سياسة إطلاق النار

خلال مظاهرة قرب البيرة، جنود يقتلون بنيرانهم فادي وشحة في حين أنّه لم يشكّل خطراً على أحد

16 آب/أغسطس 2021، حُدّث في 15 شباط/فبراير 2023

الصورة
לוחות הבטון שמאחוריהם חסו החיילים בעת שירו בפאדי ושחה למוות ממרחק של עשרות מטרים ומבלי שנשקפה להם סכנה כלשהי. צילום: כרים ג'ובראן, בצלם
الصورة
פאדי ושחה. התמונה באדיבות המשפחה
فادي وشحة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.

كان من المخطّط أن تخرج في يوم السّبت الموافق 15.5.21 مظاهرة احتجاج لذكرى يوم النكبة واحتجاجاً على الحرب في قطاع غزّة وعُنف الشرطة في المسجد الأقصى مساعي طرد فلسطينيّين من منازلهم في حيّ الشيخ جرّاح في شرقيّ القدس. كان يُفترض أن تنطلق المسيرة عند السّاعة 16:30 من مركز مدينة رام الله نحو حاجز "بيت إيل" (حاجز الـ DCO). قبل انطلاق المسيرة بنحو ساعتين ونصف السّاعة، عند السّاعة 14:00 تقريباً، جاء فادي وشحة (34 عاماً)، وهو من سكّان بير زيت، مع صديقه أ. أ. (27 عاماً) إلى منطقة مجاورة لمدخل البيرة الشماليّ وكانت تدور هناك مواجهات بين شبّان فلسطينيّين والجيش. وقعت المواجهات في ثلاثة مراكز حيث أشعل عشرات الشبّان الإطارات وأغلقوا الشارع المؤدّي إلى الحاجز بالحاويات والحجارة ورشقوا الحجارة نحو جنود كانوا ينتشرون في عدّة نقاط في المنطقة. أطلق الجنود نحو الشبّان الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع وكانت طائرة مسيّرة عسكريّة تحلّق فوق المتظاهرين وتلقي عليهم قنابل الغاز المسيل للدّموع.

نحو السّاعة 16:30 عندما كانت المسيرة على وشك الوصول إلى المنطقة، تقدّم فادي مع صديقه وشابّ ثالث نحو أحد مراكز المظاهرات لكي ينضمّ إلى المتظاهرين. في ذلك الوقت كان قد بقي في ذلك الموقع قرابة 15-20 شابّاً وكانوا يرشقون الحجارة نحو الجنود. بالتوازي مع ذلك نزل جيب عسكريّ من تلّة مجاورة وتوقّف قرب بعض الجنود الواقفين خلف مكعّبات إسمنت. ترجّل من الجيب عدد من الجنود، وقفوا خلف ساتر ترابيّ وشرعوا يُطلقون وابلاً من الرصاص "المطّاطيّ" وقنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص الحيّ نحو فادي وشحة والشابّين المرافقين له عن بُعد 70-100 متر. أصيب فادي في رأسه ودخل في غيبوبة أثناء نقله إلى المستشفى. لاحقاً، في 2.6.21 بعد أن رقد طوال أسبوعين في قسم العناية المكثّفة في حالة موت دماغيّ توفّي فادي وشحة متأثراً بجراحه.

الجنود الذين قتلوا فادي وشحة أطلقوا النار نحوه دون أيّ مبرّر وعلى نحو يخالف القانون إذ كان على بُعد عشرات الأمتار منهم ولم يشكّل خطراً على حياتهم أو حياة أيّ إنسان آخر. وردت في وسائل الإعلام أنباء عن تحقيق باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة، ولكن بالاستناد إلى التجربة المتراكمة يمكن القول أنّ الهدف من هذا التحقيق ليس كشف الحقيقة بل طمس ملابسات إطلاق الرّصاص والقتل المترتّب عليه، ممّا يُتيح في النتيجة استمرار استخدام النيران الفتّاكة واستهتار إسرائيل بسلامة الفلسطينيّين بل وحياتهم أيضاً.

