كثيفة لكنّني لم أرَ شيئاً. خفضت رأسي وقرفصْت على أرضيّة السيّارة كي أحمي نفسي. توقّفت السيّارة بعد أن اصطدمتْ بالسّور الذي على يمين الشارع، ولاحقاً علمت أنّها اصطدمتْ أيضاً بعامود كهرُباء. رغم كلّ هذا، واصل الجنود إطلاق النار علينا. أطلقوا ما يُقارب 30 رصاصة. تحطّم زجاج السيّارة وكانت الضجّة قويّة جدّاً. أبقيت رأسي منخفضاً وحميته بيديّ. كانت السيّارة مقلوبة على جانبها الأيمن.سمعت إبراهيم يصرخ، لكنّني لم أسمع صوتاً من (م) وقيس فتأكّدت أنّهما قد فارقا الحياة. كنت مرعوباً لدرجة أنّني لم أستطع التفوّه بكلمة. لم أفهم ما الذي يجري ولمَ يُطلقون كلّ هذا الرّصاص. نحن أصلاً لم نرَ جنوداً ولم نعرف أنّهم يتواجدون في المنطقة. شاهدنا فقط شخصاً يحمل مصباحاً، وحتى هذا لم نستطع أن نميّز ملامحه.فجأة فتح الجنود باب السيّارة من جهة اليسار وأخرجوني منها، أنا وإبراهيم. فقط آنذاك رأيت الجنود. في البداية كانوا 5-6 ثمّ انضمّ إليهم جنود آخرون. لم أرَ (م) وظننت أنّه قد استُشهد.سحبني الجنود بالقوّة وألقوا بي على الأرض ثمّ جرّوني مسافة 20 متر تقريباً. عندئذٍ لاحظت أنّ مركبة "جيب" عسكريّة قد وصلت من الاتجاه المُعاكس. وضعونا قُرب "الجيب" وكانت مسافة عدّة أمتار تفصل بيننا - أنا وإبراهيم وأيضاً (م) الذي ظننت أنّه قد استُشهد.صرخ الجنود عليّ وأمروني أن أرفع يديّ إلى الأعلى. رفعت يديّ، وكانت إحداهُما جريحة وتنزف دماً. ضربني أحد الجنود على رأسي بسلاحه، ثمّ ضربني مرّة أخرى فأحسست بدُوار وكدت أفقد الوعي. لم أكن قادراً على التفوّه بكلمة حتى. تظاهرت بأنّني غبت عن الوعي كي لا يستمرّوا بضربي، لكنّهم رغم ذلك ظلّوا يركلونني طوال ثلاث دقائق تقريباً.بعد ذلك تركوني. سمعت إبراهيم و(م) يصرخان، تحت وقع ضربات الجنود. بقيت هكذا طوال 10 دقائق تقريباً، ثمّ جاء جنديّ وخلع عني ملابس ـ رفع قميصي وأنزل بنطالي. ظننت أنّهم يتفقّدون موضع إصابتي، لكنّهم لم يفعلوا شيئاً ولم يقدّموا لي أيّ علاج.بعد مضيّ 10- 15 دقيقة جاءت سيّارات إسعاف. أدخلنا الجنود إليها، أنا وإبراهيم، لكنّهم منعوا سيّارة الإسعاف من التحرّك بعد أن طلبوا بطاقات هويّاتنا وتبيّن أنّ إبراهيم لا يحمل بطاقة الهويّة خاصّته. في النهاية، بعد مضيّ بضع دقائق، سمحوا لسيّارة الإسعاف بأن تتحرّك، بعد أن قاموا بتصوير إبراهيم.أقلّتنا سيّارة الإسعاف إلى مستشفى رفيديا في نابلس، وبعد وُصولنا بوقت قصير جلبت سيّارة إسعاف أخرى (م) إلى المستشفى نفسه. بيّنت الفحوصات التي أجراها لنا الطاقم الطبّي أنّ (م) مُصاب بشظايا رصاص، إبراهيم مُصاب بجروح خطيرة في البطن وقد أدخلوه إلى غرفة العمليّات، وأنا كنت مُصاباً في يدي وفي الظهر جرّاء شظايا.علمت لاحقاً أنّ قيس قد استُشهد وأنّ الجنود يحتجزون جثته. علمت أيضاً أنّهم أحرقوا السيّارة - لا أعرف لماذا. لم أشهد ذلك عياناً، لكنّهم أحرقوها بعد أن أخرجونا منها مباشرة، على ما يبدو.