يعيش في مخيّم الجلزّون للّاجئين الواقع شماليّ رام الله نحو 14.000 شخص، نحو 5.000 منهم قاصرون. في عام 1977 أقيمت في جوار المخيّم مستوطنة "بيت إيل" ما استدعى وجود جنود بشكل دائم - في أبراج مراقبة ودوريّات عسكريّة على امتداد الشارع المحاذي وفي المساحة الفاصلة بين المخيّم والمستوطنة.
في أحيان كثيرة تندلع مواجهات بين الجنود وسكّان المخيّم وخاصّة الفتيان والشبّان ويدور معظمها عند مدخل المخيّم قرب المدارس. يطلق الجيش خلال هذه المواجهات ذخيرة تفريق المظاهرات وأحيانًا النيران الحيّة أيضًا. يقتحم الجيش المخيّم بمعدّل مرّة واحدة في الأسبوع على امتداد السنوات الخمس الماضية. خلال هذه السنوات جرح عناصر قوّات الأمن الإسرائيلي نحو 160 فلسطينيًّا جرّاء إطلاق النيران الحيّة (وفق معطيات مكتب تنسيق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية - OCHA) وقتلوا ستّة من بينهم أربعة قاصرين.
الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، استمع في الأشهر الأخيرة إلى إفادات أدلى به سكّان من المخيّم جُرحوا في هذه المواجهات حيث يصفون حياتهم في أعقاب الإصابة - المصاعب الجسديّة التي يواجهونها وتقلّص فرص العمل المتاحة لهم والعلاجات التي يحتاجونها وآثار الإصابة على حالتهم النفسيّة.
وكما سبق ونشرت بتسيلم لن يحاكَم أحد بتهمة التسبّب بهذه الإصابات - لا عناصر قوّات الأمن المنتشرة في الميدان ولا العسكريّون ذوو الرّتب الرفيعة المؤتمنون على الأوامر وتعليمات إطلاق النار. وأيضًا على المستوى المدنيّ ضمنت إسرائيل لنفسها حصانة شبه تامّة تعفيها من دفع تعويضات ماليّة للمصابين وذلك عبر توسيع نطاق الإعفاء القانوني ومراكمة المصاعب البيروقراطية أمام الفلسطينيين لصدّ تقديم دعاوى مدنيّة للمطالبة بتعويضات. بذلك تُبقي إسرائيل المصابين الفلسطينيين دون تعويض ماليّ ودون اعتراف بالأضرار اللّاحقة بهم مثلما تترك المسؤولين دون محاكمة - وتتيح مواصلة استخدام النيران ضدّ الفلسطينيين وأحيانًا الفتك بهم من حيث هو لبنة أساسيّة في الحفاظ على بُنية السيطرة العنيفة على ملايين الفلسطينيين.
المصاب كريم نخلة البالغ من العمر 11 عامًا - أصيب في 3.12.2014:
في 3.12.2014 نحو الساعة 16:00 وقعت عند مدخل مخيّم الجلزّون مواجهات بين فتيان وشبان - كانوا يرشقون الحجارة وجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود كانوا يطلقون عليهم الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. اختبأ كريم نخلة أحد سكّان المخيّم (وكان يبلغ الثامنة آنئذٍ) خلف سيّارة إسعاف متوقّفة قرب كراج قريب من مدخل المخيّم. عندما ارتفع وأطلّ برأسه لكي يشاهد ما يحدث أطلق نحوه جنديّ رصاص المعدن المغلّف بالمطّاط وأصابه في رأسه. حمله الفتية الذين كانوا هناك إلى سيّارة خصوصيّة نقلته إلى مستوصف المخيّم حيث قدّم له الإسعاف الأوّلي ثمّ أخذه والده إلى المنزل ومن ثمّ إلى مستشفى في رام الله. رقد كريم في المستشفى أربعة أيّام أجريت له خلالها عمليّة جراحية لإخراج الرّصاصة المعدنيّة التي استقرّت داخل رأسه.
في إفادته من يوم 3.1.2018 وصف حياته منذ الإصابة على النحو التالي:
الصورة
كريم نخلة. تصوير: بتسيلم, 21.2.18
بعد إصابتي بقيت ملازمًا البيت. لم أخرج ولم أذهب إلى المدرسة - خسرت امتحانات الفصل الأوّل وأيضًا في الفصل الثاني تغيّبت عن الدراسة بسبب فحوصات في عيادة الأعصاب التابعة للمستشفى. بدأت أعاني يوميًّا من دُوار وأوجاع في الرأس لا تخفّ إلّا حين أنام. صرت أخشى الخروج إلى الشارع أو اللعب مع أقراني وبقيت ملازمًا البيت. في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الإصابة كنت أحسّ وكأنّ في رأسي "خُرخيشة"ـ لكّن الطبيب طمأنني قال "لا تهتمّ. هذا سببه الإصابة وسوف يختفي مع الوقت".
بقيت مدّة طويلة في حالة صدمة وهلع. أخذت تنتابني أوجاع في الرّجلين وتقلّصات في العضلات. أفكاري مشتّتة ولا أقدر على التركيز. كنت أتذكّر كثيرًا لحظة إطلاق النار فينتابني الهلع. كنت أخاف أن أنام بسبب الكوابيس. بعد الإصابة ولمدة سنة ونصف على الأقلّ كنت أنام في غرفة والديّ. واليوم أيضًا من حين لآخر أصاب بنوبات هلع وأخاف النوم وحدي وعندها أذهب للنّوم في غرفة والديّ.
منذ إصابتي أصبحت عصبيًّا جدًّا جدًّا. تغضبني أتفه الأمور وأتخاصم مع إخوتي وأصدقائي من أبناء الحيّ. أصبحت لا أحبّ الذهاب إلى المدرسة كما في السابق. قبل الإصابة كان معدّل علاماتي في الثمانينيّات ومن يومها هبط إلى الستينيّات. كنت أحبّ لعبة كرة القدم ولكنّي اليوم أكاد لا أمارسها. عندما أفعل أخاف من أيّ شيء قد يقترب من رأسي أرتعد خوفًا حتّى من ظلّ إذا اقترب منّي.
أنزعج جدًّا عندما يتحدّثون قربي عن أناس أصابتهم نيران الجيش. عندما يحدث ذلك أصرخ في الناس وأطلب منهم أن يصمتوا او يغيّروا الموضوع أو أنّني أقوم وأترك المكان. عندما تحدث مظاهرات في محيط المدرسة أتوتّر كثيرًا وأرغب في الفرار إلى البيت لأنّي أخاف أن يحدث لي الشيء نفسه مرّة ثانية. أنا الآن في الصف السادس. أفكّر أحيانًا وأتساءل: لماذا حدث هذا لي؟ ما ذنبي أنا؟ ماذا فعلت لكي يطلقوا عليّ النار؟ لماذا لا يمكنني الخروج واللّعب مثل بقيّة الأولاد دون خوف ودون معاناة الدّوار وكثرة التعب.
محمد نخلة والد كريم البالغ من العمر 45 عامًا وصف في إفادته أمام بتسيلم في 7.2.2018 أثر الإصابة على حياة ولده:
الصورة
محمد نخلة. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم, 28.3.18
يعاني ابني من الرهاب (الفوبيا) من كل شيء يقترب من راسه وهو لا يتحمّل أن يقترب أحد منه حتّى عندما يلعب مع الأولاد في الحارة. هو يتوتّر أيضًا من منظر الدم أو أيّ جريح حتّى لو في حادث طرق. وعندما نشاهد منظرًا كهذا في التلفزيون أو الإنترنت يدير رأسه ويطلب منّي أن أغلقه. بعد إصابته لم يرغب في الخروج إلى أيّ مكان وفضّل الانغلاق على نفسه داخل المنزل وهذا أثّر على العائلة كلّها. حاولنا أن نساعده على التأقلم رويدًا رويدًا. خشينا أن يتدهور وضعه النفسي. طلبنا من أصدقائه أن يأتوا لزيارته وقضاء الوقت معه عندنا في المنزل. أكثر وقت كان يخاف فيه هي ساعات اللّيل وكان يخشى النوم وحده. ظلّ ينام في غرفتنا طيلة أكثر من سنة ونصف.
في السنتين الأخيرتين أراد كريم أن نعامله كما الكبار وكان يغضب كثيرًا عندما نعامله على أنّه طفل. يُستثار بسهولة ويردّ بعنف على إخوته وأخواته عندما يطلبون منه شيئًا. أحيانًا تصيبه نوبات عصبيّة يظلّ يغلي مدّة بضع دقائق وأحيانًا يضرب رأسه بالحائط. في مثل هذه الحالات نحن نحاول أن نحتوي غضبه ونهدّئه ونتحدث إليه كما نتحدّث مع شخص بالغ.
