سياسة إطلاق النار

سياسة إطلاق النار تجبي ضحيّة أخرى: فتىً فلسطينيّ في الـ15 يُقتل بنيران قنّاص

30 كانون الأول/ديسمبر 2020، حُدّث في 14 شباط/فبراير 2023

الصورة
דרך העפר שאותה חצה עלי אבו עליא בעת שנורה. צילום: איאד חדאד, בצלם, 6.12.20

يومَ قُتل عليّ أيقظته باكراً، في الـ6:00 صباحاً وطلبت منه أن يذهب ويساعد جدّه في إطعام المواشي وحَلبها. كان يحبّ العناية بالماشية كثيراً. قبل أن يذهب قال لوالدته: "أمّي، اليوم عيد ميلادي وأريد أن تعدّي لي كعكة". نحن عائلة قرويّة ولا نحتفل عادة بأعياد الميلاد، ومع ذلك قالت له والدته: "حسناً يا علي، سوف أخبز كعكة كبيرة ولذيذة لكي تستمتع مع أخوتك وأصحابك". (من إفادة أيمن أبو عليا، والد علي).

الصورة
علي أبو عليا. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق 4.12.20 صعدت مجموعة من الفتية والشبّان سكّان قرية المغيّر (الواقعة شمال غرب رام الله) إلى تلّة شرقيّ القرية تطلّ على شارع "ألون" وأخذوا يرشقون الحجارة نحو الشارع احتجاجاً على إقامة بؤرة استيطانيّة جديدة أقيمت في بداية تشرين الثاني 2020 قرب تجمّع راس التين الواقع جنوب شرق القرية. يُذكر أنّ المستوطنين الذين أقاموا بؤرتهم على أراضٍ ينكّلون بالمزارعين والرّعاة في المنطقة بحيث أصبح هؤلاء يخشون المجيء إلى أراضيهم.

نصب جنود كميناً للفتية والشبّان المتظاهرين في منطقة التلّة ومن كمينهم أطلقوا نحوهم قنابل الغاز المسيل للدّموع. أخذ عدد المتظاهرين يتزايد تدريجيّاً حتى أصبحوا خمسين تقريباً - بعضهم رشق حجارة نحو الجنود الذين ردّوا بإلقاء قنابل الصّوت والغاز المسيل الدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط.

مع السّاعة 11:00 انتقلت المواجهات إلى منطقة في الطرف الشرقيّ للقرية. انتشر أكثر من عشرة جنود فوق تلّة صغيرة تقع في تلك الناحية وواصلوا إطلاق المقذوفات نحو الفتية والشبّان الذين وقفوا أسفل التلّة على مسافات من الجنود تتراوح بين عشرين وسبعين متراً.

الصورة
البؤرة الاستيطانيّة الجديدة التي على أثرها تظاهر الشبان. تصوير: كرن منور، اكتفستيلس

على بُعد نحو 150 متراً من المواجهات وقف ما يقارب مئة من أهالي القرية يتفرّجون على الأحداث وبضمنهم الفتى علي أبو عليا وهو طالب في الصفّ العاشر، وكان ذلك اليوم يحتفل بعيد ميلاده الـ15. يقول شهود عيان أنّهم رأوا في طلعة الطريق الترابيّ الذي يقطع منتصف التلّة قنّاصاً انبطح على الأرض ومعه بندقيّة قنص من نوع "روجر" الذي يُستخدم لإطلاق رصاص التوتو (وهو نوع من الذخيرة الحيّة قوّته أخفّ من قوّة الرّصاص الحيّ العاديّ) وأطلق رصاصة أصابت علي أبو عليا في بطنه حين كان يقطع الطريق. نُقل علي إلى مستشفىً في رام الله وبعد ساعات معدودة أعلن الأطبّاء وفاته.

