بفارق أسبوع واحد في محافظة بيت لحم: الجنود يقتلون فتىً (13 عاماً) وشاباً (18 عاماً)
11 نيسان/أبريل 2022
بفارق أسبوع واحد فقط، في 22.2.22 وفي 1.3.22، قتل جنود في محافظة بيت لحم فتىً وشابّاً من سكّان المحافظة هُما محمد صلاح (13 عاماً) وعمّار أبو عفيفة (18 عاماً).
أطلق الجنود رصاصهم على محمد صلاح من الخلف من كمين نصبوه لفتية وشبّان كانوا يرشقون الحجارة والزجاجات الحارقة. كان صالح في المكان مع صديق له وألقى زجاجة حارقة نحو جدار الفصل فسقطت هذه قرب المكان الذي اختبأ فيه الجنود. على الفور ودون سابق إنذار، أطلق الجنود الرّصاص نحوه. توفّي محمد بعد وقت قصير. أمّا عمّار أبو عفيفة فقد كان يتنزّه مع صديق له في حُرش مجاور لبلدة بيت فجّار وحين صادف الاثنان جنوداً شعرا بالخوف ولاذا بالفرار. عندئذٍ أطلق الجنود نيرانهم على عمّار وقتلوه.
رغم أنّ الفتى محمد صلاح والشابّ عمّار أبو عفيفة قُتلا في حادثتين منفردتين وفي ملابسات مختلفة، إلا أن كليهما ضحيّة لسياسة إطلاق النيران المنفلتة والفتّاكة نفسها التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربيّة. بموجب هذه السّياسة، يُعتبر الفلسطينيّون "مشبوهين" و"خطيرين" دائماً، ولذلك يكون إطلاق النيران الحية والفتاكة الخيار الأول لدى الجنود في حالات كثيرة، حتى حين لا يتعرّض عناصرها لأيّ خطر أو حين يكون بالإمكان تفادي الخطر بوسائل أخرى غير فتّاكة. ولأنّ هذه هي السياسة فلن تتم محاسبة أحدٍ على قتل فلسطينيّين بالتأكيد، رغم أنّ إطلاق النار في مثل هذه الظروف هو غير قانوني وغير أخلاقي.
فيما يلي إفادات شهود عيان على الحادثتين كما جمعها باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش:
مقتل عمّار أبو عفيفة (18 عاماً) قرب بيت فجّار - 1.3.22:
في يوم الثلاثاء الموافق 1.3.22 نحو السّاعة 16:00، خرج عمّار أبو عفيفة وصديقه محمد ص. (17 و18 عاماً) من سكّان من مخيّم العروب للّاجئين جنوب بيت لحم للتنزه خارج المخيّم. بعد مضيّ نحو رُبع سّاعة وصل الاثنان إلى تلّة تبعد نحو كيلومتر واحد عن المخيّم وبضع مئات من الأمتار عن مستوطنة "مجدال عوز"، وهي تلّة اعتاد كثيرون من سكّان مخيّم العروب على المجيء إليها بهدف التنزّه والترويح عن أنفسهم. حتى أنّ عمّار وصديقه محمد كانا قد زارا التلّة نفسها في اليوم الذي سبق الحادثة وشكّلا اسميهما بالحجارة هناك.
بعد مضيّ عشر دقائق على وصولهما إلى التلّة بوغتا بجنديّ يأمرهما بالتوقّف وهو لا يبعد عنهما سوى أمتار قليلة. إزاء ذلك ذُعر الاثنان وحاولا الفرار فجاء جنود آخرون إلى المكان وأطلق واحد منهم على الأقلّ النيران نحو الشابّين. أثناء محاولته الفرار، سقط عمّار أبو عفيفة أرضاً لكنّه نهض مجدّداً وعندئذ أطلق الجنود النار نحوه. بموجب تقرير تشريح الجثمان، أصيب عمّار فوق حاجبه الأيسر وفي إحدى ساقيه من الأمام. أمّا صديقه فقد تمكّن من الفرار إلى بلدة بيت فجّار المجاورة ومن هناك عاد إلى منزله في مخيّم العروب للّاجئين. تم إخلاء عمّار ونقله لتلقّي العلاج في سيّارة إسعاف إسرائيليّة لكنّه فارق الحياة بعد وقت قصير.