الصورة
פאדי ושחה היה בקרבת העץ שבקדמת התמונה בעת שנורה על-ידי החיילים שחסו מאחורי לוחות הבטון המסומנים בחלקה האחורי. צילום: כרים ג'ובראן, בצלם
فادي وشحة كان قرب الشجرة التي في مقدّمة هذه الصّورة عندما أطلق عليه الجنود النار وهُم يحتمون بألواح إسمنتيّة (تبدو في الصورة محاطة بدائرة) تبعد عنه 70-100 متر. تصوير كريم جبران، بتسيلم.

أدناه يحدّث أ. أ. صديق فادي عمّا حدث أثناء انتظارهم وصول المسيرة - من إفادة أدلى بها في 10.6.21 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

عند السّاعة 16:30 سمعنا نداءات للمشاركة في مسيرة مركزيّة كانت تقترب آتية من رام الله. شاهدت جيب "هَمِر" ينزل عن تلّة قرب معسكر الجيش ويتّجه نحو الجنود الذين كانوا منتشرين خلف مكعّبات الإسمنت في الشارع المغلق. في ذلك الوقت كنت جالساً مع فادي وشحة نتحدّث تحت شجرة على بُعد نحو مائة متر من الجنود وكان ساتر ترابيّ يُخفينا عن أنظار الجنود. كان هناك عدد قليل من الشباب يرشقون حجارة نحو الجنود. قال لي فادي: تعال نوجّه ضربة أخيرة للجنود ثمّ ننضمّ للمسيرة المركزيّة، فنهضنا وتقدّمنا مع شابّ ثالث.  

شاهدت ثلاثة جنود يترجّلون من جيب "الهَمِر" ويصعدون فوق ساتر ترابيّ وكان الجنود الآخرون يُطلقون وابلاً من قنابل الغاز والرّصاص "المطّاطيّ" نحو متظاهرين قريبين منهم، بينما الجنود الذين صعدوا فوق السّاتر الترابي أخذوا يُطلقون الرّصاص الحيّ نحونا. كانت الشظايا تتطاير من الصّخور المحيطة بنا ولذنا جميعاً بالفرار. صرخت نحو فادي أطلب منه أن ينبطح وفوراً انبطحت أنا نفسي. سمعت أربع طلقات رصاص حيّ ورأيت فادي ملقىً أرضاً على بُعد نحو عشرة أمتار منّي. في البداية ظننته منبطحاً ليحمي نفسه، كما قلت له، ولكن عندما ناديته لم يستجب. في هذه الأثناء توقّف إطلاق النار.  

تقدّمت نحو فادي زحفاً لأنّني خشيت أن يتجدّد إطلاق النار. كان ملقىً على بطنه دون حراك وينزف من جانب رأسه، من خلف الأذن. أخذت أصرخ "إسعاف! إسعاف!". لم أستطع تحمّل المنظر وكنت مصدوماً. لم أجرؤ على حمل فادي أو تحريك جسمه لأنّني خشيت أن يسبّب ذلك في أضرار إضافيّة. سمعني بعض الشباب وأتوا لكي يُخلوا فادي. عندما حملوه تبيّنت لي خطورة إصابته بل خمّنت أنّه قد استُشهد. صرت أصرخ دون وعي منّي "شهيد! شهيد! شهيد!" والشبّان يواصلون التوجّه نحو سيّارة إسعاف كانت متوقّفة على جانب الشارع ثمّ انطلقت هذه نحو مجمّع فلسطين الطبّي.

أدناه يحدّث ر. و.، قريب فادي وشحة، عمّا رآه أثناء مشاهدة الأحداث من فوق تلّة تبعد نحو 300-400 متر - من إفادة أدلى بها في 17.5.21 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

قرب السّاعة 16:30 رأيت جيب "هَمِر" عسكريّ ينزل من تلّة متّجهاً نحو جنود كانوا شرقاً يستحكمون خلف مكعّبات إسمنت تغلق الشارع. في ذلك الوقت وقبل أن يصل الجيب إلى حيث الجنود كانت أعمال رشق حجارة خفيفة يقوم بها ما يقارب 15-20 شابّاً. بعد وصول جيب الهَمِر بلحظات معدودة أطلق الجنود كميّات كبيرة من قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" والرّصاص الحيّ. في تلك اللحظة رأيت رشق حجارة، وبعضاً من المتظاهرين يستريحون وقد بدا كأنّهم ينتظرون وصول المسيرة المركزيّة.