الذّخيرة الحيّة التي قتلت علي أبو عليا أطلقها قنّاص رغم أنّ الفتى لم يشكّل خطراً على أحد. رسميّاً تقيّد التعليمات استخدام الذّخيرة الحيّة - وبضمنها رصاص "التوتو" - بحيث يُسمح استخدامها فقط في حال خطر يهدّد حياة عناصر قوّات الأمن أو غيرهم. ولكنّ الواقع أنّ الجيش يتعامل منذ زمن مع هذه التعليمات على أنّها مجرّد توصية غير مُلزمة ولذلك نجد أنّ إطلاق الذّخيرة الحيّة في ظروف لم تتعرّض فيها حياة أحد للخطر ليس أمراً استثنائيّاً: منذ العام 2015 قُتل بالرّصاص الحيّ في الضفة الغربيّة ما لا يقلّ عن 38 فلسطينيّاً بضمنهم 16 قاصراً خلال أحداث رشق فلسطينيّون خلالها حجارة أو اشتُبه في أنّهم رشقوا حجارة حتى عندما لم يشكّلوا خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن أو غيرهم.

فيما يخصّ رصاص "التوتو" يُلاحظ ميدانيّاً أنّ الجيش ينشر جنوداً قنّاصة يستخدمون هذه الذخيرة وكأنّها وسيلة عاديّة لتفريق المظاهرات أي كأنّها غير فتّاكة رغم أنّ هذا النوع من الرّصاص ثبت فتكه بالتّأكيد: منذ العام 2015 قُتل جرّاءه 9 فلسطينيّين على الأقلّ وكان علي أبو عليا الضحيّة العاشرة. بعيداً عن التعليمات الرسميّة النظريّة، يُظهر مقتل الفتى أبو عليا أنّ سياسة إطلاق النار العمليّة التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربيّة تتيح إطلاق الرّصاص الحيّ حتى في غياب المبرّرات وحتى مع العلم أنّه سيسبّب إصابة أو مقتل أناس لا يشكّلون خطراً على أحد - لكن لا يوجد من يكترث لذلك أصلاً. المسؤوليّة عن نتائج تطبيق هذه السّياسة تقع ليس فقط على الجنود في الميدان وإنّما على المسؤولين المتورّطين وبضمنهم من يصادقون المرّة تلو المرّة على إطلاق النار في مثل هذه الظروف والمستشارين القضائيّين الذين يسخّرون شتّى الفذلكات القانونيّة لإضفاء الشرعيّة عليها.

وكما في الحالات السّابقة، سارع الجيش في هذه الحالة أيضاً إلى الإعلان عن تحقيق باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة. لكنّ تجربة السنين تؤكّد أنّ هذا الإعلان لا يعني الاستعداد لسبر غور الحقيقة ومنع تكرار مثل هذه الجريمة أو إنصاف عائلة الفتى أبو عليا، بل على العكس من ذلك تماماً: هدف الإعلان إسكات النقد عبر الإيهام بأنّ جهاز إنفاذ القانون يحقّق في الأمر بجدّيّة، بينما يقوم هذا الجهاز بطمس الحقيقة وحماية المسؤولين عن مقتل الفتى أبو عليا.

فيما يلي إفادات حول الحادثة أدلى بها شهود عيان أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

 

أدناه أقوال ف.ع (17 عاماً، تلميذ في الصفّ الثاني عشر) الذي كان يقف على بُعد أمتار معدودة من علي أبو عليا عندما أطلقت عليه الرّصاصة - من إفادة أدلى بها في 6.12.20:

حتى السّاعة 13:30 لم يستخدم الجنود الرّصاص الحيّ ولم أسمع إطلاق رصاص "توتو". كان تركيزهم على إطلاق الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطي. عند السّاعة 13:30 رأيت نحو أربعة جنود يتجمّعون في أعلى التلّة وكان أمامهم ضابط وإلى جانبه استلقى قنّاص. قبالتهم، عند أسفل التلّة، كان 20-30 فتىً على جانب الطريق ومن خلف أسوار حجريّة (سناسل) على مسافات من الجنود تراوحت بين 30 و-70 متراً. اختبأ الفتية لكي لا يراهم القنّاص. في ذلك الوقت كنت مستنداً إلى سور أرض عائلة الحاج محمد ورأيت علي يتفرّج هو أيضاً على الأحداث - لم يكن بعيداً عنّي. الفتية المنخرطون في مواجهات مع الجنود كانوا بعيدين عنّا. أثناء ما كنّا نتفرّج قال لي علي: "أنا اليوم مسرور. لا أريد أن أبقى هنا كثيراً لأنّ اليوم عيد ميلادي وأريد الذهاب إلى البيت لكي أحتفل".