أدناه يروي م. ط. عن الحادثة، وهو من سكّان بيت فجّار ويعمل في مكان مجاور لموقع الحادثة. من إفادة أدلى بها في 4.3.22:
بعد ظهر يوم الثلاثاء وحين كنت في مكان عملي، شاهدتُ شابّين مرّا بالقرب مني واتّجها نحو الحُرش. لم يحمل أيّ منهما شيئاً في يده. أنا أعرف أنّ الجنود الذين يتواجدون في الأحراش أحياناً يمتازون بقلة الصبر ولديهم استعداد للتصرّف بعُنف تجاه الشبّان الذين يتنزّهون هناك، بينما يُتيح الجنود للعائلات المكوث في المكان نظراً لوجود نساء وأطفال.
بعد مضيّ عشر دقائق سمعت إطلاق رصاص متواصل في داخل الحُرش. لم أعرف ما الذي جرى إلى أن رأيت شابّاً يركض في اتّجاهي ثمّ يواصل الرّكض نحو البنايات الأولى التي في أطراف بيت فجّار. رأيتُ أربعة جنود يطاردونه محاولين الإطباق عليه من جهتين. واصلت متابعة الشابّ حتى اختفى عن ناظريّ بين المباني التي في مدخل بيت فجّار. بدا لي أنّ ذاك الشابّ هو أحد الشابّين اللذين مرّا قربي في طريقهما إلى التلّة قبل ذلك بعشر دقائق.
أدناه وصف الحادثة على لسان محمد ص.، صديق عمّار أبو عفيفة – من إفادة أدلى بها غداة الحادثة:
عند السّاعة 16:00 ذهبت مع صديقي عمّار أبو عفيفة إلى الحُرش الواقع شمال شرق المخيّم. استغرقنا الوصول إلى هناك سيراً على الأقدام أقلّ من نصف سّاعة. بعد مضيّ دقائق على وصولنا إلى التلّة ظهر فجأة على بُعد بضعة أمتار منّا جنديّ أتى من الجهة الجنوبية الغربية. سمعته يصرخ بالعبريّة فلذنا بالفرار أنا وعمّار. ركضت في المقدّمة وعمّار خلفي ثمّ سمعت إطلاق رصاص كثيف. أظنّ أنّ أكثر من جنديّ واحد كان يطلق الرّصاص.
تعثّر عمّار فوقع أرضاً ثمّ عاود النهوض. ناديته أحثّه على الإسراع في الفرار لكنّ إطلاق الرّصاص استمرّ فواصلتُ الرّكض ولم أعد أستطيع رؤية عمّار خلفي. راودني شعور بأنّه أصيب أو اعتُقل. ركضت عبر حقول زراعيّة في اتّجاه بيت فجّار حتى اقتربت من كراج. في أثناء ذلك كان يطاردني أربعة جنود. واصلت الركض بين المباني في بيت فجّار حى وصلت إلى مخيّم العروب نحو السّاعة 17:00. عندما وصلت قال لي بعض الأشخاص أنّهم قرأوا في شبكات التواصُل الاجتماعيّ أخباراً عن مقتل عمّار. صُدمت وبكيت من أعماق قلبي. لم أصدّق! كان عمّار أقرب أصدقائي وقد قتلوه دون أيّ سبب. نحن خرجنا لنزهة في الطبيعة فقط.
مقتل محمد صلاح (13 عاماً) في الخضر، 22.2.22:
في يوم الثلاثاء الموافق 22.2.22 نحو السّاعة 19:00، أطلق جنود النار من كمين نحو محمد صلاح (13 عاماً) من سكّان الخضر؛ كان قد ألقى زجاجة حارقة نحو جدار الفصل المرتفع قرب شارع 60 فأُطلقت عليه النيران من الخلف بعد أن ألقى الزجاجة واستدار. قام صديقه بسحبه في منحدر التلّة التي كانا يقفان عليها مبتعداً فيه بضع عشرات من الأمتار ثمّ فرّ من المكان. ركض ثلاثة جنود نحو محمد وأسعفوه. وبعد عدّة دقائق أخلوه على نقّالة إلى سيّارة إسعاف إسرائيليّة كانت تنتظر في شارع 60. بعد ذلك بوقت قصير فارق محمد الحياة.