المصاب فادي نخلة البالغ من العمر 34 عامًا وهو سائق تاكسي ومتزوّج وأب لثلاثة - جُرح يوم 23.11.2013:
في 23.11.2013 نحو الساعة 17:00 وقعت مواجهات بين سكّان مخيّم الجلزّون والجنود قرب مدخل المخيم وفي داخله. في الساعة 17:30 عاد فادي نخلة (سائق تاكسي من سكّان المخيم وكان آنئذٍ في الثلاثين من عمره) إلى المخيّم ومعه ركّاب. نظرًا للمواجهات أنزل نخلة الركّاب وأوقف سيّارته في الجهة الغربية من المخيّم بعيدًا عن موقع المواجهات ثمّ تابع طريقه مشيًا إلى منزله. أطلق نحوه جنديّ كان في المنطقة النيران الحيّة وأصابه في ركبته اليمنى وقد حمله من المكان شبّان كانوا قريبين منه ونقلوه إلى مستوصف المخيّم حيث تلقّى الإسعاف الأولى ومن ثمّ نُقل في سيارة إسعاف إلى مستشفى في رام الله كانت قد اضطرّت إلى سلوك طريق التفافيّ.
في المستشفى تبيّن أن الرّصاصة أصابت عصبًا وشريانًا في الركبة وتسبّبت في كسر العظم كما تبيّن وجود شظايا في بطن نخلة - الذي رقد في المستشفى طيلة 12 يومًا أجريت له خلالها عملية لإخراج الشظايا وتجبير للكسر في رجله. منذ ذلك الحين وهو يعاني آلامًا في رجله ويلاقي صعوبة في الحركة كما أنّه اضطرّ إلى تقليص عمله بحيث ينقل المسافرين داخل المخيّم فقط.
الصورة
فادي نخلة. تصوير: بتسيلم, 27.2.18
في إفادة أدلى بها يوم 11.2.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، تحدّث عن حياته منذئذٍ:
بعد أن خرجت من المستشفى بقيت في الفراش مدّة أسبوع. كنت استعين بالآخرين لكي أذهب إلى المرحاض واستخدمت أيضًا كرسيًا متحركًا. احتجت الكرسي المتحرك لمدّة شهرين ثمّ استخدمت جهاز تنقّل (walker) لمدّة ثلاثة أشهر وانتقلت من بعدها إلى استخدام العكاكيز طيلة سنة ونصف - إلى أن تمكّنت من الدوس برجلي على الأرض. تسبّبت الإصابة برجلي اليمنى بقصر فيها وعرَج. غيّرت الإصابة حياتي كلّيًّا. في السنوات الثلاث الأولى لم أستطع العمل بتاتًا واضطرّ والدي إلى بيع التاكسي الذي كنت أعمله عليه. دعمني والدي وإخوتي ماليًّا كما أنّني تلقّيت مخصّصات من دائرة الجرحى الفلسطينيين بمبلغ 1200 شيكل شهريًّا. تحدّدت نسبة العجز عندي بـ40%. شعرت بأنّني عالة على الآخرين.
كنت أحلم بتوفير مبلغ كافٍ لشراء منزل خارج المخيّم وبدء حياة جديدة مع أسرتي لكنّ هذا الحلم تلاشى وانتهى أمره. المخصّصات التي أتلقّاها تكاد لا تكفي لشراء الأكل لأفراد أسرتي. فوق ذلك فطيلة سنة كاملة كنت أسافر ثلاث مرّات أسبوعيًّا للتأهيل في مركز أبو ريّا لطبّ العظام في رام الله. موّلت السلطة الفلسطينية العلاج ولكن ليس مصاريف السّفر ووضعي لم يكن يسمح باستخدام المواصلات العامّة، فكنت أضطرّ لطلب تاكسي خصوصي ودفع 30 شيكل في كلّ سفرة.
قبل سنة ونصف عدت للعمل كسائق تكسي لكن في داخل المخيّم فقط لأنّ هذا أسهل عليّ من السّياقة بين المدن حيث يحتاج الأمر مركبات ضخمة كـ"الترانزيت". أكسب في الشهر 1.500 شيكل بصعوبة يضاف إليها المخصّصات التي أتلقّاها من دائرة الجرحى الفلسطينيين. التنزّه في الخارج والخروج إلى المطاعم أو المتنزّهات أو السفر أصبحت أمورًا لا أستطيع حتّى التفكير فيها.
بسبب قعودي في المنزل لمدّة طويلة سوى الخروج للعلاج وبسبب حساسيّة رجلي، تولّد عندي خوف من إنشاء علاقة مع الناس. يكفي أن يمرّ بقربي أحد لأحسّ أنّه على وشك أن يدوس على رجلي وأحيانًا أبادر لدفعه بعيدًا عنّي. أحاول الامتناع عن ذلك ولكن الأمر ليس بيدي. أصبحت عصبيّ المزاج جدًّا وقليل الصّبر وأحيانًا أصرخ على زوجتي وأولادي أو إخوتي. في الماضي كنت أخطّط لنقل الأولاد من مدرسة المخيّم إلى مدرسة خاصّة في قرية جفنا المجاورة أمّا الآن فلا يمكنني ذلك. وفي الماضي كنت أشتري لهم ملابس جديدة كلّ شهرين أو ثلاثة وكنت أوفّر لهم كلّ ما يحتاجونه أمّا اليوم فأشتري لهم الملابس مرّتين في السنة في العيدَين بصعوبة. في فترة المعاناة بعد الإصابة كنت أرى والدي وأولادي يبكون لحالي. كان ذلك يؤلمني جدًّا. كل ما في الأمر أنّني كنت عائدًا من عملي عندما قرّر الجندي الإسرائيلي أن يطلق عليّ النار مسبّبًا لي كلّ هذه المعاناة والأضرار. لقد حطّم أحلامي وآمالي والتي كانت بسيطة مثل أحلام وآمال كلّ الناس في المخيّم: أن أشتري قطعة أرض خارج المخيّم أبني عليها منزلاً صغيرًا لي ولأسرتي. حلمت أن يرتاد أولادي مدارس خاصّة وأن تتاح لهم حياة مختلفة عن حياتنا الصعبة داخل مخيّمات اللّاجئين - نحن نعيش في معاناة وبؤس وتعاسة وفقر. كان أملي أن يعيشوا حياة سعيدة ومريحة مثل غيرهم من أطفال العالم.
المصاب جهاد مصري البالغ من العمر 24 عامًا - أصيب في 7.2.2014
في 7.2.2014 وقعت مواجهات قرب مدخل مخيّم الجلزّون للّاجئين احتجاجًا على مقتل محمد مبارك (كان يبغ من العمر 20عامًا وهو من سكّان المخيّم) الذي أطلق الجنود النار عليه يوم 29.1.2014 قرب عين سينيا شماليّ المخيّم. أشعل السكّان خلال المواجهات إطارات وأغلقوا الشارع فيما أطلق عليهم الجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود النيران الحيّة وقنابل الغاز المسيل للدّموع من مسافة لا تتجاوز بضعة عشرات من الأمتار. في خضمّ الأحداث أصيب من سكّان المخيّم جهاد مصري (وكان يبلغ 20 عامًا آنئذٍ) في خاصرته بنيران أطلقها أحد عناصر شرطة حرس الحدود. نُقل مصري إلى المستشفى وهناك تبيّن أنّ الرّصاصة مزّقت أمعاءه وأعصاب رجله اليسرى وأنّه يعاني نزيفًا داخليًّا. رقد مصري في المستشفى طيلة أسبوعين وأجريت له خلالها عمليّة جراحية. وقد واصل في منزله تلقّي العلاج بالمسكّنات وأدوية لمعالجة الجهاز الهضمي وفي هذه الأثناء كان يعود إلى المستشفى لمتابعة الفحوصات الطبّية.
في 7.4.2014 جاء جنود إلى منزل مصري وكبّلوه واقتادوه إلى مركز توقيف "بيت إيل". وحين جُلب للتحقيق لدى جهاز الأمن العامّ الإسرائيلي (الشاباك) وجّه إليه المحقّقون تهمة رشق الحجار ومن ثمّ جرى نقله إلى سجن "عوفر" ومن هناك إلى عيادة مستشفى سجن الرملة حيث رقد مكبّلاً بالسرير. أمضى مصري يومين في العيادة ثمّ أعيد إلى سجن "عوفر" حيث جرى احتجازه طيلة ثلاثة أشهر ونصف وأخلي سبيله ضمن صفقة ادّعاء. :
في إفادة من يوم 13.2.2018 قال
الصورة
جهاد مصري. تصوير: بتسيلم, 21.2.18
عندما كنت في السجن اهتمّ بي بقيّة السجناء بسبب وضعي الصحّي. المعاناة الأكبر كانت عند نقلي في "البوسطة" وهي السيارة التي يجلبون فيها السجناء إلى المحكمة. كانوا يأخذوننا مرّة في الأسبوع تقريبًا حيث نخرج في الساعة 4:00 أو 5:00 فجرًا مكبّلي الأيدي والأرجل في حافلة ملأى بالسجناء إلى معبر الرّملة. هناك كانوا يحتجزوننا طيلة النهار داخل غرفة انتظار صغيرة قذرة ومقرفة ورائحتها كريهة لا تتعدّى مساحتها بضعة أمتار، أشبه بزنزانة. المرحاض موجود داخل الغرفة وهو قذر ورائحته الكريهة تعبق في المكان. أحيانًا كانوا يدخلون إلى هذه الغرفة حتّى ثمانية أسرى بحيث كنّا نعثر بصعوبة على فرشة نستلقي عليها.