بعد وقت قصير قطع علي الطريق الترابي قادماً إلى جهتي لكي ينظر من هناك. فجأة، حين كان على الطريق في مرمى القنّاص أطلق القنّاص رصاصة واحدة أصابت علي في بطنه. وضع علي يده على بطنه وصرخ بألم "أه بطني! آه بطني!".

في البداية ظننته يمزح لأنّه معروف بحُبّه للمزاح وأيضاً لأنّني لم أسمع سوى صوت خافت أشبه بـ"تك" لمرّة واحدة ولم أسمع إطلاق رصاص حيّ. كان علي على بُعد ثلاثة أمتار منّي. أدركت أنّه جدّي عندما رأيته يحاول أن يمشي وظهره محنيّ ويداه على بطنه ويصيح "آه بطني! آه بطني!". قال أيضاً "لقد أصبت! لقد أصبت!"، ثمّ وقع أرضاً على ظهره.

نظرت إلى بطنه لكي أرى موضع الإصابة فرأيت في وسط قميصه ثقباً صغيراً جدّاً بقُطر سيجارة وتقريباً لم ينزف. حمل أحد السكّان (و.ن.) علي مسافة أربعين متراً تقريباً ثمّ أخذه بعض الشباب وأدخلوه في سيّارتهم، في المقعد الخلفيّ. رافقهم مسعف تواجد في المكان وشابّ آخر.

أدناه يصف و.ن. ما جرى، وهو شابّ في الـ23 من سكّان المغيّر - من إفادة أدلى بها في 6.12.20. يُذكر أنّ و.ن. كان يقف قرب علي عندما أصيب الأخير، وكلاهما كانا على بُعد نحو 150 متراً من القنّاص:

نحو السّاعة 13:30 رأيت الجنديّ الذي كان يحمل بندقيّة التوتو يستلقي على الأرض بوضعيّة قنص وإلى جانبه وقف ضابط وكان الضابط يوجّهه في اعتقادي. في تلك اللحظة كان علي يقف خلفي على مسافة ثلاثة أمتار منّي وكلانا كنّا نشاهد التظاهرة عن بُعد نحو 150 متراً. رأيت الضابط يشير إلى الفتية المنتشرين في الحقول لكنّ الجنديّ لم يطلق الرّصاص لأنّ الفتية كانوا حذرين وقد اختبأوا خلف صخور أو سواتر ترابيّة.

استدرت للحظة لكي آخذ ولّاعة سجائر من صديق لي، وللأسف تقدّم علي في تلك اللحظة بضعة أمتار إلى وسط الطريق في مرمى القنّاص. لم أره يتقدّم وإلّا لحذّرته. أطلق القنّاص طلقة واحدة كان صوتها خافتاً جدّاً. أدركت فوراً أنّ علي قد أصيب ثمّ انحنيت لكي أحمي رأسي إذ خشيت أن يطلق القنّاص مرّة ثانية نحونا. صرخ علي "آه بطني!" ووقع أرضاً، في البداية على جنبه ثمّ انقلب على ظهره.

تقدّمت منه بسُرعة، أزحت يده التي كانت تغطّي موضع الإصابة فرأيت أنّه أصيب في وسط بطنه تماماً، فوق "الصُّرّة" بقليل. كان علي غائباً عن الوعي وجسمه في حالة ارتخاء. حملته وركضت قرابة 50 متراً نحو سيّارة خاصّة كانت متوقّفة هناك، وقد جاء مُسعف وساعدني. أدخلنا علي إلى المقعد الخلفي وصعد المُسعف مع السّائق وابن عمّه. عندما كشفوا عن بطن علي رأيت فتحة دخول الرّصاصة في بطنه، ثمّ انطلقوا نحو المستشفى.

في المساء ذهبت إلى المستشفى في رام الله لكي أسأل عن وضع علي، وعند السّاعة 18:30 أعلن الأطبّاء وفاته. أفكّر طوال الوقت بهذه الحادثة ونتائجها ولا أعثر على أيّ مبرّر لإطلاق الرّصاص من قبَل القنّاص. لقد قتل فتىً كان يقف هادئاً ولم يشكّل خطراً على أحد. لم يشارك حتى في المظاهرة.