أدناه يحدّث أحمد ج. عمّا جرى في ذلك المساء، وهو يُقيم في بناية على منحدر التلّة قبالة الموقع الذي أسعف فيه الجنود محمد صلاح - من إفادة أدلى بها في 24.2.22:
أقيم في الخضر ليس بعيداً عن مقطع جدار الفصل الممتدّ بين بلدتنا وشارع 60. من حين إلى آخر وغالباً في ساعات المساء يأتي أولاد وفتية ويرشقون الحجارة والزجاجات الحارقة نحو الشارع. في معظم الأحيان يتواجد هناك جنود يحرسون الموقع ويقومون بنصب الكمائن وإطلاق قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" وحتى الرّصاص الحيّ لإبعاد الأولاد من هناك ومنعهم من الاقتراب من الجدار.
في 22.2.22 نحو السّاعة 19:00، كنت في الطابق العلويّ من منزل العائلة. سمعت إطلاق رصاص فخرجت فوراً إلى الشرفة المطلّة على الشارع لكي أستطلع ما الذي يجري. شاهدت فتىً يسحب شخصاً من أعلى التلّة بدا لي صغير السنّ هو أيضاً وقد خمّنت أنّه مُصاب. ثمّ رأيت الفتى يترك المُصاب على الأرض قبالة منزلي ويلوذ بالفرار.
شاهدت جنديّاً يركض في اتّجاه المُصاب. انتبه الجنديّ إلى وجودي فصرخ عليّ بالعبريّة يأمرني بأن أدخل إلى المنزل. كذلك جاء جنديّان يركضان وكان أحدهما يحمل حقيبة إسعاف أولي. حاول هذا الأخير إجراء عملية تنفّس اصطناعي للمُصاب وبدا أنّه لم يستجب لأنّ الجنديّ خلع عنه ملابسه ولفّه ببطانية ألومنيوم. بعد مضيّ دقائق معدودة جاء جنود آخرون وأخذوا المُصاب على نقّالة واتّجهوا به نحو بوّابة في الجدار.
أدناه ما حدّث به رزق صلاح (48 عاماً)، والد محمد وخمسة أبناء آخرين - من إفادة أدلى بها في 24.2.22:
في 22.2.22 نحو السّاعة 18:00، عاد محمد من الكراج الذي يتعلّم فيه الصّنعة وأراد أن يخرج من المنزل. حاولت ووالدته أن نقنعه بالبقاء محذّرين من أنّه قد يُصاب بسوء لأنّ منطقتنا كانت قد شهدت في الأيّام الأخيرة مواجهات مع الجنود. لكي يطمئن محمد والدته قال لها إنّه إذا اندلعت مواجهات فسوف يعود إلى المنزل فور سماعه الطلقة الأولى التي يُطلقها الجنود. نحو السّاعة 19:30 هاتفني شقيقي محمد وقال لي إنّ صديق ابنه اتّصل بهم وأخبرهم بأنّ ابني محمد قد أصيب.
توجّهت على الفور إلى الحيّ المجاور للجدار فلم أجد محمد هناك. قال لي الأهالي هناك إنّ فتىً قد أصيب وأخذه الجنود على نقّالة إلى شارع 60. توجّهت إلى هناك فرأيت على جانب الشارع عدداً من المركبات العسكريّة وسيّارتيّ إسعاف إسرائيليّتين. حاولتُ الاقتراب نحو سيّارتي الإسعاف لأنّني ظننت أنّ ابني موجود في إحداهما لكنّ الجنود اعترضوا طريقي. صرخ عليّ أحدهم يأمرني بأن أبتعد وتوعّدني بأنّه سيُطلق النار عليّ إذا حاولتُ الاقتراب. في ذلك الوقت جاء عدد من أقاربي وأخبروني بأنّ هناك أنباء في شبكات التواصُل الاجتماعيّ ونشرات الأخبار عن استشهاد ابني محمد. عندما عدت إلى منزلي كان قد تجمّع عشرات الأهالي أمام المنزل. أبلغتني مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة بأنّ إسرائيل سوف تسلّمنا جثمان محمد في اللّيل لكنّ هذا لم يحدث فاضطررنا إلى الانتظار حتى السّاعة 14:00 من بعد ظهر اليوم التالي وفي المساء شيّعنا محمد إلى مثواه الأخير في مقبرة البلدة.
كان محمد فتىً شجاعاً لا يخشى شيئاً. كان له أصدقاء كثيرون وأنا أعلم أنّهم كانوا يذهبون بين الفينة والأخرى إلى المنطقة المجاورة لجدار الفصل لكي يرشقوا الحجارة نحو الشارع. حذّرته مراراً وتكراراً أن لا يفعل ذلك لأنّني كنت قلقاً عليه وخشيت أن يحدث له سوء، خاصّة وأنّ عدداً من الفتية قد أصيبوا هناك.