جنود يطلقون النيران عشوائيّاً من كمين داخل منزل قيد الإنشاء ويقتلون محمد أبو صلاح (16 عاماً)
28 آذار/مارس 2022
في مساء يوم الأحد 13.2.22 دهمت قوّات كبيرة من الجيش وحرس الحدود بلدة سيلة الحارثيّة شمال غرب مدينة جنين بهدف هدم منازل أربعة من السكان متّهمين بقتل يهودا ديمنتمان يوم 16.1.22 قرب المكان الذي كانت فيه مستوطنة "حومش". في المُواجهات التي اندلعت في البلدة إثر دخول القوّات، ألقى فلسطينيّون نحوها الحجارة والزجاجات الحارقة والعُبوات، بل وأطلقوا النار نحوها. أفراد القوّة أطلقوا نحو الفلسطينيّين ذخيرة لتفريق المظاهرات ورصاصاً حيّاً أفادت وسائل الإعلام أنّ ثلاثة فلسطينيّين أصيبوا جرّاءه بجُروح بالغة. في نهاية المطاف هدمت القوّات في تلك اللّيلة شقّة واحدة هي شقّة محمود جرادات، التي كانت تسكن فيها زوجته وأطفالهما الأربعة.
في الوقت نفسه كان نحو عشرة شبّان وفتية من المنطقة قد تجمّعوا في شارع الوديان الذي يصل بين بلدة االيامون وسيلة الحارثيّة، احتجاجاً على الهدم فأشعلوا إطارات وهتفوا شعارات نحو الجنود الذين كانوا يبعدون عنهم بضع مئات من المتار. على بُعد نحو 120 متراً من الشبّان والفتية، اختبأ عدد من الجنود في منزل من طابقين يُطلّ على الشارع، وتحديداً في الطابق السّفليّ منه الذي كان لا يزال قيد البناء. في تلك اللّيلة كان الشارع مُعتماً لأنّ الإنارة لم تعمل.
نحو السّاعة 22:00 قدِمت من ناحية بلدة ليامون سيّارة تقلّ مسلّحين فلسطينيّين ودخلت إلى الشارع الصّاعد نحو المنزل الذي كان يختبئ فيه الجنود. عندما أصبحت السيّارة على بُعد نحو عشرين متراً من المنزل، أطلق المسلّحون من داخلها بضع رصاصات. بعد ثوانٍ معدودات أطلق الجنود النيران من داخل المنزل بينما اتّجهت السيّارة نحو اليامون. بعض الرصاص الذي أطلقه الجنود، على الأقلّ، كان مصوَّباً نحو شارع الوديان حيث كان الشبّان والفتية. ومن جرّاء ذلك، أصيب محمد أبو صلاح (16 عاماً) في رأسه أثناء فراره من المكان. تم إخلاء محمد إلى مستشفىً في جنين وهناك فارق الحياة.
الجنود الذين قتلوا محمد أبو صلاح أطلقوا الرّصاص بكثافة نحو مجموعة من الشبّان والفتية كانوا يبعدون عنهم مسافة 120 متراً تقريباً دون ان يعلموا بوجود الجنود داخل المبنى وفقاً لأقوالهم. وعلى أيّ حال، ما كان من الممكن أن يشكل هؤلاء الفتية والشبان خطراً على الجنود بأيّ شكل من الأشكال. إطلاق النار في مثل هذه الظروف لا مبرّر له ومُخالف للقانون. لكنّ المسؤوليّة عن مقتل محمد أبو صلاح تقع أساساً على عاتق الضبّاط الذين أرسلوا جنوداً لنصب كمين في الظلام وهم مسلّحون بالذّخيرة الحيّة في منطقة مأهولة وبالقرب من متظاهرين وقد سارعوا إلى إطلاقها عشوائيّاً.