إبراهيم عبد الله (17 عاماً)، طالب في الصفّ الثاني عشر، من سكان القرية، قال في إفادته:فتح الجنود باب السيّارة من جهة اليسار وسحبونا، أنا ويزن، إلى الخارج. لم أرَ (م) فظننت أنّه وقيس قد استُشهدا، لأنّهما كانا يجلسان في المقعد الأماميّ. أمسكني الجنود بالقوّة وألقوا بي خارج السيّارة، ثمّ جرّوني من رجليّ مسافة أظنّها بلغت 20 متراً. صرخوا عليّ، وأمسك أحدهم بعُنقي وضرب رأسي بـسيارة "الجيب"، ثمّ ركل رجلي فوقعت. حاولت النهوض، لكنّ الجنود ركلوني مجدّداً، ثم ضربني أحدهم ببندقيّته على رأسي. أحسست بدُوار ولم أستطع أن أرى شيئاً، وفي تلك اللّحظات ضربني الجنديّ بسلاحه على صدري، ثمّ ركل بطني بحذائه الثقيل. أحسست بألم حادّ، وحين وضعت يدي على بطني أحسست بمادّة لزجة وكُتلة على جانب البطن. حين رفعت معطفي رأيت دماً وكانت أمعاء بارزة خارج جسمي ناحية جنبي الأيسَر. حتى تلك اللّحظة لم أدرك أصلاً أنّني أصبت في بطني. يبدو أنّ أمعائي قد انزلقت إلى الخارج حين ركل الجنديّ بطني. ظننت أنّني على وشك أن أموت نتيجة الإصابة والضرب، خاصّة مع منظر أمعائي خارج بطني. ابتسمت، رغم شعوري بأنّ روحي ستُغادر جسدي. فعلت ذلك لأنّني أردت أن أكون مبتسماً في لحظاتي الأخيرة. أمسك أحد الجنود بعُنقي وحاول أن يخنقني. استجمعت كلّ قوّتي ودفعته عنّي، لكنّه داس عُنقي بجزمته الثقيلة حتى كدت أختنق. لولا أنّ جنديّاً آخر شدّه وأبعده عنّي لكنت الآن في عِداد الأموات.ندما ابتعد الجنود عنّي - كانوا خمسة أو ستّة - رأيت يزن على الأرض بسرواله الدّاخليّ، ومن حوله بضعة جنود. بعد ذلك خلعوا عنّي ملابسي. لم أفهم لماذا؛ ربّما لكي ينظروا ما وضع الجُروح في جسمي. في تلك اللّحظة سمعت صافرة سيّارة الإسعاف. جاء مُسعفون وأدخلونا إلى سيّارة الإسعاف، أنا ويزن. قال الجنود للمُسعف، باللغة العبريّة، إنّهم يريدون بطاقة هويّتي، ولكن في نهاية الأمر قام جنديّ بتصوير وجهي، وبعد بضع دقائق سمحوا لنا بالتحرّك من المكان.أخذنا المُسعفون إلى مستشفى رفيديا في نابلس. علمت أنّ يزن أصيب بالرّصاص في يده. أدخلوني إلى غرفة العمليّات لأنّه تبيّن أنّ رصاصة اخترقت جسمي من خاصرتي اليُمنى وخرجت من بطني. بعد ذلك نقلوني إلى وحدة العناية المكثّفة حيث تلقيت العلاج لمدّة عدّة أيّام، ثمّ نقلوني إلى القسم. في ذلك اليوم علمت أنّ قيس قد استُشهد وأنّ الجنود أخذوا جثمانه، بذريعة أنّه حاول دهْس جنديّ.عندما سمعت ذلك جُنّ جُنوني. هل هذا ممكن أصلاً؟! هل هُناك عاقل يصدّق أنّ قيس خطّط لتنفيذ عمليّة وأن نذهب نحن الثلاثة معاً؟ هذا جُنون. نحن لم نفعل شيئاً. هُم الذين أطلقوا علينا النار. هُم أصلاً لم يُعطونا فرصة كي نتوقّف. أطلقوا علينا النار مباشرة. إطلاق بهدف القتل. أطلقوا ربّما أكثر من 40 رصاصة. كلّ شيء انهار أمام أعيننا. بعد ذلك علمت أنّهم أحرقوا السيّارة. لماذا؟ لا أعرف.سائق سيّارة إسعاف الهلال الأحمر، الذي قام بإخلاء يزن رشدان وإبراهيم عبد الله، قال في إفادته:في يوم الأربعاء المُوافق 28.12.25، نحو السّاعة 19:30، تلقّينا بلاغاً من مسؤول الاتصالات في الهلال الأحمر في بلدة بيتا بخصوص إطلاق نار على سيّارة في قرية عينَبوس. خرجنا إلى هناك فوراً وعندما وصلنا إلى موقع الحادثة في الناحية الغربيّة من القرية، شغّلنا الأضواء والصّافرة في سيّارة الإسعاف. توقّفنا على بُعد نحو 150 متراً من الجنود.