جنود دخلوا إلى البيرة لتنفيذ اعتقالات، يقتادون معتقلين سيرًا على الأقدام إلى "بيت إيل"، وفي طريقهم يقتلون طفلًا ويصيبون شابّين بجراح
5 شباط/فبراير 2024
في يوم الخميس الموافق 2.11.23، قرابة الساعة 6:00 صباحًا، حضر عشرات من الجنود، بعضهم ملثّمون، إلى بلدة البيرة ودخلوا إلى أحد المباني. بعد نحو ثلاث ساعات، قرابة الساعة 9:00، خرج الجنود من المبنى مع ثلاثة معتقلين مُقيَّدي الأيدي خلف ظهورهم ومعصوبي الأعين، واقتادوهم سيرًا على الأقدام باتّجاه "بيت إيل"، عبر الأحياء السكنيّة ومنطقة البيرة الصناعيّة.
في الساعة 9:15، وعندما اقترب الجنود والمعتقلون من إحدى المدارس، رشقهم أربعة فتيان بالحجارة عن بُعد نحو 100 متر. أطلق الجنود النيران الحيّة عليهم، لكن لم يُصب أحد بأذى. بعد إطلاق النار حاول أحد الأطفال، أيهم شافعي (12 عامًا)، عبور الشارع للانضمام إلى أصدقائه الذين كانوا يقفون على جانبه الآخر، وعندها أطلق الجنود طلقة أخرى أصابته. مشى شافعي بضع خطوات أخرى ثمّ سقط. واصل الجنود طريقهم وقام السكّان بنقل شافعي إلى المستشفى، حيث أقرَّت وفاته بعد وقت قصير.
بعد ذلك ببضع دقائق، اقترب الجنود من سوبرماركت الشنّي وقام بعض الشبّان برشقهم بالحجارة من زقاق مجاور. ردّ الجنود على الفور بإطلاق النيران الحيّة وأصابوا اثنين منهم ـ أحدهما بجراح بالغة والآخر بجراح متوسّطة، ثمّ واصلوا طريقهم. قام الأهالي بنقل المصابين إلى المستشفى.
بعد مرور بضع دقائق أخرى، على بُعد نحو نصف كيلومتر، مرّ الجنود بجوار مكتب الترخيص في البيرة. قام نحو خمسة شبّان برشقهم بالحجارة، وهذه المرّة أيضًا ردّ الجنود على الفور بإطلاق النيران الحيّة على الشبّان من مسافة نحو 30 مترًا. أطلقوا طلقتين ناريّتين، على الأقلّ، أصابت إحداهما يزن شيحة (24 عامًا) الذي لم يكن مشاركًا في الحدث وكان يشاهد ما يحدث فقط. بعد إطلاق النار واصل الجنود طريقهم إلى "بيت إيل"، كما في الحالات السابقة. نقل السكّان شيحة إلى المستشفى، وهناك أقرَّت وفاته.
دخل الجيش إلى البلدة واعتقل ثلاثة من سكّانها، ثمّ اختار أن يقتادهم في الشوارع سيرًا على الأقدام لمسافة طويلة. وكما هو متوقّع، تمّ رشق الجنود بالحجارة، فردّوا هم بإطلاق النيران الحيّة مرّةً تلو الأخرى، فقتلوا طفلًا وشابًّا وأصابوا اثنين آخرين.
المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفاد، في ردّه المقتضب، بأنّه "خلال الاعتقالات في البيرة نشب إخلال بالنظام شمل رشق حجارة. ردّت القوّة بإطلاق النار، تمّ رصد إصابة". يتّضح من هذا الردّ أنّ إطلاق النيران الحيّة على راشقي الحجارة – حتّى لو كان قد تسبّب في مقتل شخص – يُعتبر مشروعًا في نظر الجيش. لكنّ إطلاق النار بقصد القتل مسموح به، فقط لا غير، في ظروف تكون فيها حياة الجنود في خطر، وفقط عندما لا تكون لديهم أيّة طريقة أخرى لمنع الخطر – وذلك وفقًا لمبادئ القانون الجنائيّ وكذلك وفقًا لتعليمات إطلاق النار. إنّ إقرار المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنّ الجنود تصرّفوا، في هذه الحالة، كما هو مطلوب يتناقض مع هذا التقييد ويمنح تصريحًا شاملًا بإطلاق النيران الحيّة على الأشخاص الذين لا يُعرّضون أحدًا للخطر.
باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد سجّل إفادات من شهود عيان عن قتل شافعي وشيحة:
ع. ر. تحدّث في 8.11 عن قتل أيهم شافعي:
أنا مصوّر صحفيّ. في يوم الخميس، قرابة الساعة 9:00، وبينما كنتُ في منزلي في البيرة اتّصل بي أحد الأصدقاء وأبلغني بوجود اجتياح للجنود في منطقة شارع نابلس. خرجتُ على الفور ووصلتُ إلى المكان خلال خمس دقائق. كان هناك عشرات الجنود الذين انتشروا على الشارع الرئيسيّ، بجانب مخبز الصرفندي.
وقفتُ في زاوية بعيدة عنهم نسبيًّا، على مسافة 40-50 مترًا، ثمّ بدأتُ أقترب منهم. فجأةً صوَّب أحد الجنود سلاحه نحوي، رغم أنّني كنتُ أرتدي سترة صحفيّ، فعدتُ إلى الوراء. رأيتُ الجنود يقتادون 2-3 معتقلين معصوبي الأعين ومقيَّدي الأيدي إلى الخلف باتّجاه المنطقة الصناعيّة، في طريق فرعيّ يمرّ خلف المخبز. في تلك الأثناء لم يكن هناك أيّ رشق للحجارة عليهم.
سرتُ وراء الجنود حتى وصلوا إلى الشارع المؤدّي إلى المنطقة الصناعيّة. وجدتُ مخبأ أستتر فيه خلف أحد المباني عند المفرق، وكنتُ من حين إلى آخر ألقي نظرة خاطفة عليهم من هناك، بحذر. في المرّة الثانية التي أخرجتُ فيها رأسي ونظرتُ قام جنديّ بتصويب بندقيّته نحوي مرّة أخرى. في تلك اللحظة رأيتُ 4-5 أطفال يقفون خلف مدرسة. رشقوا الجنود بالحجارة. تفرّق الأطفال عند المفرق واختبأوا، وفي كلّ مرّة كانوا يخرجون، يقتربون ثمّ يختبئون مرّةً أخرى. حينئذٍ رأيتُ أحد الأطفال، وعلمتُ لاحقًا أنّه كان أيهم شافعي، يختبئ خلف حاوية قمامة. تمركز جنديّ ملثّم خلف زاوية أحد المباني ثمّ سمعتُ صوت طلقة ناريّة باتّجاه الأطفال، لكن لم يصب أحد من الأطفال بأذى. بعد ذلك رأيتُ أيهم يعبر الشارع باتّجاه أصدقائه الذين كانوا على الجانب الآخر واختبأوا في زاوية لم تكن في مدى إطلاق النار من قبَل الجنود. بينما كان يعبر الشارع سمعتُ طلقة ناريّة أخرى فـأُصِيب، لكنّه استمرّ في المشي بضع خطوات أخرى حتّى وصل إلى أصدقائه، ثمّ سقط على الأرض.
حالما أصيب الصبيّ أخذ أصدقاؤه يصرخون: "سيّارة إسعاف، سيّارة إسعاف". بعد ذلك رأيتُهم يسحبون الطفل إلى الوراء. وصلت سيّارة خاصّة وقامت بإخلائه على الفور، وفي تلك الأثناء واصل الجنود تقدّمهم إلى داخل المنطقة الصناعيّة. أنا خفتُ من الاستمرار في محاولة التوثيق لأنّني شعرتُ بأنّهم قد يطلقون النار عليّ.