كذلك داخل السجن مرّت عليّ أيّام صعبة خاصّة لأنّ جرحي كان ما يزال جديدًا. عندما كنت أطلب من طبيب السجن أن يعطيني دواء كان يعطيني فقط "أكامول" (مسكّن أوجاع) أو ينصحني بشرب الماء. في النهاية توقّفت عن التوجّه إليه. كذلك الطعام كان عذابًا بالنسبة إليّ. كنت بحاجة إلى طعام صحّي وحيث لا يوجد في السجن شيء كهذا كنت أتناول أطعمة أكثر صحّية أشتريها من "الكنتين" مثل الحليب والتونا والفواكه وأنواع من الحساء.
قبل إصابتي كنت رياضيًّا أرفع الأثقال وأشارك في مسابقات ضمن النادي الرياضي في مخيّم الجلزّون. وقد فزت أيضًا بكؤوس وميداليات - كانت هذه من أفضل أيّام حياتي. هذا كلّه فقدته بعد الإصابة. كان وزني 105كغم وهبط بعد الإصابة إلى 73 كغم. الشعور بالخدر في فخذي الأيسر يقيّد حركتي ويصعّب عليّ المشي لمسافات طويلة. في السابق كنت أحبّ النّزهات ولكنّي اليوم لا أجرؤ على المشي لمسافة أكثر من 200 أو 300 متر من بعدها تشتدّ أوجاعي فأعرُج. أمّا عن الرّكض فلا حاجة للكلام. أكثر ما أشتاق له اليوم رفع الأثقال لكنّي لا أحسّ أنّ هناك احتمال للعودة إلى ممارسته كما في السابق. كان حلمي أن أفوز ببطولة ولم يتبقّ من هذا الحلم شيء.
الصورة
جهاد مصري قبل إصابته. الصورة قدّمتها العائلة مشكورة
عليّ أن أجد عملاً مناسبًا لوضعي بحيث لا يحتاج جهدًا كبيرًا فهذا يؤثر على صحّتي. لهذا السبب لم أستطع العودة إلى العمل في سوبرماركت والدي على سبيل المثال لأنّه عمل يتطلّب حركة كثيرة ووقوفًا مستمرًّا ورفع أغراض ثقيلة - وكلّها أمور لا يمكنني القيام بها. في الوقت الحالي وحيث أنّ الوضع المادّي لعائلتي جيّد أتلقّى الدعم من والدي بل هو كلّما رآني أبحث عن عمل قال لي "استرحْ حاليًّا فأنت الآن لست بحاجة" لكنّي لا أستطيع. أنا أريد أن أكون مثل بقيّة البشر أن أعمل وأن أبني مستقبلي وأقيم أسرَة. لذلك لم أوقف البحث عن عمل. قبل ثلاثة أشهر وجدت عملاً في وكالة لبيع السيّارات في رام الله. إنّه عمل مكتبيّ يتضمّن إنشاء العلاقات مع الزبائن ولا يحتاج جهدًا جسديًّا كبيرًا. صاحب الوكالة إنسان متفهّم لوضعي ولا يطلب منّي القيام بأعمال تفوق قدرتي. الرّاتب لا يكفي لشيء بصعوبة يكفي لمصاريف السفر والسجائر وساندويش أشتريه وأنا في العمل. امّا لو فكّرت بالزواج وإقامة أسرة أو بتحقيق جزء من أحلامي - مثل شراء سيّارة وبناء أو شراء منزل فلا يوجد احتمال لحدوث ذلك مع مثل هذا الرّاتب - 2.000 شيكل في الشهر. لولا أنّي أتلقّى الدعم المالي من والدي لكنت الآن غارقًا في الدّيون. أنا متوتّر وقلق طيلة الوقت ومُحبَط وأحسّ أنّ الأفق مسدود أمامي فوضعي لا يبشّر باحتمالات لتحسّن جسديّ أو نفسيّ.
المصاب مالك غوانمة البالغ من العمر 19 عامًا - أصيب في 13.3.2015:
في 13.3.2015 نحو الساعة 13:00 جرت مظاهرة قرب مدخل مخيّم الجلزّون للّاجئين احتجاجًا على بناء جدار على امتداد الحدّ الغربيّ لمستوطنة "بيت إيل" المجاورة. خلال المظاهرة رشق بعض الشبّان الجنود بالحجارة بواسطة المقاليع فأطلق هؤلاء بدورهم قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع والرّصاص "المطّاطي" نحوهم فأصيب بنيرانهم مالك غوانمة (كان يبلغ 17 عامًا آنئذٍ) في رجله اليمنى حين كان قرب مفرق جنوبيّ المخيّم. نُقل المصاب إلى المستشفى حيث رقد أسبوعًا أجريت له خلاله عملية جراحيّة. خرج غوانمة إلى منزله ورجله مثبّتة بالبلاتين وملفوفة بالجبس لكنّ وضعه تدهور لاحقًا وأجريت له عمليّتان إضافيّتان.
الصورة
مالك غوانمة. تصوير: بتسيلم, 21.2.18
في إفادة أدلى بها يوم 2.1.2018 أدلى بما يلي:
أنا قابع في البيت منذ الإصابة لا أقدر على العمل كما في السابق ولا على التحرّك بحرّية. ما زلت أحتاج العكاكيز من حين لحين.
قبل الإصابة كنت أحبّ اللّعب على لوح التزلّج (skateboard) واللّعب مع أصحابي حيث كنّا نخرج للبريّة ونصطاد العصافير بواسطة الشباك لكنّي لا أستطيع اليوم أن أفعل شيئًا من هذا. وكانت لديّ رغبة في العمل وتوفير المال لأجل بناء منزل لي وإيجاد شريكة لحياتي وإقامة أسرة كما يفعل كلّ شابّ وجميع الناس وأيضًا لا أستطيع اليوم تحقيق شيء من هذه الأمور. أنا بصعوبة أتمكّن من التجوّل في الحيّ والوصول إلى دكّان البقالة. لا يوجد في المخيّم مركز تأهيل أو مكان يمكن تعلّم مهارات جديدة واكتساب مؤهّلات بديلة. الوصول إلى رام الله صعب ومُكلف وأبي يعيلنا بصعوبة. في البرد تؤلمني رجلي كثيرًا ويصيبني فيها خدر وعليه لا أستطيع الخروج في البرد بتاتًا.
قبل نصف سنة تقريبًا وجدت عملاً بتنظيف العمارات في مدينة روابي غير أنّي عملت هناك مدّة عشرين يومًا ثمّ اضطررت إلى ترك العمل بسبب تقلّصات كانت تنتابني في رجلي وأحيانًا كنت أقع بسببها. كنت أستريح لوقت قصير ثمّ أعود للعمل ولكن التقلّصات كانت تستمرّ لساعات فأضطرّ إلى العودة إلى المنزل. تجاهل صاحب العمل الموضوع بضع مرّات ولكن حين تكرّر الأمر يوميًّا أصبح من الصعب عليه القبول بذلك. الآن أنا أجلس في البيت وأعاني الملل والتعب. أنغلق على نفسي وأردّ بعصبيّة على إخوتي وأخواتي وأحيانًا على أبي وأمّي حتّى. بسبب توتّر الأجواء في البيت جرّاء تصرّفاتي يشجّعني والداي على الخروج من المنزل والتجوّل قليلاً في الخارج.
قبل شهرين وجدت عملاً جديدًا في شركة البينار لمنتجات الألبان في رام الله وأيضًا في هذه المرّة لم أنجح بسبب الأوجاع والتقلّصات واضطررت لترك العمل. أنا الآن عاطل عن العمل مجدّدًا. لا يوجد مكان أذهب إليه لقضاء الوقت. يوجد في المخيّم مقهى إنترنت وفيه ألعاب إلكترونيّة. ألله وحده يعلم ما الذي سيحصل معي.
المصاب إبراهيم أبو عوقة البالغ من العمر 25 عامًا - أصيب في 8.5.2015:
في 8.5.2015 نحو الساعة 14:00 وقعت مواجهات قرب المدارس خارج المخيّم بين بضعة عشرات من السكّان الذين رشقوا الحجارة وبين جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود. أصيب إبراهيم أبو عوقة وهو من سكّان المخيّم (كان يبغ 22 عامًا أنئذٍ) في رقبته بالرصاص المطاطي أطلقه نحوه جنديّ. على أثر ذلك حمله بعض الشبّان إلى سيّارة إسعاف لاقتهم خارج المخيّم ونقلته إلى مستشفًى في رام الله. رقد أبو عوقة في المستشفى مدّة أسبوع أجريت له خلاله عمليّة جراحية لكنّ الأطبّاء حذّروه أنّ عليه الامتناع عن العمل الذي يتطلّب جهدًا لأنّ هذا قد يمزّق شرايين وأوتار رقبته. ف
ي إفادة أدلى بها يوم 8.2.2018 قال:
الصورة
إبراهيم أبو عوقة. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم
بعد خروجي من المستشفى بقيت في البيت ولم أقدر على العمل رغم أنّ مهمّة إعالة أسرتنا كانت ملقاة عليّ. نحن ثمانية أنفار ولا أحد يعمل غيري. قبل إصابتي كنت أعمل بالبناء وأعمالًا صعبة أخرى. شعرت أنّني سجين في المنزل ولم أستطع تحمّل ذلك. من حسن حظّي أنّ أصدقائي كانوا يُخرجونني من حين لآخر لقضاء الوقت.