لاحظت وجود سيارة "جيب" عسكريّة وقرابة 4-6 جنود. وكان مستلقياً على الأرض شابّ صغير، وعلى بُعد نحو 15 متراً منه ثلاثة شبّان آخرين. شاهدت أيضاً سيّارة تحترق.عندما وصلنا أشار لنا أحد الجنود ألا نقترب وأمرنا أن نرجع إلى الوراء. رجعت إلى الوراء ببُطء شديد. في الوقت نفسه جاء جنديّ آخر - بدا لي أنّه ضابط - وأشار لي أن أتقدّم. قدت سيّارة الإسعاف بحذر، وحين وصلت إليه قال لي "انظر. ها هُنا" وأشار إلى الشاب المُستلقي على الأرض.نزلت من السيّارة بسُرعة ونزل معي المُسعف الثاني وتقدّمنا نحو الشاب الجريح. كان ظاهراً أنّه تلقّى عدّة إصابات، بما في ذلك إصابة في الرأس. حين فحصت النبض والتنفس لم يُبدِ الشابّ أيّة علامات تدلّ على الحياة. قلت للجنود إنّه قد فارق الحياة وطلبت منهم أن يسمحوا لي بإسعاف الجرحى الآخرين.تقدّمت نحو الشبّان الثلاثة فوجدت واحداً منهم مُصاباً في البطن وأمعاؤه مُنزلقة خارج بطنه، والثاني كان مُصاباً بجروح طفيفة، والثالث مُصاباً في يده. قدّمت لهم إسعافاً أوّليّاً سريعاً، ثمّ نقلت والمُسعف الثاني شابّين منهُم إلى سيّارة الإسعاف. أردنا أن نأخذهما من هُناك بأسرع ما يمكن، لكنّ الجنود لم يسمحوا لي أن أغادر، لأنّهم أرادوا بطاقة هويّة أحدهما - الشابّ المُصاب في بطنه.قلت لهم إنّ حالته حرجة ومن الضروري إخلاؤه عاجلاً إلى المستشفى فصوّره أحد الجنود بواسطة كاميرا هاتفه، على الأغلب لغرض التعرّف عليه. بعد مضيّ بضع دقائق سمحوا لنا بالمُرور. في ذلك الوقت جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت الجريح الثالث إلى مستشفى رفيديا في نابلس، وأخليت أنا الجريحين الآخرين إلى المستشفى نفسه.

1 نيسان/أبريل 2026

محمد نصر الله. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

سياسة إطلاق النار

جُنود يُطلقون النار من كمين نحو شابّين حاولا الوُصول إلى منزلهما فقتلوا محمد نصر الله (17 عاماً) في بلدة الظاهريّة

في يوم الثلاثاء المُوافق 27.1.26، نحو السّاعة 18:00، مرّت ثلاث مركبات "جيب" عسكريّة في شارع مُجاور لسوق الحلال القديم في بلدة الظاهريّة، في محافظة الخليل. ترجّل من المركبة جُنود ثمّ نصبوا كمينًا في ساحة فيها أشجار زيتون، في أحد شوارع المنطقة. في الوقت نفسه تقريباً، خرج محمد نصر الله (17 عاماً) وابن عمّه حسن نصر الله (18 عاماً) لزيارة صديق لهُما يقيم في منطقة السّوق. لاحقاً، نحو السّاعة 20:00، قرّرا الذهاب إلى منزل محمد. وكعادتهما، سلكا طريقاً ترابيّة تنتهي بسور حجريّ يفصلها عن الشارع. يقول حسن نصر الله إنّه وصديقه لم يعلما بتواجُد قوّات عسكريّة في المكان ولم يريا الجنود المُتوارين بين أشجار الزيتون في الجهة الأخرى من الشارع.