أدناه والد علي، أيمن أبو عليا، يصف ما جرى في ذلك اليوم - من إفادة أدلى بها في 16.12.20 - وهو في الـ42 من عمره، متزوّج وأب لستّة أبناء:

قبل عشر سنوات فقدت ابني وسام وهو في العاشرة من عمره، إثر إصابته بمرض السّرطان. الآن هذا الموت الثاني، ولكنّه في هذه المرّة أكثر قسوة وإيلاماً لأنّه كان بسبب محتلّ غاشم لا يعرف الرحمة ولا الشفقة إذ يستهدف الطفل والمسنّ والشجر والحجر. مهما قلت لن أوفي الوصف حقّه في إجرام أولئك الذين قتلوا ابني.

يومَ قُتل عليّ أيقظته باكراً في الـ6:00 صباحاً، وطلبت منه أن يذهب ويساعد جدّه في إطعام المواشي وحَلبها. كان يحبّ العناية بالماشية كثيراً. قبل أن يذهب قال لوالدته: "أمّي، اليوم عيد ميلادي وأريد أن تعدّي لي كعكة". نحن عائلة قرويّة ولا نحتفل عادة بأعياد الميلاد، ومع ذلك قالت له والدته: "حسناً يا علي، سوف أخبز كعكة كبيرة ولذيذة لكي تستمتع مع أخوتك وأصحابك".

لاحقاً، نحو السّاعة 13:30، كنت جالساً في الشّرفة وإذ بسيّارة مُسرعة جدّاً قادمة هي تزمّر من ناحية منطقة المظاهرة إلى مخرج القرية في اتّجاه ترمسعيّا. بعد دقائق معدودة هاتفني أخي حمدي وسألني: "هل صحيح أنّ ابنك أصيب؟" فأجبته "ليس لديّ علم بهذا". قال لي: "أولاد القرية يقولون أنّ علي أصيب وأنّه نُقل إلى المستشفى في سيّارة خاصّة". صار قلبي يدقّ بسُرعة وانتابني التعرّق من خوفي على حياة علي. لقد عملت وشقيت ليلاً نهاراً لكي أربّيه وأعتني به متلهّفاً لرؤيته يكبر ويصبح شابّاً ثمّ رجُلاً متعلّماً يفيد مجتمعه. ضجّ رأسي لكثرة ما تراكضت فيه الأفكار وكأنّني داخل كابوس. توجّهت فوراً إلى منطقة المظاهرة فقال الأولاد هناك أنّ علي أصيب وأنّه بخير لأنّ إصابته طفيفة. لم أصدّقهم. سافرت مع أخي إلى المستشفى في رام الله وهناك قيل لي أنّ علي في غرفة العمليّات لأنّه أصيب برصاصة "توتو" في بطنه. فهمت أنّ هناك خطر على حياة ابني وكدت أنهار لولا دعم العائلة وأهالي البلد الذين جاءوا إلى المستشفى ووقفوا إلى جانبي يدعمونني ويصبّرونني. في هذه الأثناء كنت في انتظار أن يخرج الطبيب من غرفة العمليّات والدّقائق تمرّ كأنّها سنوات.

عند السّاعة 18:30 خرج طبيب وأبلغنا أنّ علي قد استُشهد. تمالكت نفسي رغم الألم الذي لا يوصف. في صباح اليوم التالي شيّعنا علي في جنازة كبيرة من المستشفى إلى مقبرة القرية. عندئذٍ حدث شيء يصعب تفسيره: أثناء موكب التشييع هطل مطر شديد فقط فوق الموكب وحوله ولم يهطل في أماكن أخرى- كأنّ السّماء بكت روحه الطاهرة.

منذ انقضت أيّام العزاء الثلاثة تعيش أسرتنا في حداد وحسرة قلب. الجميع يفتقد علي ويشتاقه. بعد استشهاده ولدت ابنتي أسيل وأسمت ابنها علي، وهناك شخصان من القرية قالا لي أنّهما أطلقا اسم علي على مولوديهما. كان علي ذا قلب كبير يحبّ الناس. كان يحبّ كرة القدم ويلعبها أينما وُجد - في الشارع، في المدرسة، في الحارة. كان حلمه أن يصبح لاعباً في المنتخب الوطني الفلسطيني عندما يكبر.

تحديث: في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأنه تم تحويل الملف إلى النيابة لدراسته.  

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب

قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط. في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21. بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين. نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل: في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: : تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها. أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي. أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21 أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز. بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى. عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان. في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى: كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي. نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن. عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر. في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل. في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد. كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021