عن أحداث تلك اللّيلة يحدّث أدناه ب. س. (17 عاماً) وهو من سكّان اليامون وقريب محمد أبو صلاح - من إفادة أدلى بها في 15.2.22 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي:
في يوم الأحد الموافق 13.2.22، نحو السّاعة 21:30، التقيت قريب العائلة محمد أبو صلاح قبالة منزله عقب نداءات عبر وسائل التواصُل الاجتماعيّ تناشد أهالي منطقة جنين التوجّه إلى سيلة الحارثيّة للاحتجاج على هدم منازل المتهمين بقتل مستوطن.
توجّهنا إلى شارع الوديان الذي يصل بين بلدتنا وسيلة الحارثيّة. لم نرَ مركبات عسكريّة أو جنوداً في منطقتنا. كان هناك شبّان آخرون يشعلون إطارات ويهتفون شعارات. سمعنا طلقات رصاص من جهة سيلة الحارثيّة التي كنا على بُعد نحو كيلومتر واحد عنها. لم نكن نعلم أنّ هناك جنوداً في منطقتنا أيضاً.
نحو السّاعة 22:00، ونحن لا نزال في المكان نفسه، سمعنا فجأة ثلاث طلقات تلاها إطلاق نار سريع نحونا. ركضنا أنا ومحمد وشبّان آخرون جنوباً، في اتّجاه منازلنا. بعد أن ركضنا بضعة أمتار انتبهتُ أنّ محمد يتخلّف قليلاً ورائي. نظرت إلى الخلف لكي أناديه وأستعجله فرأيته يسقط أرضاً قبالة المصنع الذي على جانب الشارع. توقّفتُ ثمّ عُدت إليه راكضاً لكي أساعده وأحمله. عندئذٍ تبيّن لي أنّه مُصاب في الرّأس وينزف من جُرحه دم غزير. ناديتُ الشبان القريبين منّي قائلاً "إنّه مصاب، لقد أصيب" فجاءوا وساعدوني على حمله وإدخاله إلى سيّارة خاصّة كانت هناك. صعدتُ معه إلى السيّارة وانطلقت هذه إلى مستشفى ابن سينا في جنين حيث حاول الأطبّاء إسعافه ومعالجته. انتظرت هناك وفي منتصف اللّيل أعلن الأطبّاء وفاته نتيجة رصاصة أصابته في الرأس.
م. ب. س. (21 عاماً من سكّان اليامون) أيضاً كان في شارع الوديان في تلك اللّيلة. عندما رأى مركبات عسكريّة عند المفترق المؤدّي إلى سيلة الحارثيّة قفل عائداً جنوباً نحو االمنطقة التي كان يقف فيها قريبه محمد أبو صلاح وشبّان آخرون.
وصف م. ب. س. ما حدث في إفادة أدلى بها في 15.2.22 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي:
في ذلك الوقت كان في الشارع عدد من الشبّان. فجأة سمعت طلقات رصاص مصوَّبة نحونا. كانت في البداية 3-4 طلقات وبعد ثوانٍ أطلق وابل كثيف ومتواصل من الرّصاص. لم أعرف من أين يُطلق الرّصاص، أهو من جهة الجيبات العسكريّة من الشمال أم من مصدر آخر. بدأتُ أركض وفي أثناء ذلك سمعت شاباً يصرخ قائلاً إنّ هناك مصاباً. عُدت أدراجي وإذّاك رأيت على بُعد نحو عشرين متراً فتىً ملقىً على الأرض والدّم ينزف من وجهه بغزارة.
حملتُه مع شبّان آخرين ومشينا بضعة أمتار نحو الجنوب حيث كانت هنالك سيّارة متوقّفة على طرف الشارع. طلبت من السّائق أن يأخذ الفتى المصاب إلى المستشفى. بقيتُ في المنطقة لكنني ابتعدتُ عن مرمى الرّصاص إلى مكان آمن بين المنازل. بعد إصابة الفتى، أصيب لاحقاً شبّان آخرون في الشارع نفسه. عند منتصف اللّيل علمتُ أنّ الفتى الذي أخلي إلى المستشفى هو محمد أبو صلاح، الذي يسكن في حارتنا، وعلمت أيضاً أنّه توفّي بعد أن أخفقت محاولات الأطبّاء لإنقاذ حياته.