محمد سليمان (16 عاماً) من سلواد – رشق حجارة فأطلق عليه جندي الرصاص الحي وقتله
22 آب/أغسطس 2022
في يوم الجمعة الموافق 24.6.22 نحو السّاعة 16:30، تجمّع 15-20 فتىً جنوب غرب بلدة سلواد في محافظة رام الله ووقفوا في أرض خلاء على بُعد قرابة 500 متر من بُرج مراقبة عسكريّ منصوب عند أطراف القرية. قام بعض الفتية برشق حجارة نحو السيّارات الإسرائيليّة المارّة في الشارع الرّئيسيّ.
نحو السّاعة 17:00 جاء جيبان عسكريّان وتوقّفا قرب بُرج المراقبة ثمّ ترجّل منهما أربعة جنود ووقفوا قرب الجيبّين ينظرون نحو الفتية. بعد نحو رُبع ساعة أطلّ جنديّ من مخبئه خلف سور مزرعة تعود لأحد سكّان المنطقة وأطلق أربع رصاصات نحو ثلاثة أو أربعة فتية كانوا يقفون على بُعد نحو 50 متراً منه، بضمنهم محمد سليمان (16 عاماً)، ولم يُصب أيّ منهم. لاذ الفتية بالفرار وعاد الجنديّ إلى الكمين.
بعد دقائق معدودة أخذ محمد واثنان من أصدقائه (يبلغان من العمر 14 و15 عاماً) يرشقون حجارة نحو الجنديّ ونحو شارع 60 بغية استفزاز الجنود واستدراجهم إلى خارج الكمين. بعد أن أخفقت عدّة محاولات كهذه ابتعد الفتية عن المزرعة والشارع وأشعلوا ناراً في موقد.
نحو السّاعة 18:30 اقترب محمد وأحد صديقيه إلى حيث الكمين ومرّة أخرى حاولا استدراج الجنود إلى خارجه. جلس الاثنان على بُعد نحو 50 متراً من الشارع والكمين وعندما لاحظا أنّ مركبات "الجيب" على وشك التحرّك في اتّجاههما قام محمد ورشق حجراً نحو موقع الكمين. في تلك اللّحظة نفسها، أطلّ من الكمين أربعة جنود وتقدّموا مُسرعين نحوه ونحو صديقه. أثناء تقدّمهم وحين أصبحوا على بُعد نحو 50 متراً من الفتيين، أطلق أحد الجنود عيارين أو ثلاثة من الرّصاص الحيّ فأصاب أحدها محمد في عُنقه. وقع محمد ووجهه نحو الأرض، فيما فرّ صديقه من المكان. تقدّم الجنود نحو محمد ووقفوا قربَه. بعد بضع دقائق جاء جنود آخرون ووقفوا يحيطون بمحمد وهو ملقىً على الأرض دون حراك ودون أن يصدر عنه أيّ صوت.
في تلك الأثناء تجمّع أصدقاء محمد وعدد من أهالي سلواد على مبعدة من المكان، لخوفهم من الجنود. بعد أن مضت عدّة دقائق أخرى وصل عدد من سيّارات الإسعاف الإسرائيليّة وأخذت طواقمها الطبيّة تعالج محمد. بعد مضيّ ساعة نقلوا محمد إلى سيّارة إسعاف إسرائيليّة مخصّصة للعناية الفائقة ونحو السّاعة 21:30، أي بعد ساعتين من إدخاله إليها، أخلي محمد من المكان في مركبة دوريّة. عند السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل علمت عائلة محمد عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ ابنها قُتل.
احتجزت إسرائيل جثمان الضحيّة حتى 30.8.22 وسلّمته عند السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل - بعد أن مضت خمسة أيّام لم تعرف العائلة خلالها متى ستتمكّن من وداع ابنها ودفنه. أرسل الجثمان للتشخيص الجنائيّ من قبَل السّلطة الفلسطينيّة ومن ثمّ، عند السّاعة 10:00 من صباح اليوم نفسه، خرجت جنازة محمد سليمان لدفنه في سلواد.
منذ بداية العام 2022 وحتى 31.7.22 قتلت القوّات الإسرائيليّة بالرّصاص الحيّ 15 قاصراً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة وقد احتجزت إسرائيل جثامين ثلاثة منهم لعدة أيّام قبل أن تسلّمها للعائلات. وهناك جثامين سبعة قاصرين فلسطينيّين ما زالت محتجزة لدى إسرائيل منذ العام 2016.
مقتل محمد سليمان هو نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار - المنفلتة والمخالفة للقانون - التي تتّبعها إسرائيل في الضفة الغربيّة، بتصديق من مسؤولين عسكريّين وبدعم من الجهاز القضائيّ. من الواضح أنّ محمد وأصدقاءه لم يشكّلوا أيّ خطر على حياة الجنود الذين كانوا مسلّحين ومحصّنين. وعليه، لم يكن هنالك أيّ مبرّر لاستخدام الرّصاص الحيّ وبالتأكيد ليس النيران القاتلة. القتل بهذه الطريقة يحدث باستمرار في الضفة الغربيّة ولكن لأنّه يحظى بدعم واسع لا تتمّ محاسبة أيّ من الضالعين فيه والمسؤولين عنه؛ ومثلما أفلت من العقاب المسؤولون عن قتل القاصرين الـ15 في أنحاء الضفة الغربيّة منذ بداية العام 2022، سوف يفلت منه الذين سيرتكبون أعمال القتل القادمة أيضاً.