أحيانًا حين أبذل جهدًا أحسّ أنّ القطب الداخليّة تشتدّ وتؤلمني. أكثر ما أخافه أن تنفكّ القطب ويحصل لي سوء. لقد اختفت الأوجاع ولكنّي أعاني نفسيًّا منذ الإصابة. عندما أتحدّث مع الناس أحاول أن أزيح رأسي بحيث لا يلاحظوا التشوّه في رقبتي. أنا شابّ في مقتبل العمر وأريد أن أجد شريكة لحياتي وأتزوّج مثل كلّ الشبان. الإصابة والندوب تؤثّر على ثقتي بنفسي ولكنّي مع ذلك آمل أن أنجح في إيجاد زوجة. وددت لو أجري عمليّة تجميل لكنّ الأطبّاء قالوا لي إنّ هذا يكلّف آلاف الدولارات وأنا مدخولي محدود جدًّا. من أين سأحصل على مثل هذه المبالغ؟ أحاول عدم التفكير في ذلك.
فقط قبل أربعة أشهر عدت للعمل. وجدت عملاً كمساعد في حانوت ملابس لكنّي أتقاضى راتبًا بقيمة 1.800 شيكل في الشهر وهذا يكاد لا يكفي لشيء ولكنّي لا أملك بدائل فأنا لا أستطيع العودة لعمل يتطلّب جهدًا كما في السابق كالعمل في البناء مثلاً.
يُبيِّن التقرير الأكثر شمولية الذي يصدر عن بتسيلم حتى الآن، حول السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن إسرائيل تشغّل بصورة متزامنة خمسَ آلياتٍ تعزّز إحداها الأخرى، بغية تفكيك الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، بهدف ترسيخ وجود وسيادة يهوديّين- إسرائيليّين دائمين ومتواصلين فيه.منذ نهاية العام 2022، ومنذ تشرين الأول 2023 بصورة أخصّ وأشدّ، بدأت مرحلة جديدة في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقد صعّدت إسرائيل بشكل متطرف سياسةً ممتدة منذ سنوات طويلة تقوم على السيطرة والعنف والسلب وأخذت تطبّقها بصورة علنية واضحة، أكثر عنفًا وأسرع وتيرةً. كما تجري مأسسة هذه الخطوات بدرجة متزايدة، في إطار السياسة الحكومية وممارساتها.في أوج هذا التصعيد اليومي، تنشر بتسيلم تقرير "مشروع المَحْو"، الذي يزيد عدد صفحاته عن 200 صفحة ويستند إلى تحليل نحو 2,000 إفادة أدلى بها فلسطينيون من الضفة الغربية، وإلى عمل ميداني إضافي وإلى عقود من التوثيق. يتتبع التقرير التسارع والتوسع اللذين حصلا خلال السنوات الأخيرة في السياسات والممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ سنوات عديدة."ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة"، كما قالت المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك. "يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معًا لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع".هكذا يعمل مشروع المحويحدّد التقرير خمس آليات مترابطة تدفع إسرائيل بواسطتها هذا المشروع قدمًا في أنحاء الضفة الغربية:العنف وبثّ الرعب: تستخدم إسرائيل قوات الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة لبث الرعب وفرض العنف والإكراه. منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى 31 آب 2026، قتلت إسرائيل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلًا.التطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز: تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية وهدم المنازل وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودي في هذه المناطق. حتى اليوم هجّرت إسرائيل 75 تجمّعًا فلسطينيًا واستولت البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية. كما هجّرت إسرائيل قسرًا نحو 33,000 فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.تقييد الحركة والتنقّل: تجزّئ إسرائيل الحيّز الفلسطيني بواسطة الحواجز والبوابات وسَدّات الطرق. حتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نحو 925 عائقًا للحركة في أنحاء الضفة الغربية.الخنق الاقتصادي: تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها. فقد ارتفعت نسبة البطالة من 13,1% في العام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024، في ظل الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل في إسرائيل واحتجاز مبالغ متزايدة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.التدمير الاجتماعي والسياسي: تجرّم إسرائيل محاولات التنظُّم السياسي وتقتحم مكاتب منظمات المجتمع المدني وتحظر نشاطها، وتقمع الاحتجاجات وتعتقل الناشطين والطلاب والصحفيين. منذ تشرين الأول 2023، اعتقلت إسرائيل ما لا يقل عن 60 صحفيًا فلسطينيًا من الضفة الغربية.الإطار السياسي: يحدد التقرير "خطة الحسم" التي وضعها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 بوصفها وثيقة أساسية لفهم التصعيد الراهن. وتسعى الاستراتيجية الواردة فيها، المسماة "الحسم بواسطة الاستيطان"، إلى جعل السيادة اليهودية أمرًا لا رجعة فيه، من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين، بحيث لا يتبقى أمام الفلسطينيين سوى ثلاثة خيارات: الخضوع أمام الفوقية اليهودية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسميًا قطّ بوصفها سياسة حكومية، إلا أن سموتريتش يتولى اليوم صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، وتتجلى بعض المبادئ المركزية في المنطق الذي تقوم عليه الخطة في سياسات الدولة وممارساتها، بصورة متزايدة باستمرار.مشروع ممتد منذ عقود: بدأ مشروع المحو قبل سنوات عديدة من خطة سموتريتش من العام 2017 ومن تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها. ترى بتسيلم أن الهجوم الإسرائيلي الراهن على حياة الفلسطينيين هو جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، يُنفَّذ بواسطة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، تجسّد هذا المنطق في أشدّ صوره تطرفًا، في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل؛ أما في الضفة الغربية، فقد سرّعت الحكومة الحالية تنفيذ المشروع وجعلت آلياته أكثر وضوحًا.المسؤولية الدولية: تدعو بتسيلم الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التوقف عن التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بوصفها أحداثًا منفصلة، ثم التوقف عن إتاحة المجال لها وتمكينها من مواصلة جرائمها، وحماية الفلسطينيين والعمل على إنهاء نظام الأبارتهايد والحكم العسكري الإسرائيليين. ذلك أن المستقبل العادل يستوجب نظامًا سياسيًا يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لجميع البشر الذين يعيشون في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الإحقاق الكامل للحقوق الفردية والجماعية وضمان المشاركة السياسية المتساوية.تقول المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك: "يظل الفلسطينيون عرضة لعنف آخذ في التصاعد، بينما تمضي إسرائيل قدمًا في مشروع المحو الذي تنفّذه في الضفة الغربية. لا يمكن للحكومات أن تدين هذه الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنح إسرائيل حصانة تتيح لها مواصلة ارتكابها. ويتعين عليها، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي، من أجل وقف جرائم إسرائيل وتعطيل منظومة العنف والهدم التي تفكك الحياة الفلسطينية".التقرير الكامل، الملخص، الخرائط والرسوم البيانية متاحة لوسائل الإعلام، مع حظر النشر حتى الموعد المحدد.
منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.