أ. ر. تحدّث في 2.11.23 عن قتل يزن شيحة:
أنا أعمل في قسم التأمين في مكتب الترخيص. أثناء وجودي في العمل تجمّع عدد كبير من الأشخاص والمركبات في ساحة المكتب. سمعتُ أشخاصًا يقولون إنّ هناك جيشًا في الخارج، فخرجتُ لأنظر. وقفتُ على الدرج ورأيتُ أنّ هناك جَلَبة، لذا منعت أشخاصًا آخرين من الخروج. رأيتُ نحو 50 جنديًّا يأتون من المنطقة الصناعيّة. كان معهم 2-3 معتقلين مقيَّدي الأيدي إلى الخلف ومعصوبي الأعين. كان أحدهم يرتدي فانيلّة. سار الجنود على دفعات، فرقة تلو أخرى.
بعد أن ابتعد الجنود عن ساحتنا نحو الشمال، بدأ بعض الشبّان يرشقونهم بالحجارة. في تلك الأثناء خرج أحد موظّفي قسم المرور، يزن شيحة (23 عامًا)، من باب المكتب الخلفيّ وذهب باتّجاه الساحة التي فيها موقف السيّارات، وذلك كما يبدو لكي يراقب ما يحدث. توقّف في زاوية الساحة مستندًا إلى إحدى السيّارات وأخذ يشاهد ما يحدث.
فجأةً سمعتُ طلقة ناريّة من اتّجاه الجنود. لم يكن مطلق النار ضمن نطاق رؤيتي، لكنّني رأيتُ أنّ يزن قد أصيب. قال: "أخ" وسقط على الأرض، وعندها فهمنا أنّه مصاب. اقترب منه بعض الشبّان لتقديم الإسعاف الأوّليّ له، ثمّ أدخلوه إلى سيّارة خاصّة وأخذوه إلى المستشفى في رام الله. علمتُ لاحقًا أنَّ يزن قد قُتل.
شاهد آخر قال في 2.11:
في يوم الخميس الموافق 2.11.23، قرابة الساعة 9:00، بينما كنتُ في العمل، سمعتُ صوت إطلاق نار من اتّجاه شارع نابلس وفهمتُ من وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّ الجيش الإسرائيليّ الذي دخل إلى منطقتنا قد انسحب. قرابة الساعة 9:30، بينما كنتُ في حانوت "الكرزون" التي قبالة مكتبنا، رأيتُ جنودًا مشاةً يمرّون في شارعنا. أقدّر أنّه كان هناك ما بين 40-50 جنديًّا. ساروا في شارع جناح المرور وكانوا يقتادون معتقلَين اثنين. كان أحد المعتقلَين يرتدي فانيلّة بيضاء، والآخر يرتدي قميصًا أسود.
بدأتُ أصوّر بهاتفي. بعد أن مرّ الجنود وأصبحوا على بُعد نحو 10-20 مترًا عنّي خرجتُ من الحانوت وانتقلتُ إلى الجانب الآخر من الشارع. عندما وصلتُ إلى الرصيف المجاور لمكتب الترخيص اختبأتُ. رأيتُ بعض الشبّان الذين اختبأوا خلف جدار في زاوية ساحة مكتب الترخيص وبدأوا يرشقون الجنود بالحجارة عن بُعد 20-30 مترًا.
استجمعتُ شجاعتي وعبرتُ الشارع وتقدّمتُ نحو الجنود وبدأتُ أنا أيضًا أرشق الحجارة، ومن خلفي قام هؤلاء الشبّان برشق الحجارة هم أيضًا واختبأوا خلف جدار على بُعد نحو 7 أمتار عنّي.
أطلق جنديّ كان يقف بجانب مصنع "نايس" لمواد التنظيف عدّة رصاصات. سمعتُ الشبّان يصرخون: "جريح، جريح". للحظة اعتقدتُ أنّني ربّما أنا قد أصِبتُ وبدأتُ أتحسّس جسمي. لكنّ الرصاصة أصابت موظّفًا في مكتب الترخيص يُدعى يزن شيحة الذي كان يقف جانبًا ولم يكن مشاركًا في هذه المواجهة. اقتربتُ من الجريح ورأيتُ أنّه ينزف وأنّ عينيه مقلوبتان. ابتلع لسانه وكان يغرغر وبالكاد كان يتنفّس.
واصل الجنود تقدّمهم باتّجاه "بيت إيل". قام أشخاص بإخلاء الجريح بسيّارة خاصّة إلى المستشفى في رام الله. قرأتُ لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي أنّه قد قُتل.