تسلّق محمد السّور الحجريّ، الذي يبلغ ارتفاعه من جهة الطريق الترابيّة نحو ثلاثة أمتار، ومن جهة الشارع نحو متر واحد. تبيّن الإفادات التي جمعتها بتسيلم أنّه في أثناء تسلّق محمد السّور أطلقت نحوه ثلاث أو أربع رصاصات، أصابته إحداها الجانب الأيسر من بطنه فوقع على حسن، الذي كان لا يزال في الجانب الآخر من السّور. قال محمد لحسن إنّه قد أصيب، ولكن حين رفع حسن قميصه لم يرَ جُرحاً أو دماً نازفاً. حاول حسن أن يحمل محمد ويجرّه، لكنّ جنديًّا كان يقف من الجهة الأخرى من السور صرخ به وهو يصوّب سلاحه نحوه. فرّ حسن في اتّجاه منطقة الحقل، لأنّه خشي أن يُطلقوا النار عليه، وترك محمد ابن عمّه إذ كان يعرف أنّه لن يستطيع حمله. أثناء فراره، أطلق الجنود نحوه حوالي ثماني رصاصات، وفقاً لتقديره هو، فأصابته رصاصتان في رجله اليمنى. مع ذلك، تمكّن حسن من الفرار ودخل منزلاً يقع في الجوار، ثمّ استدعى أصحاب المنزل طبيباً من أهالي البلدة. ضمّد الطبيب جُرح حسن ثمّ نقلوه إلى مستشفىً في البلدة ومن هُناك نُقل إلى مستشفى عالية في الخليل.بعد السّاعة 20:30 بقليل حضرت إلى المكان سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر. صوّب الجنود أسلحتهم نحو المُسعفين وأمروهم أن يُسكتوا الصّافرة ويُتابعوا سيرهم ببطء في اتّجاه محمد. خرج أوّلاً سائق سيّارة الإسعاف، تسلّق السّور لكي يصل إلى محمد ويقدّم له الإسعاف الأوّليّ. وفي تلك الأثناء جلبت زميلته المُسعفة نقّالة ومعدّات أخرى من سيّارة الإسعاف وطلبت من الجنود أن يُساعدوها في إيصال النقالة والمعدّات إلى الجانب الآخر من السّور، لكنّهم رفضوا. فيما بعد تمكّن المُسعفان من نقل المعدّات ووضعوا محمد على النقالة، ثمّ طلبا من الجنود أن يُساعدوهما وكرّرا ذلك عدّة مرّات إلى أن استجاب الجنود وساعدوهما في إيصال النقالة للجهة الثانية من السّور. بعد ذلك انطلقت سيّارة الإسعاف مُتجهة إلى المركز الطبّي في الظاهريّة، ومن هناك أخلي محمد إلى المستشفى الحكوميّ في دورا وأدخل مباشرة إلى غرفة العمليّات حيث بذل الأطبّاء ما كان في وسعهم، لكنّهم اضطرّوا إلى إقرار وفاته عند السّاعة 22:00 تقريباً.زعم الجيش أنّه "خلال عمليّة ميدانيّة نفّذتها قوّات الجيش الإسرائيليّ في منطقة الظاهريّة التابعة للواء يهودا، رصدت القوّات "مخرّباً" ألقى نحوهُم زجاجة حارقة فردّ المقاتلون [جنود الجيش الإسرائيليّ] بإطلاق النار وقتلوا "المخرّب". إضافة إلى ذلك، رُصد "مخرّب" آخر كان يرشق القوّات بالحجارة وردّ المقاتلون بإطلاق النار، وعُلم عن وُقوع إصابة. لم تقع إصابات في صُفوف قوّاتنا". هذا الزعم لا يخلو من الصحّة فحسب، كما يبيّن تقرير بتسيلم، بل هو يخلو من أيّ منطق أيضاً، حيث أنّه لا تمرّ من ذلك الشارع مركبات إسرائيليّة، والشابّان لم يكونا يعلمان أصلاً بوُجود الجنود في المنطقة.توضح هذه الحادثة كيف يواصل الجيش الإسرائيلي مُداهمة البلدات الفلسطينيّة وتعريض المدنيّين إلى الخطر دون أي مبرّر، وإطلاق النيران بالاستناد إلى سياسة إطلاق النار المنفلتة التي تسمح بقتل الفلسطينّيين - بمن فيهم الأطفال - حتى عندما لا يشكّلون أيّ خطر، ثمّ طمس هذا القتل بمزاعم كاذبة مفادُها أنّ "مخرّباً" عرّض القوّات للخطر.سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري الإفادات التالية:حسن نصر الله (18 عاماً) أدلى بإفادته في 5.2.26 فقال:أقيم في منطقة كرم الأشقر، جنوبي غرب بلدة الظاهريّة، مع والديّ وأخي براء (25 عاماً). أنهيت الصفّ العاشر في العام 2022 ثمّ تركت المدرسة لكي أنضمّ إلى والدي وأتعلّم مهنة تنجيد السيّارات.في 27.1.26، نحو السّاعة 18:30، زارني محمد ابن عمّي (17 عاماً) في منزلي وقرّرنا أن نذهب لزيارة صديق لنا يُقيم قرب منزلنا. بعد ذلك، عند السّاعة 20:00 تنقريبًا، قرّرنا أن نسهر في منزل محمد.سلكنا طريقاً مختصراً نسلكه عادة في ذهابنا وإيابنا لزيارة بعضنا البعض - وهو طريق ترابيّ يُفضي إلى سوق الحلال القديم. لم نكن نعلم آنذاك أنّ الجيش الإسرائيليّ قد داهم البلدة.عندما وصلنا إلى السّور الفاصل بين الطريق الترابيّ والشارع، تسلّق محمد السّور قبلي، ثمّ سمعت طلقات ومن بعدها وقع محمد عليّ. قال لي: "يبدو أنّني قد أصبت، ارفعْ لي قميصي". رفعت قميصه ولكن لم أستطع أن أرى أين أصيب. حاولت أن أحمله ثمّ شاهدت جنديّاً إسرائيليّاً يقف خلف السّور، يصوّب بندقيّته نحوي ويصرخ عليّ. عجزت عن حمل محمد فوقع من يديّ.لذتُ بالفرار، لكنّ الجنديّ أطلق الرّصاص عليّ فأصابتني رصاصتان في رجلي اليُمنى - واحدة تحت الرّكبة، والثانية في منتصف السّاق. اخترقت الرّصاصتان العضل وخرجتنا من الجانب الآخر. من حُسن حظّي أنّهما لم تصيبا العظم.بعد أن تمكّنت من الفرار إلى منزل قريب، استدعى أصحاب المنزل طبيبًا يسكن قريباً منهُم. ضمّد الطبيب الجُرح وأوقف النزيف. بعد ذلك أقلّني أصحاب المنزل إلى مستشفى الصّليب الأحمر، في البلدة، ومن هناك نُقلت إلى مستشفى عالية الحكوميّ في الخليل حيث أجريت لي فحوصات وصور أشعّة تبيّن منها أنّ رصاصتين قد اخترقتا رجلي اليُمنى بالفعل.فقط في اللّيل، بعد مُنتصف اللّيل، علمت أنّ محمد قد استُشهد وأنّ الجيش الإسرائيليّ ادّعى أنّ محمد ألقى زُجاجة حارقة نحو الجنود - وهو ادّعاء غير صحيح. ما جرى هو أنّ الجنود فوجئوا بمحمد عندما تسلّق السّور عندما كانوا مُتوارين بين أشجار الزيتون في الطرف الآخر، وأطلقوا عليه النار دون سبب. أصلاً، لم نكن نعلم بوجود جنود هناك.في اليوم التالي خضعت لعمليّة جراحيّة في رجلي، ثمّ رقدت للعلاج في المستشفى مدّة 8 أيّام. تمّ تسريحي قبل يومين، لكنّني أستكمل العلاج في المنزل. أنا ما زلت مصدوماً من الحادثة ولا أجد أيّ سبب كان يدعو الجنود لإطلاق النار علينا، خاصّة أنّه لم تقع مُواجهات في المنطقة في ذلك الوقت.والد محمد، راجح نصر اللة (49 عاماً)، أب لسبعة، أدلى بإفادته في 5.2.26 فقال:أقيم في منطقة عقبة الطرشة (سوق الحلال القديم) في مدينة الظاهريّة، مع زوجتي وأولادنا السّبعة، بضمنهم محمد (17 عاما)، وهو ابننا الأوسط. ترك محمد المدرسة في هذه السّنة وبدأ العمل في تنجيد السيّارات مع ابن عمّه.