في غضون ستّة أشهر، بين مطلع كانون الأوّل 2025 ومطلع حزيران 2026، قتلت قوّات إسرائيليّة في الضفّة الغربيّة تسعة أشخاص – من بينهم طفلان في الخامسة والسادسة من عمرهما، وطفل رضيع عمره سبعة أشهر – في خمسة أحداث منفصلة أطلقت فيها النار، دون تحذير مسبق، نحو سيّارات كان يستقلّها فلسطينيّون في مناطق سكناهم، رغم أنّهم لم يشكّلوا أيّ خطر. في جميع الأحداث شرعت القوّات بإطلاق النار على المركبات بعد أنْ أبطأت سرعتها تمهيدًا للتوقّف، وفي حالتين اثنتين فرمل السائقان بمبادرة منهما، بعدما شعرا بالذعر حين لاحظا وجود القوّات في المكان، رغم أنّ القوّات لم تأمرهما بالتوقّف. وفي حادثين آخرين، لم يكن السائقان على علم إطلاقًا بوجود القوّات قبل شروعها بإطلاق النار عليهما. من جميع الحالات الخمس التي حقّقت فيها بتسيلم، يتّضح نمط واحد متكرّر: استخدام النيران القاتلة نحو مركبات يستقلّها مدنيّون، حتّى عندما لا يشكّلون أيّ خطر على القوّات.ثلاث من هذه المركبات كانت تستقلّها عائلات مع أطفالها.في أحد هذه الأحداث، في 10.1.26 – أطلق جنديّ النار على سيّارة كان يقودها شاكر الجعبري (58 عامًا) ومعه فيها ابنته وأطفالها الأربعة، الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و11 عامًا. كانت السيّارة تسير في طلعة الشارع، وخفّف شاكر السّرعة بالضغط على الفرامل بقوّة عندما لاحظ فجأةً وجود جنود راجلين في طلعة الشارع الذي أمامه. فور ذلك، أطلق أحد الجنود ثلاث رصاصات نحو السيّارة – من مسافة أمتار معدودة. أصيب شاكر في جبينه ومات على الفور.وفي حادثة أخرى وقعت في 15.3.26، في بلدة طمّون، أطلق مستعربو شرطة حرس الحدود نيرانًا كثيفة، من مسافة نحو 10 أمتار، نحو سيّارة أُسرة كان يستقلّها زوجان وأولادهما الأربعة الصّغار، الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و11 عامًا. أسفر إطلاق النار عن مقتل الوالدين، وعد وعلي بني عودة، واثنين من أطفالهما، عثمان (6 سنوات) ومحمّد (5 سنوات). فيما أُصيب الطفلان الآخران، خالد (11 عامًا) ومصطفى (8 سنوات)، بجروح طفيفة. جرى إطلاق النار فور خروج السيّارة، التي كانت تسير ببطء، من منعطف في أحد شوارع البلدة. لم يطلب أفراد القوّة من الأب، الذي كان يقود السيّارة، التوقّف، بل إنّ أفراد العائلة لم يلاحظوا وجودهم بتاتًا حتّى اللحظة التي أطلِقت فيها النار نحوهم، ولم يكونوا على علم بوجودهم في المنطقة.وفي الحادثة الثالثة، التي وقعت في يوم 5.6.26، في الخليل، أطلق جنديّ النار على سيّارة كان يستقلّها طفلان، دانية سلامة-أبو هيكل وزوجها فهد أبو هيكل، ومعهما طفلهما الرضيع سام البالغ من العمر سبعة أشهر، وأخوه كنان (12 عامًا)، وجدّة الولدين، فريال أبو هيكل (80 عامًا). وعلى نحو شبيه بالحادثة السابقة في الخليل، تمّ تنفيذ إطلاق النار هنا أيضًا عندما أبطأت السيّارة سرعتها وكانت على وشك التوقّف. ورغم ذلك، أطلق أحد الجنود النار نحوها، من مسافة نحو 20 مترًا، وقتلَ الطفل الرضيع.في الحالات الثلاث جميعها، جرى إطلاق النار من مسافة قصيرة كان يمكن منها رؤية المسافرين في السيّارات، وهو ما يدلّ على أنّ وجود الأطفال الواضح فيها لم يمنع إطلاق النار، ويؤكّد على الهوّة الشاسعة بين ملابسات الأحداث وبين مزاعم الجيش الروتينيّة بشأن وجود خطر فوريّ يهدّد الجنود. في أعقاب مقتل أفراد العائلة في طمّون، سارع المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ والشرطة إلى نشر ادّعاء كاذب يزعم أنّ السيّارة زادت سرعتها باتّجاه القوّات، التي شعرت بالخطر وشرعت في إطلاق النار. غير أنّ إطلاق النار جرى نحو سيّارة مدنيّة كانت تستقلّها عائلة مع أطفال صغار في طريق عودتها من التسوّق في نابلس.وأصدر الجيش بلاغًا مشابهًا أيضًا بعد مقتل الطفل الرضيع أبو هيكل في الخليل، وزعم فيه أنّ القوّات "شعرت بأنّ سيّارة اندفعت بسرعة نحوها". ورغم أنّ موت أبو هيكل أقرّ منذ قرابة الساعة 22:00 من ذلك المساء، إلّا أنّ بلاغ الجيش، الذي صدر بعد نحو ساعة ونصف الساعة من ذلك، ادّعى أنّ "ثلاثة فلسطينيّين أصيبوا وتمّ إخلاؤهم لتلقّي العلاج الطبّيّ"، دون أن يتطرّق إلى الإصابة القاتلة التي تعرّض لها الطفل الرضيع. مع ذلك، اعترف الجيش في بلاغه بأنّه "تبيّن من التحقيق الأوّليّ أنّهم من غير الضالعين". وفي 7.6.26، بعد يومين من هذه الحادثة، أفيد بأنّ الجيش قرّر فتح تحقيق في الحادثة. ووفقًا لخبر نُشر في شبكة CNN، أفاد سكّان وأصحاب مصالح تجاريّة في المنطقة بأنّ الجيش عاد لاحقًا إلى موقع الحادثة وصادر تسجيلات كاميرات المراقبة في المنطقة. وفي حين أنّ الإعلان عن فتح تحقيق يشير، ظاهريًّا، إلى محاولة للوصول إلى الحقيقة، إلّا أنّ تجربة بتسيلم تبيّن أنّ مصادرة توثيق المساس بالفلسطينيّين لا تهدف عمومًا إلى دفع التحقيق قدمًا، بل إلى التستّر عليه وإخفاء الأدلّة، وأنّ مآل مثل هذه التحقيقات هو أن تُغلق في الغالب دون أيّ نتيجة. وفي 11.8.26، رفضت شرطة التحقيقات العسكريّة تزويد صحيفة هآرتس بمعلومات حول ما إذا كان الجنديّ الذي أطلق النار قد خضع للتحقيق. وفيما يتعلّق بقتل أبناء عائلة بني عودة، أفيد في صحيفة "هآرتس"، في 11.8.26، أنّ وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحش) لم تستدعِ للتحقيق أيًّا من أفراد الشرطة الذين أطلقوا النار عليهم وقتلوهم، وأنّ التحقيق في الموضوع من المتوقّع أن يُغلق.إنّ الحالات الثلاث التي تعرّضت فيها عائلات مع أطفالها للنيران القاتلة ليست حالات استثنائيّة. ففي كانون الأوّل 2025، وثّقت بتسيلم حادثتين أخرييْن أطلق فيهما جنود النار على مركبتين لم يُشكِّل ركّابهما أيّ خطر. ففي 6.12.2025، في الخليل، أطلق جنود النار وقتلوا أحمد رجبي (17 عامًا) بعد أن أوقف سيّارته امتثالًا لأوامرهم، ولاحقًا، بعد أن أصيب بالذعر من جرّاء إطلاق النار وضغط مجدّدًا على دَوّاسة الوقود، اصطدم بأحد الجنود بشكل طفيف. وخلال إطلاق النار المتواصل قُتل أيضًا زياد أبو داود (56 عامًا)، وهو عامل نظافة تواجد في مكان الحادثة في إطار تأدية وظيفته.وفي 28.12.25، بمحاذاة عينبوس في محافظة نابلس، أطلق جنود النار على سيّارة كان يستقلّها أربعة شبّان بعد أن أبطأت سرعتها وهمّت بالتوقّف. وأسفر إطلاق النار عن مقتل قيس علّان (20 عامًا)، وإصابة أصدقائه الثلاثة.إنّ هذه الظاهرة، المتمثّلة في إطلاق النيران القاتلة على سيّارات يستقلّها مدنيّون، ليست ظاهرة جديدة. فمنذ مطلع عام 1994 نشرت بتسيلم تقريرًا يتناول هذه الظاهرة بتوسُّع. والآن، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال إطلاق النار هذا يحصد أرواح الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة: ففي الفترة الواقعة بين 7.10.23 و 31.8.26، وثّقت بتسيلم مقتل 29 شخصًا بنيران القوّات الإسرائيليّة التي استهدفت مركبات في الضفّة الغربيّة. ولم يُشكّل 22 منهم على الأقلّ، أي نحو 75% من مجمل القتلى، أيّ خطر على القوّات أو على مدنيّين إسرائيليّين. وفي الحالات السبع المتبقّية، لم يكن في الإمكان التحديد، بناءً على المعلومات التي جمعتها بتسيلم، ما إذا كان القتلى قد عرّضوا القوّات للخطر بأيّ شكل من الأشكال. ففي بعض الحالات لم يكن هناك شهود عيان على إطلاق النار، بينما خشي شهود العيان، في حالات أخرى، الإدلاء بمعلوماتهم. وتضاف إلى ذلك حقيقة أنّ السلطات الإسرائيليّة امتنعت، في حالات كثيرة منذ بداية الحرب، عن نشر بيانات تتعلّق بحالات القتل في الضفّة الغربيّة، وبالتالي فإنّ موقفها الرسميّ من هذه الأحداث غير متوفّر.