إطلاق وابل المقذوفات المذكور فاجأ الشبّان فلاذوا بالفرار. وسط هذه الجلبة سمعت إطلاق رصاص حيّ ورأيت شابّاً يقع أرضاً على بطنه فتوقّعت أنّه قد أصيب. لم يكن هذا الشابّ في الصّفوف الأماميّة لمجموعة الشبّان بل كان على بُعد 70-100 متراً من الجنود وكان إلى جانبه شابّان آخران أو ثلاثة. صرخ أحد هؤلاء "إسعاف! إسعاف!" وتقدّمت مجموعة مسعفين لكي تُخلي المصاب. بعد ذلك سمعت صُراخ "شهيد! شهيد!"، وسمعت أناساً قريبين منّي يتهامسون اسم المُصاب كما وصل إليهم عبر هواتفهم النقّالة. كانوا يقولون فادي وشحة.  

في المستشفى فهمت أنّ فادي أصيب في الجزء الأيمن من جذع الدّماغ وأنّه لا يمكن إجراء عمليّة جراحيّة له قبل أن تستقرّ حالته. كان يرقد في قسم العناية المكثّفة في حالة موت دماغيّ. فهمنا من الأطبّاء أنّ احتمالات شفائه ضئيلة جدّاً. كنّا قلقين كثيراً وانتظرنا بفارغ الصّبر أن تتحسّن حالته ولكنّ هذا لم يحدث. هكذا حتى توفّي فادي في صباح يوم الأربعاء الموافق 2.6.21.

تحديث:  في 18.11.21 نشرت وسائل الإعلام بأن الملف لا زال قيد اللتحقيق. في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأنه تم تحويل الملف إلى النيابة لدراسته.  

مواد مقترحة

מפגינים בבילעין. צילום: שרית מיכאלי, בצלם, 1.4.22

سياسة إطلاق النار

خلال مظاهرة في بلعين: جنود يُطلقون رصاص "توتو" على شابٍّ دون أيّ مبرّر ويُصيبونه بجراح