في 27.1.26، نحو السّاعة 18:00، تناولنا طعام العشاء في المنزل، وبعد ذلك ذهب محمد إلى منزل أعمامه في منطقة كرم الأشقر، على بُعد نحو 300 متر من منزلنا، لكي يسهر مع أولاد عمومته، كما هو معتاد دائماً. أنا بقيت في المنزل لأستريح بعد وجبة العشاء، وبعد ساعة ونصف السّاعة خرجت إلى السّوق لشراء الخضروات.عندما وصلت إلى بسطة قرب سوق الحلال القديم ورُحت أنتقي الخضار، دهمت المكان فجأة ثلاث مركبات "جيب" تابعة للجيش الإسرائيليّ. توقّفت وأخذت أراقبهم طوال 20 دقيقة تقريباً، ثمّ غادرت المركبات المكان. ظننت أنّ القوّة كلّها انسحبت. بعد مضيّ دقائق عدّة سمعت إطلاق رصاص - نحو أربع طلقات متفرّقة، ومن بعدها أطلقت نحو 8 رصاصات في صلية متواصلة. في تلك اللّحظة فهمت أنّ مركبات الـ"جيب" الثلاث كانت ترافقها قوّات مُشاة نصبت كميناً في المكان. أغلق الجنود المنطقة ووقفت أنا قرب البسطة أراقب ما يجري.بعد إطلاق الرّصاص مُباشرة وصلت إلى المكان سيّارة إسعاف فلسطينيّة، قال طاقمها إنّهم قد أبلغوا عن وُجود مُصابين. من بعيد، شاهدت الطاقم الطبّي الذي كان يحمل شابّاً جريحاً في اتّجاه الرّصيف، هو الشابّ الذي كان خلف السّور، وقد ساعدهم الجنود على رفعه إلى النقالة ثمّ أخلوه من المنطقة. استغرق ذلك نحو 15 دقيقة.المُسعفة التي شاركت في إخلاء محمد نصر الله، أدلت بإفادتها في 8.2.26 فقالت:في 27.1.26، نحو السّاعة ​​20:00، تلقّينا بلاغاً عن إطلاق رصاص في منطقة السّوق القديم (عقبة الطرشة). توجّهت إلى هُناك مع زميلي المُسعف (أ) في سيّارة إسعاف ووصلنا خلال أقلّ من دقيقة، لأنّ المحطّة تبعد عن هناك مسافة لا تتجاوز 200 متر.عندما وصلنا كان الجيش الإسرائيليّ قد أغلق المنطقة ومنع الأهالي من الوصول إلى المُصابين. لم نرَ المُصابين، لكنّنا علمنا من الأهالي أنّه يوجد في المنطقة جريحان. في لحظة وًصولنا صوّب الجنود بنادقهم نحونا وتقدّم جنديّ في اتّجاه سيّارة الإسعاف. عندما حاول (أ) الخروج من سيّارة الإسعاف لكي يتحدّث مع الجنود صوّب ذاك الجنديّ بندقيّته نحوه وأمره أن يعود إلى السيّارة وأن يوقف تشغيل الصّافرة. انصاع (أ) لتعليمات الجنود، وعندئذٍ سمحوا لنا أن نتقدّم ببُطء. أخذنا نتقدّم ثمّ أوقفونا مرّة أخرى عندما أصبحنا على مسافة نحو 20 متراً من المُصاب، الموجود وراء السّور. كان في المنطقة عدد من الجنود، صوّبوا إلينا بنادقهم. خفت أن يُطلقوا النار علينا.بعد أن خرجنا من سيّارة الإسعاف، أنا و(أ)، أسرع (أ) إلى المكان الذي أشار إليه الجنود وطلب منّي أن أجلب من سيّارة الإسعاف النقالة وبقيّة المعدّات. تسلّق (أ) السّور، وهي على ارتفاع نحو متر من جهة الشارع وارتفاع نحو 3 أمتار من الجهة الأخرى. عندما وصل إلى الجهة الأخرى شاهد شابّاً جريحاً ملقىً على الأرض، لا يزال حيّاً. أسرعت إلى سيّارة الإسعاف وحاولت أن أحمل المعدّات والنقّالة، لكنّ الحِمْل كان ثقيلاً ولم أقدر على رفعه بمفردي. طلبت من الجنود أن يُساعدوني، لكنّهم رفضوا. مع ذلك، تمكّنت بمُفردي من حمل المعدّات، لكنّني لم أستطع تسلّق السّور والانتقال للجهة الأخرى لكي أساعد زميلي (أ) وأحضر النقالة إلى هُناك. طلبت من الجنود مرة أخرى أن يساعدوني لكنّهم تجاهلوني تماماً. ظللتُ أرفع وأدفع النقالة حتى وصلت إلى (أ)، لكنّه لم يتمكّن بمفرده من رفع النقالة وعليها الجريح. طلب من الجنود أن يُساعدوه لكنّهم رفضوا مرّة أخرى. في تلك الأثناء حاول (أ) أن يُسعف الجريح الذي كان قلبه لا يزال ينبض.