في 14 من هذه الحالات، ادّعى الجيش أو الشرطة أو "الشاباك" أنّ القتلى عرّضوا القوّات للخطر؛ حيث زُعم بشأن 13 حالة منها أنّهم حاولوا دهس القوّات التي كانت في الموقع. وقد دحضت تحقيقات بتسيلم هذا الادّعاء بشأن عشرة من القتلى، في حين لم يكن بالإمكان الحسم في الحالات الثلاث المتبقّية، بناءً على المعلومات التي جُمعتْ، ما إذا كانت هناك بالفعل محاولة دهس. وفي الحالة الإضافيّة، ادّعت الشرطة أنّ القتيل كان مسلّحًا، ولكن لم يكن بالإمكان أيضًا تأكيد هذا الادّعاء أو نفيه بناءً على المعلومات التي جمعتْها بتسيلم.وسقط أربعة قتلى آخرين من المارّة الذين أطلقت القوّات الإسرائيليّة النار عليهم وأردتهم قتلى، في أعقاب محاولات قام بها أشخاص آخرون، كانوا على مقربة منهم، لاستهداف تلك القوّات. وكان من بين هؤلاء الطفلة رقيّة جهالين (4 سنوات)، التي كانت تستقلّ سيّارة أجرة مع عائلتها وقُتلت بنيران أفراد شرطة حرس الحدود، بعد أن حاولت مركبة يستقلّها زوجان فلسطينيان دهس شرطية عند حاجز قريب. وقُتل شخص آخر بنيران جنود كانوا ينصبون كمينًا بعد أن ألقى عدد من السكّان زجاجات حارقة باتّجاههم على شارع 55، كما أُطلقت النار على شخص آخر وأُردي قتيلًا عندما حاول النزول من مركبة لإخلاء صديقه، الذي أطلقت النار عليه بعد إلقائه عبوة ناسفة محليّة الصنع نحو قاعدة عسكريّة. وقُتل شخص آخر كان موجودًا في الشارع من جرّاء إطلاق نار كثيف صُوِّب نحو سائق مركبة كان على مقربة منه. وادّعت القوّات أنّ السائق حاول دهسهم، غير أنّ تحقيق بتسيلم دحض هذا الادّعاء.وقُتل شخص آخر برصاص الجنود بعد أن لم تتوقّف السيّارة التي كان يستقلّها برفقة شخص آخر عند حاجز فجائيّ. كما قُتل شخص آخر عندما كان يستقلّ سيّارة مسروقة برفقة شخص آخر، وذلك أثناء مطاردة، تخلّلها إطلاق نار، نفّذتها قوّات إسرائيليّة ضدّهما.وقُتل شخصان آخران، كانا ناشطين في تنظيم الجهاد الإسلاميّ، داخل سيّارتهما، وكانا مسلّحين، وذلك خلال مواجهات دارت بين فلسطينيّين وقوّات إسرائيليّة في مخيّم جنين للاجئين. من غير المعلوم ما إذا كان الاثنان قد شاركا في المواجهات التي قُتِل فيها 15 شخصًا آخر، من بينهم خمسة قاصرين.في الحالات السبع المتبقّية، والتي لم تصدر بشأنها أيّ بيانات رسميّة، يتبيّن من تحقيق بتسيلم الميدانيّ أنّ إطلاق النار لم يحدث على خلفيّة مواجهات، أو مطاردة، أو محاولة من قِبل أيّ شخص آخر للمسّ بالقوّات، كما لم يزعم أيّ مصدر رسميّ بأنّ القتلى قد شكّلوا أيّ خطر.فيما يلي التحقيق الميدانيّ في الحالتين الأخيرتين، في الخليل وطمّون:مقتل علي ووعد بني عودة وطفليهما عثمان ومحمّد، البالغين من العمر ستّة و خمسة أعوام، طمّون، 15.3.26:في مساء السبت، 14.3.2026، قبيل نهاية شهر رمضان، اقتحمت قوّات كبيرة من الجنود ومستعربي شرطة حرس الحدود عدّة منازل في بلدة طمّون.خلال الاقتحام، كان أفراد عائلة بني عودة الستّة، الوالدان وأطفالهما الأربعة، عائدين إلى البلدة بعد قضاء الوقت والتسوّق بمناسبة عيد الفطر في مدينة نابلس. وكان أفراد العائلة، الذين كانوا في طريقهم إلى منزلهم، يستقلّون سيارتهم ويسيرون ببطء. وعند خروجهم من منعطف في الشارع، فتح مستعربو شرطة حرس الحدود النار الحيّة على السيارة عن بعد نحو 10 أمتار، وقتلوا الوالدين علي (38 عامًا) ووعد (36 عامًا) بني عودة، واثنين من أطفالهما: عثمان (6 سنوات)، والذي كان كفيفًا، ومحمّد (5 سنوات). وكما ذُكر أعلاه، فإن الأب، الذي كان يقود السيارة، لم يَطلب منه المستعربون التوقّف، بل إنّ أفراد العائلة لم يلاحظوا وجود القوّات بتاتًا حتّى لحظة إطلاق النار عليهم، ولم يكونوا على علم بوجود القوّات في المنطقة.نجا طفلاهما الآخران من هذا الاعتداء، وروى خالد (11 عامًا)، الذي انحنى ونجا من الرصاص، أنّه فور توقّف إطلاق النار، قام المستعربون بسحبه وإخراجه هو وشقيقه مصطفى (8 سنوات) من السيّارة. ووفقًا لأقواله، فقد حقّقوا معه بعنف، وصفعوه على وجهه، واعتدوا عليه بالضرب، وأصرّوا على أنّه يمان بني عودة – فتى كانت القوّات تبحث عنه في تلك الليلة.وفي وقت لاحق من تلك الليلة، اعتقلت القوات يمان بني عودة (15 عامًا) في منزله، بعد أن فتشت المنزل واعتدت بالضرب على بنات عائلته. وصحيحٌ حتى منتصف آب 2026، فهو لا يزال قيد الاعتقال الإداري.جمع باحث بتسيلم الميدانيّ، عارف دراغمة، إفادات من بعض أفراد عائلة بني عودة ومن سكّان المنزلين اللذين داهمهما الجنود في تلك الليلة:خالد بني عودة (11 عامًا) الذي نجا هو وأخوه مصطفى (8 أعوام) من إطلاق النار القاتل، حدّث في 16.3.26:أنا أسكن في بلدة طمّون مع عائلتي – والديّ، وأخوتي الثلاثة. كان والدي يعمل في داخل إسرائيل منذ سنوات، وكان يأتي لزيارتنا من حين إلى آخر.في الأشهُر الثلاثة الماضية لم يأتِ أبي إلينا بسبب العمل، لكنّه كان يتّصل بنا كلّ يوم كي يطمئنّ علينا. قبيل انتهاء شهر رمضان اتّصلنا به، فأخبرنا أنّه سيأتي بعد يوم أو يومين. أخيرًا، جاء أبي في يوم الجمعة، 13.3.26، نحو السّاعة 20:00، بعد الإفطار. فرحنا جدًّا وتشوّقنا كثيرًا – أنا وإخوتي ووالدتي انتظرناه خارج المنزل لكي نراه قادمًا، لأنّنا لم نره منذ أشهُر. كنّا متلهّفين إلى التسوّق معًا للعيد ولقضاء الأسبوع الأخير من رمضان سويّة.كان لقاؤنا عبارة عن لحظات ملؤها الفرح والسّعادة. عانقناه ودخلنا جميعًا إلى المنزل. جدّي وجدّتي أيضًا كانا في انتظاره، فهُما يحبّانه كثيرًا، وهو أيضًا يهتمّ بهما دائمًا ويلبّي احتياجاتهما. أمضينا معًا يومي السّبت والأحد في أجواء بهيجة، وقد أعدّت أمّي وليمة إفطار تناولناها معًا.في يوم الأحد، 15.3.26، نحو السّاعة 23:00 ليلًا، وبعد أن أدّينا صلاة التراويح في مسجد القرية، قرّرنا - أنا وأبي وإخوتي -السّفر إلى نابلس لكي نتسوّق مُشتريات العيد. ركبنا سيّارتنا أنا وأمّي وجميع إخوتي، وكنّا فرحين جدًّا لأنّ أبي مُوجود معنا وسيبقى معنا خلال أيّام العيد.عندما وصلنا إلى نابلس توجّهنا إلى "سيتي مول" – المجمّع التجاريّ الجديد الذي افتُتح هُناك. أمضينا هُناك بعض الوقت، ثمّ تناولنا الطعام وتجوّلنا في أنحاء المدينة بالسيّارة. أردنا أن نشتري ملابس أيضًا لكنّ السّاعة كانت 1:00 بعد منتصف اللّيل، فقرّرنا أن نعود إلى المنزل لأنّ الوقت قد تأخّر كثيرًا. اتّفقتُ مع والدي أن نعود في اليوم التالي لشراء ملابس العيد. رضيتُ بذلك لأنّني لم أشأ أن أثقل على أبي خاصّة وأنّه يعمل بعيدًا عنّا، في إسرائيل.خرجنا من نابلس عائدين إلى منزلنا في طمّون. كان سفرُنا سويّة مُمتعًا. جميعنا تبادلنا أطراف الحديث وضحكنا معًا. نحو السّاعة 1:30 ليلًا دخلنا إلى طمّون عبر مدخلها الجنوبيّ-الغربيّ، وواصلنا طريقنا في اتّجاه المنزل. لم نسمع عن أيّ أحداث استثنائيّة، ولم نعلم بوجود جنود في المنطقة.