في يوم الجمعة الموافق 1.4.22 نحو السّاعة 13:30، خرجت من قرية بلعين الواقعة غربيّ رام الله مسيرة لإحياء ذكرى "يوم الأرض" التي كانت قد حلّت قبل ذلك بيومين. شارك في المسيرة نحو 150 شخصاً من الفلسطينيّين والناشطين الإسرائيليّين والأجانب، ساروا نحو كيلومترٍ واحد ثم توقّفوا على بُعد نحو مائة متر من جدار الفصل. رفع المتظاهرون أعلام فلسطين وهتفوا شعارات ضدّ الاحتلال. في الجانب الآخر من الجدار وقف ثلاثة جنود على الأقلّ في نقطة ملاصقة للجدار، مرتفعة ومحصّنة. بعد نحو عشر دقائق تقدّم باتّجاه الجدار قرابة عشرة من الشبان والشابات، بضمنهم عهد تميمي (21 عاماً) وابن عمّها أسامة تميمي (26 عاماً). توقّف الشباب على بُعد مترين من الجدار وأخذوا يشتمون الجنود وبعضهم أيضاً رشق حجارة نحو الجنود والجدار. الجنود المتواجدون في النقطة المحصّنة ألقوا نحو الشباب قنابل غاز مسيل للدّموع وقنابل صوت. خرج جيب عسكريّ من إحدى بوّابات الجدار وأطلق جنود من داخله عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع. هربت عهد تميمي من الغاز المنبعث من القنابل فسارت في طريق الدوريّات التفقّديّة الموازية للجدار على بعد نحو 10 أمتار عنه. بعد أن أطلق الجنود رصاصة قطرها 0.22 بوصة ("توتو")، هرع أسامة تميمي نحو ابنة عمّه، عهد. في هذه المرحلة أطلق أحد الجنود المتواجدين في النقطة المذكورة رصاصتي "توتو" أخريين فأصابت كلتاهما أسامة، إحداهما في كفّ قدمه والثانية في ذراعه. تلقّى أسامة الإسعاف الأوّليّ من مسعفين كانوا ينتظرون في الموقع ثمّ أخلي في سيّارة خاصّة إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر فنقلته هذه إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وهناك تبيّن أنّ الرّصاصتين قد اخترقتا جسده وخرجتا من الجانب الآخر. بعد بضع ساعات تلقّى خلالها العلاج غادر المستشفى كي يستريح ويتعافى في المنزل. يجسد إطلاق الجنود للرّصاص في هذه الحالة سياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المناطق المحتلّة، والتي يتم في إطارها استخدام الذخيرة الحيّة ـ وبضمنها رصاص "توتو" ـ ليس فقط كوسيلة أخيرة فقط وفي غياب أية وسيلة أخرى وفي حال تعرّض حياة الجنود للخطر. بدلاً من ذلك، تستخدم إسرائيل النيران الحية في الواقع ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطراً على حياة أحد أيضاً. وبالرغم من كونها غير قانونية، إلا أن هذه السياسة ـ التي تقوم أساساً على استهتار إسرائيل الفظ بحياة الفلسطينيّين وبأجسامهم وبسلامتهم ـ تحظى بدعم شامل من قبَل المسؤولين السياسيّين والضبّاط الكبار في الجيش. بالنظر إلى ذلك، لا عجبَ أنّ تمرّ هذه الحادثة أيضاً دون مساءلة ومحاسبة أحد جرّاء إطلاق الرّصاص. عن إطلاق النيران خلال المظاهرة تحدّثت عهد تميمي (21 عاماً، من سكّان النبي صالح) في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد يوم 1.4.22: وصلنا إلى منطقة جدار الفصل عند السّاعة 14:00 ورأينا أنّ الجنود ينتظروننا خلف الجدار. شاهدت ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة فوق الجدار. اثنان منهم كانا مسلّحين بقاذفات قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطيّ وكان يتوسّطهما قنّاص مسلّح ببندقيّة من النوع المخصّص لإطلاق رصاص "توتو". بعد وصولنا إلى هناك بنحو عشر دقائق تقدّمتُ ضمن مجموعة من عشرة متظاهرين حتى وصلنا إلى مسافة مترين عن الجدار. وكان هدفنا استفزاز الجنود. بعض الشباب رشقوا الحجارة. سمعت أحد الجنود يناديني باسمي. لا أعرف كيف عرفني. قال لي: "تميمي، اذهبي من هنا". كان الشباب يصرخون ويشتمون الجنود بينما أطلق الجنود بدورهم بضع قنابل صوتية كي يُخيفونا ويُبعدونا من هناك. بعد ذلك أطلقوا بعض قنابل الغاز المسيل للدّموع سقطت بعيداً عنّا. ابتعدنا بسبب رائحة الغاز. في تلك اللّحظات دخل جيب عسكريّ عبر بوّابة في الجدار وأطلق الجنود الذين كانوا على متنه صلية كبيرة من عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع دُفعة واحدة. انتشر الغاز على مساحة كبيرة حتى وصل إلى جُموع المتظاهرين الذين كانوا على مسافة أكثر من 