والد محمد، عبد الله سليمان (50 عاماً وأب لستّة) حدّث عن مقتل ابنه والعذاب الذي ذاقته العائلة جرّاء احتجاز الجثمان، في إفادته التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 26.6.22، قبل تسلم جثمان ابنه:
خرج محمد من المنزل بعد الظهر دون أن ننتبه. نحو السّاعة 18:30 اتّصلت بنا جارتنا وقالت إنّها سمعت أنّ جنوداً أصابوه. أسرعنا نُهاتف جميع أصدقائه فأكّدوا أنّه أصيب بنيران جنود عندما كانوا يرشقون حجارة قرب شارع 60، جنوب غرب القرية، وأنّ الجنود أخذوه معهم. ما فهمناه في البداية هو أنّه أصيب في رجله برصاص مطّاطيّ.
نحو السّاعة 19:00 اتّصل بنا شخص من القرية وقال إنّ محمد أصيب في صدره برصاص مطّاطيّ. توتّرنا جدّاً واتّصلنا فوراً بجميع المسؤولين في القرية ومديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وجميع محطّات الإسعاف الأوّليّ التي نعرفها لكي نعرف ما الذي جرى. لم نعرف شيئاً عن وضع محمد ولم تتوفر لأحد أية معلومات ليخبرنا، لأنّه كان في أيدي الجيش الإسرائيليّ وتلقّى العلاج على يد مُسعفين إسرائيليّين ولم يكن بإمكان أحد الاقتراب منه. لاحقاً، في المساء نفسه علمنا أنّهم أخلوه في سيّارة إسعاف إسرائيليّة إلى مكان مجهول فازداد قلقنا أضعافاً. خشينا أنّهم اعتقلوه وهو مصاب وهو بعدُ فتىً صغير ولا يستطيع مجابهة مثل هذه الأمور.
نحو منتصف اللّيل جاء إلى منزلنا الوزير السّابق قدّورة فارس، وهو يشغل اليوم منصب رئيس نادي الأسير الفلسطينيّ. بناءً على اتّصالاته مع جميع الجهات الرسميّة أخبرنا بأنّ محمد أصيب في وجهه وتمّ نقله لإجراء عمليّة جراحيّة في مستشفىً إسرائيليّ. منذ تلك اللّحظة لم تتوقّف زوجتي عن البكاء واللّطم وأنا أحاول تهدئتها. لقد حلّت بنا هذه الكارثة ولم يمض سوى شهرين على قيام الجيش باعتقال ابننا أحمد (21 عاماً).
جاء إلينا الكثير من أهالي القرية قلقين على محمد. لقد كان محبوباً لدى الجميع. أمضينا اللّيلة كلّها دون أن نتأكّد من أي شيء ودون أن نعرف ما الذي قد تسفر عنه الأمور. هكذا استمر الحال حتى قرابة السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل، عندما قرأ ابننا صالح (24 عاماً) أخباراً تتناقلها شبكات التواصُل الاجتماعي عن استشهاد محمد. وقع علينا هذا النبأ كأنّه الصّاعقة والصّدمة التي انتابت زوجتي كانت شديدة جدّاً.
طلبنا أن يُعيدوا لنا جثمانه وقالوا لنا في الارتباط الفلسطينيّ إنّ إسرائيل سوف تعيده في اليوم التالي، عند السّاعة 8:00 صباحا. في الموعد المحدّد توجّهت سيّارة إسعاف تابعة لمجلس سلواد إلى المكان المتّفق عليه وانتظرت هناك من الثامنة صباحاً حتى ساعات ما بعد الظهر، لكنّ الإسرائيليّين نكثوا بوعدهم ولم يُحضِروا الجثمان. ما زالوا يؤجّلون ويؤجّلون إعادة جثمان ابني. كلّ يوم يقولون لنا "سنعيده اليوم" ولكنهم لا يعيدونه بل يزيدون عذابنا يوماً بعد يوم ويحرمون محمد من حقّه الأساسيّ في دفنه بكرامة. نحن لا ندري ماذا نفعل. لقد تعطّلت حياتنا وبقينا معلّقين في الهواء. أنا لا أستطيع الذهاب إلى العمل وجميع من حولي عطّلوا أشغالهم وأعمالهم لكي يظلّوا على أهبة الاستعداد عند إعادة الجثمان.
لقد شوّشت القوّات الإسرائيليّة حياتنا. تلفت أعصابنا والله وحده يعلم بحالنا. نحن أيضاً من حقّنا إكرام موتانا لأجل راحتهم الأبديّة. ما الذي فعله ابني؟ رشق حجارة، هذا كلّ ما فعله. لم يشارك في نشاط عنفيّ يستدعي احتجازه ومعاقبتنا بهذا الشكل. حسبنا الله ونعم الوكيل. ألله يصبّرنا. .