كنتُ أنا جالسًا في المقعد الذي خلف أبي، أخي مصطفى في المقعد الذي خلف والدتي، أخي محمّد في الوسط، وأمّي كانت في المقعد الأماميّ وأخي عُثمان في حضنها، وهو كفيف البصر ومن ذوي الاحتياجات الخاصّة.واصلنا السّفر في وسط البلدة، وبالضّبط بعد أن انعطفنا في أحد الشوارع شاهدتُ خلفنا أضواء "ليزر"، وفوجئنا بجنود أخذوا يُطلقون النار علينا. يبدو أنّهم خرجوا من زقاق قريب. قبل ذلك لم نعرف أنّه يوجد هناك جنود ولم نرَهُم. لم أسمع أيّ جنديّ يطلب من أبي أن يتوقّف قبل أن يُطلقوا النيران. كانت نوافذ السيّارة مفتوحة ولم نسمع شيئًا في الخارج سوى طلقات الرّصاص.أطلقوا علينا عشرات الأعيرة الناريّة. ظننتُ أنّني الناجي الوحيد في السيّارة. كان الدّم يغطّي والدتي. كانت تصرُخ ثمّ صمتتْ، ففهمتُ أنّها قد استُشهدت. أبي كان يحتضر وقد سمعته يتلو الشهادتين، أمّا إخوتي فلم يُبدوا أيّ حراك. ظننتُ أنّني الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، لأنّني حين فتحوا النار انحنيتُ وراء مقعد أبي.بعد مضيّ ثوانٍ معدودة اقترب الجنود إلينا وفتحوا الباب. أمسكوا بي من شعري وجرّوني أنا أيضًا إلى خارج السيّارة. أخي مصطفى خرج بنفسه وهو يرفع يديه فوق رأسه. أبعدني الجنود عن السيّارة بضعة أمتار وسألوني من يوجد في داخل السيّارة، فأجبتُهم: أبي وأمّي وإخوتي. عندئذٍ صفعني أحد الجنود وقال إنّني أكذب. سألني من يوجد أيضًا في داخل السيّارة، فأجبتُه: فقط أفراد أسرتي. أوقعوني على الأرض وضربوني على ظهري وهُم يتوعّدونني بالقتل إذا تبيّن أنّه يوجد في السيّارة أشخاص آخرون. قالوا لي: "أنت يامن. أنت تكذب". لم أفهم في البداية من هُو يامن، لكنّني علمتُ لاحقًا أنّهم يبحثون عن فتى اسمه يامن في سنّ 15 عامًا تقريبًا.أجلسوني أنا وأخي مصطفى قرب بوّابة حديديّة ثمّ فتحوا أبواب السيّارة لكي نرى جثامين أفراد أسرتنا، أبي وأمّي وأخويّ، التي كانت مغطّاة بالدّماء.بعد مضيّ بضع دقائق جاءت سيّارة إسعاف من جهة الشرق. أشار الجنود لي من أين أذهب، وحين وصلتُ إلى سيّارة الإسعاف أخذتني أنا ومصطفى إلى المستشفى التركي في طوباس لنتلقّى العلاج. لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك لسيّارتنا ولجثامين أفراد أسرتي.لحظات إطلاق النار كانت مُرعبة ومؤلمة جدًّا. أبي يصرُخ، أمّي تصرُخ. كنت في حالة صدمة. أصابتني الشظايا بجروح في مختلف أنحاء جسمي. بعد ذلك، تبيّن في المستشفى أنّ إصابتي طفيفة، وكذلك إصابة أخي مصطفى.سرّحونا من المستشفى في نحو السّاعة العاشرة صباحًا، فذهبنا لنشارك في تشييع جثامين أبي وأمّي وإخويّ. كنتُ أعلم أنّهم استُشهدوا، فقد رأيت كلّ شيء في داخل السيّارة - لم يتحرّكوا بتاتًا.قتل الجيش الإسرائيليّ أبي وأمّي وأخويّ مع أنّنا لم نفعل أيّ شيء، بل حتّى لم نعلم بوجود جنود في المنطقة. لقد قتلوهم بدم بارد.بقيتُ أنا وأخي مصطفى الآن. نحن الآن يتيمان، وليس لنا أحد سوى جدّي وجدّتي.أتساءل طوال الوقت: كيف كان لنا أن نهدّد سلامة الجنود كي يُطلقوا النار علينا بهذه الطريقة؟ كنّا مُسافرين في الشارع ولم يكن هناك أيّ شيء غير عاديّ. سرنا ببُطء، لكنّهم أطلقوا النار علينا دون تحذير مسبق.كنّا سعداء للغاية لأنّ أبي عاد إلينا. أمّي كانت مسرورة، وكذلك إخوتي. لعبنا وضحكنا وفرحنا لأنّنا سنُمضي أيّام العيد سويّة – نحن وجدّي وجدّتي والعائلة كلّها.بدلًا من ذلك حياتنا تدمّرت. قُتلت كلّ أسرتنا. الآن بقينا وحدنا أنا وأخي الصغير، ولا نعرف كيف سنُواصل حياتنا بدون أب وأمّ.لكن رغم الألم الفظيع فإنّني لا أقول سوى الحمدُ لله على كلّ شيء.جدّة خالد ومصطفى ووالدة علي بني عودة، نجاح بني عودة (63 عامًا)، أمّ لعشرة، قالت في إفادتها في 24.3.26:ابني علي، رحمه الله، كان متزوّجًا وأبًا لأربعة أولاد. كان يعمل في إسرائيل لكي يعيل عائلته. كان علي إنسانًا كريمًا يضحّي من أجل كلّ مَن يحتاج إليه، حتّى على حساب وقته وصحّته. كنتُ أتحدّث مع علي طوال الوقت. في الأشهر الأخيرة لم يَعُد إلى البيت وبقي في مكان عمله داخل إسرائيل. كنتُ دائمًا أقلق عليه عندما كان في إسرائيل بسبب الشرطة، وخشيتُ أن يحدث له شيء، لكن لم يخطر ببالي للحظة أنّه سيُقتل مع زوجته وطفليه.عندما كان علي يتّصل بي، كان يطلب دائمًا أن أدعو له، وكان يقول لي إنّ دعائي يمنحه الأمان. كان يفتح كاميرا الفيديو ويُريني أين يسكن، وأنّه موجود في مكان آمن، لكي يطمئنني. كان يقول لي: "أريد أن أعمل لكي أخفّف عن أبي الذي ربّانا، وصار الآن كبيرًا وتعب".عاد إلى البيت قبل نحو أسبوع من نهاية شهر رمضان، ووصل قبل صلاة المغرب. كنتُ أنا وزوجته وأولاده في انتظاره. جاءوا إلينا ثمّ ذهبوا بعد ذلك إلى منزلهم ليرتاحوا. وفي مساء اليوم التالي تناولنا الطعام معًا – أكلنا الحلويات، وفرحنا، وقضينا الوقت جميعًا معًا، وكنّا نضحك ونمزح.بعد ذلك خرج علي للقاء الأصدقاء والأقارب الذين لم يرهم منذ فترة طويلة، ثمّ ذهب ليقصّ شعره. بعد ذلك، قرابة الساعة 23:00، أخذ الأطفال الذين كانوا ينتظرونه للخروج لقضاء الوقت معًا، رغم أنّه هو وزوجته وعد لم يرغبا كثيرًا في الخروج لأنّ الوقت قد تأخّر. لكنّني أصررتُ على أن يخرجوا، من أجل الأطفال الذين انتظروه وقتًا طويلًا وكانوا في غاية الحماس والفرح وأرادوا شراء ملابس للعيد.ارتدى الجميع ملابسهم، وحمل علي طفله عثمان، وهو كفيف، على يديه. قبل خروجهم، سألني وسأل والده إنْ كنّا بحاجة إلى أيّ شيء من نابلس، فأجبناه بأن يشتري للأطفال ما يحتاجون إليه.قرابة الساعة 1:30 استيقظتُ لكي أتناول الدواء، لأنّ يدي كانت تؤلمني، وحينها رأيتُ ابني عمر يفتح الباب ويأخذ الهاتف. نهضتُ فزعة، فقال لي إنّ هناك قوّات خاصّة في طمّون. سألتُه أين علي، وبدأت أقلق عليه وعلى عائلته. فقال لي إنّ علي وعائلته لم يعودوا بعد إلى البيت.اتّصلتُ بهم لكنّهم لم يجيبوا، وحينها قال لي عمر إنّ الجيش يطلق النار على سيّارة. قلتُ له إنّهم يطلقون النار على سيّارة علي، لأنّهم دائمًا ما يجيبون على الهاتف. لكنّ عمر قال إنّ الأمر يتعلّق بأشخاص آخرين، حتّى أنّه أعطاني أسماءً.لم أهدأ. كنتُ متوتّرة للغاية، وشعرتُ بأنّ شيئًا ما حدث لعلي ولعائلته. وفجأةً، بدأ عمر يصرخ ويقول إنّها سيّارة علي.قبل ذلك بشهر قلتُ إنّه إذا حدث شيء لعلي فسيكون ذلك كارثة بالنسبة لي. كان ينتابني دائمًا شعور بأنّ شيئًا ما سيحدث له. كنتُ أتّصل به طوال الوقت لأطمئنّ عليه، وكان هو يفتح كاميرا الفيديو لكي يهدّئ من روعي.سألتُ عمر أين هم، فقال لي إنّهم في المستشفى في طوباس. طلبتُ من زوج ابنتي أن يأخذني إلى هناك بسيّارته. وصلتُ إلى هناك بعد بضع دقائق، ورأيتُ مصطفى وخالد، ابنَيْ علي. رأيتُ دماء على ملابسهما وسألتُ إن كانا مصابين. فقال لي خالد ومصطفى إنّ هذه الدماء هي دماء محمّد، الذي كان بجانبهما عندما قُتل. صُدمتُ من هذا الخبر المُفجع. روى لي خالد كيف أطلق الجنود النار على السيّارة وأنّه انحنى ولذلك لم يُصب. وأخبرني كيف تلا علي الشهادة وكيف صرخت وعد بأنّ الجميع قد قُتلوا.