100 متر من الجدار. حاولت الابتعاد عن الغاز فسرت في الطريق الترابيّ الذي يمر بجانب الجدار. وفجأة حين كنت على بُعد نحو عشرة أمتار من الجنود أطلق القنّاص رصاصة "توتو". ذُعرت وتوتّرت ولم أعرف ماذا أفعل. كان الشباب والصحفيّون يصرخون بي "اهربي، اهربي، إنّه يُطلق الرصاص عليك". ركض نحوي ابن عمّي، أسامة تميمي، وحاول أن يُبعدني عن مرمى الرّصاص. حين كان كلانا يحاول الابتعاد تجدّد إطلاق رصاص "توتو". سمعت عدّة طلقات لكن من الصّعب أن أحدّد بالضّبط، لأنّ الصّليل الذي يصدر لدى إطلاقه خافت. أصابت إحدى الرّصاصات أسامة في كفّ قدمه فوقع أرضاً ثمّ أصابته رصاصة ثانية في ذراعه اليمنى. نهض أسامة بسُرعة ثمّ واصلنا الفرار من هناك. ركضنا حتى ابتعدنا نحو 30 متراً وعندئذٍ وقع أسامة ولم يعُد قادراً على النهوض ومواصلة الرّكض. تقدّم عدد من المسعفين وقدّموا له الإسعاف الأوّليّ ثمّ أخلي في سيّارة مدنيّة إلى مستشفىً في رام الله. بعد إطلاق الرّصاص انتهت المظاهرة وغادر الجميع. لاحقاً، ذهبنا لزيارة أسامة في المستشفى وهناك علمنا أنّ إصابته تستدعي إبقاءه هناك للعلاج. الرّصاصتان اللّتان أصابتاه دخلتا وخرجتا. بعد إتمام معالجته غادر إلى المنزل. لقد نجا بأعجوبة بفضل العناية الإلهيّة. أنا ما زلت مصدومة حتى الآن ممّا جرى. عن إصابته هذه، قال أسامة تميمي (26 عاماً، من سكّان النبي صالح) ما يلي في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 3.4.22: وصلت المسيرة إلى المكان المُبتغى نحو السّاعة 14:00 حيث توقّف جميع المتظاهرين على بُعد 100 متر من الجدار. ألقى عدد من المسؤولين خطابات ضدّ الاحتلال والاستيطان. كان ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة في الجانب الآخر من الجدار وهُم يوجّهون بنادقهم نحو المتظاهرين. بعد نحو عشر دقائق على بدء الخطابات انضممت إلى مجموعة من الشباب تقدّمت نحو الجدار وكانت تعدّ نحو عشرة أشخاص. أنا وبعض الشباب كنّا نشتم الجنود ونصرخ عليهم لكي نُثير غضبهم. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وألقوا قنابل الصوت بهدف تفريقنا. كان عدد من الشباب يرشقون الحجارة نحو الجنود في النقطة المحصّنة وعندئذٍ ألقى الجنود نحونا عدّة قنابل غاز مُسيل للدّموع فابتعدنا قليلاً. عندما تلاشى الغاز اقتربنا مجدّداً من الجدار فألقى الجنود عدداً كبيراً من قنابل الغاز المسيل للدّموع. تراجع قسم من الشباب ولاذوا بالفرار بسبب رائحة الغاز. فررت مع أربعة شبان آخرين باتّجاه الجدار لأنّ الرّيح كانت تهبّ وتحمل الغاز بعيداً عن الجدار. التصقنا بالجدار لأنّنا ظننّا أنّ هذا الموقع في زاوية لا تتيح للجنود إطلاق الرّصاص نحونا. رأيت ابنة عمّي عهد تقف في الطريق الترابيّ المحيط بالجدار وسمعت طلقة "توتو" واحدة ثمّ رأيت عهد تلوذ بالفرار. ركضت نحوها لأنّني ظننتُها قد أصيبت. كانت على بُعد 5 أمتار منّي. عندما وصلت إليها قالت لي إنّها لم تُصب. حاولنا الابتعاد معاً عن الطريق الترابيّ وعن مرمى رصاص الجنود لأنّنا ظنّنا أنّهم يصوّبون نحونا. كانت المسافة بيننا وبين الجنود 20 متراً على الأكثر. فجأة شعرت بأنّني قد أصبت في كعب قدمي اليسرى برصاصة "توتو" أطلقها أحد الجنود. تعثّرت ووقعت أرضاً. في هذه الأثناء أطلق الجنديّ رصاصة "توتو" أخرى اخترقت ذراعي اليمنى من الخلف وخرجت من الأمام. نهضت وتمكّنت من الرّكض بضع عشرات أخرى من الأمتار ثمّ وقعت ثانية. ركض نحوي طاقم مسعفين وقدّموا لي الإسعاف الأوّليّ وضمّدوا جراحي ثمّ أخذني شخص ما إلى سيّارة مدنيّة كانت قريبة وانطلقت بي السيّارة في اتّجاه رام الله. في الطريق، قرب بيتونيا، نقلوني إلى سيّارة إسعاف أخذتني بدورها إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. هناك، أدخلوني إلى قسم الطوارئ وأجروا لي فحوصات وصور أشعّة. كذلك تلقّيت محلولاً وريديّاً وحقناً لتسكين الأوجاع. أظهرت الصّور أنّ الرّصاصتين لم تسبّبا كُسوراً وأنّهما دخلتا وخرجتا دون أن تستقرّا في جسمي. بعد ساعتين غادرت المستشفى على أن أواصل الاستراحة في المنزل.

29 أيار/مايو 2022

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021