بعد ثلاث دقائق تقريباً، أوعز الضابط لجنديّين أن يساعدا (أ) على حمل النقالة وإخلاء الجريح إلى سيّارة الإسعاف. بعد ذلك انطلقنا بأقصى السُرعة الممكنة إلى أقرب مركز طبّي في المدينة، علماً منّا أنّ الحالة خطيرة جدّاً. وصلنا إلى مركز الحكيم في وسط المدينة، وهناك فحصه طبيب أمراض باطنيّة وقرّر نقله على وجه السّرعة إلى المستشفى الحكوميّ في مدينة دورا. رافقنا الطبيب في سيّارة الإسعاف إلى أن وصلنا المستشفى في دورا. عندما وصلنا كان المُصاب لا يزال على قيد الحياة، ولكن حتى غرفة الطوارئ كان قلبه قد توقّف عن النبض. حاول الأطبّاء إجراء إنعاش ثمّ نقلوه بسرُعة إلى غرفة العمليّات، ولكن بعد نصف ساعة تقريباً اضطرّوا إلى إقرار وفاته.عندما كنّا في موقع الحادثة علمنا من الجنود عن جريح آخر فرّ من المكان في اتّجاه المنازل المجاورة. لاحقاً علمت أنّ الجريح الثاني هو ابن عمّ الشابّ الذي قُتل وأنّه أخلي في سيّارة خاصّة إلى مستشفى عالية في الخليل. أعاق الجنود عمداً تقديم الإسعاف الطبّي للشابّ الذي أخليناه. مرّت نحو 15 دقيقة منذ لحظة وُصولنا وحتى تمكنّا من إخلائه - ما يكفي من الوقت ليموت.والد محمد، راجح نصر الله، وصف اللّحظة التي علم فيها بإصابة ابنه:لاحقاً، سمعت من الأهالي أنّ اسم المصاب هو محمد نصر الله. ارتعبت! أردت الاتصال بأخي لكي أسأله هل محمد وابن عمّه حسن موجودان عندهم، لكنّه سبقني واتّصل بنفسه. قال لي إنّ جنوداً أطلقوا النار على محمد وحسن حين كانا في الطريق إلى منزلنا، وقال لي إنّ حسن أصيب ويختبئ حاليّاً في منزل مُجاور وأنّه قد تمّ إخلاء محمد في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الحكوميّ في دورا.انتابتني الصّدمة وتملّكني الرُّعب. طلبت من صديق لي أن يُقلّني في سيّارته إلى المستشفى في دورا. عندما وصلت رأيت عدداً من الأقارب وأصدقاء لمحمد، وكانت وجوههم شاحبة والحزن بادٍ على مُحيّاهُم. عندئذٍ فهمت أنّ حالة محمد حرجة جدّاً. سألت الأطبّاء "هل توفّي؟" ولكن لم يُجبني أحد، بل حاول الجميع تهدئتي. نحو السّاعة 22:00 أبلغنا الأطبّاء أنّ محمد قد فارق الحياة.لم أستطع أن أصدّق أنّ هذا قد حصل حقّاً إلّا حين دخلت الغرفة ورأيت محمد. قال الأطبّاء أنّه قد توفيّ نتيجة رصاصة اخترقت خاصرته اليُمنى ودخلت بطنه فسبّبت أضراراً جسيمة في أعضائه الداخليّة.في اليوم التالي، بعد صلاة الظهر، شيّعنا محمد إلى مثواه الأخير بقلوب كسيرة. وقعت الحادثة في وقت كانت فيه المنطقة هادئة جدّاً ولم تشهد أيّة مواجهات. لا أحد أصلاً كان على عِلم بوُجود جنود في المنطقة. يبدو أنّهم تواروا بين أشجار الزيتون، في الجانب الآخر من الشارع.

15 آذار/مارس 2026