قلتُ له "أبوك سيكون بخير". كنتُ آمل أنّهم لا يزالون على قيد الحياة، لأنّهم لم يحضروهم بعد إلى المستشفى. ولكن بعد نصف ساعة أحضروهم، وكانوا جميعًا قد فارقوا الحياة. أدخلوهم إلى الثلّاجات. كانت هناك آثار كثيرة للأعيرة الناريّة على جثامينهم، وخاصّة في منطقة الوجه من الجهة اليمنى. والكثير من الدماء. عندما رأيتُ علي ومحمّد، لم تكن زوجته وعد في المكان نفسه، فأمِلتُ أنّها لا تزال حيّة، ولكن اتّضح لي بعد ذلك أنّها كانت في ثلّاجة مجاورة، سويّة مع عثمان.لم أصدّق ما حدث. حتّى بعد أن رأيتُ جثامينهم كان من الصعب عليّ أن أصدّق. لقد أطلقوا النار على ابني وعائلته، وقتلوهم. ابني وأطفاله ذهبوا لقضاء بضع ساعات في نابلس، ولشراء أشياء للعيد. حتّى أنّ علي أعطى أخاه نقودًا وطلب منه أن يوزّعه على أخواته وعلى والديّ، وكأنّه شعر بأنّه على وشك أن يموت مع عائلته.هذا ما حدث.دفنّاه في طمّون. سوف نعتني بخالد ومصطفى، ولديْ ابني الغالي. أطلق الجيش النار عليهم وهو يعلم بوجود عائلة داخل السيّارة. كان علي يريد أن يقضي العيد معنا ويعود إلى عمله، لكنّ الاحتلال منعه من ذلك. لم يكن مطلوبًا، بل كان مجرّد عامل ذهب ليعمل من أجل إطعام عائلته، لكنّ الاحتلال سلبنا علي ووعد وطفليهما إلى الأبد.عبد اللطيف بشارات (68 عامًا)، الذي داهم جنود منزله قبيل إطلاق النار بوقت قصير، قال في إفادته في 17.3.26:اقتحم الجنود منزلنا في حدود الساعة 1:15 ليلًا. فتحوا المدخل الرئيسيّ، البوّابة السحّابة، ثمّ فجّروا بعد ذلك باب المدخل الرئيسيّ للبناية. البناية مكوَّنة من طابقين: أنا أسكن في الطابق الأرضيّ مع زوجتي، ويسكن ابننا المتزوّج في الطابق العلويّ.استيقظنا مذعورَين، أنا وزوجتي التي سألت: "ما هذا الغبار والأوساخ في داخل البيت؟"، فقلتُ لها: "هذا ليس غبارًا ولا أوساخًا، هذا زجاج – هؤلاء جنودٌ فجّروا الباب".فور ذلك، صعد الجنود إلى الطابق العلويّ، إلى ابني، وعلمنا لاحقًا أنّه كان في الحمّام في ذلك الوقت. ارتدى ملابسه بسرعة وخرج. صعدتْ زوجتي على الفور إلى الأعلى، إلى منزل ابننا، ولكن بعد دقيقة رأيتُ جنديَّين يُمسكان بها ويقتادانها، ويأمرانها بالنزول إلى الطابق الأرضيّ. أعاداها إلى داخل منزلنا.بينما كنتُ واقفًا في المكان، قال لي أحد الجنود، والذين كان بعضهم ملثّمين: "أعطني يديك". قلتُ لهم بالعبريّة: "لكنّني رجل مسنّ، ومريض أيضًا". لقد خضعتُ لأكثر من ستّ عمليّات جراحيّة في ظهري، ولديّ بلاتين هناك أيضًا. ورغم ذلك، دفعني، وألقى بي على الأريكة وقيَّد يديّ بالأصفاد. ثمّ أخذ بطانيّة كانت في البيت ووضعها على رأسي بحيث غطّت وجهي.أزاحت زوجتي البطانية التي وضعوها عليّ وقالت لهم: "زوجي مريض، بعد لحظة سيموت". بعد ذلك حضر جنديّ آخر، وأخذ غطاء الطاولة ووضعه على رأس زوجتي، لكنّها أزالته.بعد أن قيّدوا زوجتي أيضًا، أقفلوا علينا الباب في داخل إحدى الغرف، وصعد جميع الجنود إلى منزل ابني. لم أكن أعلم ماذا يفعلون هناك، ولكن في وقت لاحق أخبرني أنّهم فتحوا النوافذ، وفكّوها وأنزلوا الستائر، واستخدموا بعض الخزائن كسواتر حماية بجانب النوافذ.مكثوا في منزلنا ساعة تقريبًا، وخلال هذا الوقت كلّه كنتُ أنا وزوجتي محبوسين في الغرفة التي أقفلوها علينا مقيَّدي الأيدي بالأصفاد البلاستيكيّة. عندما غادروا، تركونا داخل الغرفة ومضوا دون أن يقولوا لنا شيئًا. لم تمرّ عليّ في حياتي لحظات كهذه قطّ. تركوني مكبّل اليدين داخل الغرفة وذهبوا.بعد ذلك حرّرنا ابننا من الغرفة المقفلة. قال لنا إنّهم غادروا، ثمّ حرّر يدَيْ زوجتي التي قامت بعدها بتحرير يدَيّ.بعد مغادرتهم فهمنا من الناس ومن شبكات التواصل الاجتماعيّ أنّ الجيش أطلق النار على مركبة. رأيتُ أشخاصًا كثيرين يحضرون إلى المكان الذي حدث فيه ذلك، وهو قريب جدًّا من منزلي، على بُعد نحو 15 مترًا. خرج ابني إلى هناك، وعندما عاد أخبرنا بأنّ الجنود أطلقوا النار على عائلة بني عودة، الذين كانوا يستقلّون سيّارتهم، وأنّه كان هناك أطفال في داخل السيّارة.هذا جيش عديم الأخلاق. هذا الجيش غير إنسانيّ. لم يكترثوا لكوني رجلًا مسنًّا ومريضًا. تعاملوا معي بعنف. لم يسألوني عن أيّ شيء، ولم يسألوا ابني أيضًا. كان ذلك ببساطة استباحة واعتداء على منزلي ومنزل ابني. مكثوا لدينا وقتًا طويلًا. كنّا خائفين جدًّا وخشينا على حياتنا.والدة يمان بني عودة، الذي اعتقلته القوّات في تلك الليلة، مريم بشارات (بني عودة) (42 عامًا)، أمّ لأربعة، قالت في إفادتها في 17.3.2026:نحن نسكن في الطابق الثاني من مبنى مؤلّف من طابقين، على مسافة غير بعيدة من المكان الذي أطلق فيه الجنود النار على سيّارة عائلة بني عودة.في تلك الليلة، قرابة الساعة 1:00، استيقظتُ على صوت إطلاق نار وطرقات على الباب في الطابق الأوّل. سمعتُ جنودًا يسألون السكّان في الطابق الأوّل: "أين مريم؟". بعد ذلك سمعتُ إطلاق نار في المنطقة الواقعة جنوب منزلي. ارتديتُ ملابسي بسرعة ونظرتُ من النافذة. كنتُ مع بناتي، وكنّا جميعًا نرتجف من الخوف.بعد ذلك بأقلّ من دقيقتين، اقتحم الجنود الباب الحديديّ بطريقة جنونيّة وهمجيّة، ودخلوا إلى منزلي معهم كلب. أخذوا يصرخون علينا ويشتموننا. أمرونا جميعًا بالجلوس في غرفة واحدة، باستثناء ابنتي الكبرى، نسمة (18 عامًا)، وهي طالبة في السنة الأولى في الجامعة، وقد بدأوا بالتحقيق معها في غرفة أخرى. بعد ذلك تحدّث معي أحد الضبّاط وسألني عن ابني، يمان. أجبتُه بأنّه صغير السنّ، في الصفّ التاسع، وأنّه ليس في البيت. أخذ يشتمني، ثمّ شتم الذات الإلهيّة، وصرخ عليّ: "لا تتكلّمي، لا تتكلّمي". سمعت نسمة ذلك، لأنّ الغرفة التي كانوا يحتجزونها فيها كانت بجوار الغرفة التي كنتُ أنا فيها، فقالت للجنديّ إنّها تريد رؤية ما يحدث مع والدتها في الغرفة الأخرى. عندئذٍ، تهجّم الجنديّ عليها وأراد أن ينزع الحجاب عن رأسها. قلتُ لها ألّا تتكلّم.أمرني الجنود بالاتّصال بيمان. اتّصلت ابنتي به وطلبت منه القدوم. مكثوا في المنزل أكثر من ساعة وهم ينتظرون وصول يمان.بينما كانوا ينتظرونه حطّموا وأفسدوا كلّ شيء في المنزل: الأغراض، أدوات المطبخ، الأغطية وغيرها. بل إنّهم داسوا على المصاحف الشريفة. واستمرّوا طوال الوقت في شتمنا. كما أخذ الجنود على بطاقة هويتي ومحفظتي. كانوا يوجّهون بنادقهم نحو أولادي لبثّ الرعب في نفوسهم. وفي مرحلة ما حاولتُ الاقتراب من الغرفة التي كانوا يحقّقون فيها مع نسمة، فقال لي أحد الجنود، وكان يتحدّث العربيّة، أن أعود وهدّدني: "أريد إطلاق النار على ابنتك الكبرى أمام عينيك". بعد ذلك، ضرب نسمة على رجلها من الأسفل ببندقيّته وكسر لها قدمها. فسقطت نسمة على الأرض. كما ضرب ابنتي الصغيرة (11 عامًا) على كتفها بالبندقيّة. وكان يصرخ علينا وعلى الأولاد: "اخرسوا".في وقت لاحق وصل يمان إلى المنزل، فكبّله الجنود في الخارج واقتادوه إلى داخل البيت، ثمّ حقّقوا معه في الداخل. سألوه عن منشورات وملصقات كانت في المنزل. رأيتُ ابني مقيّد اليدين ومعصوب العينين، وكانوا يحنون ظهره باتّجاه الأرض. بعد ذلك غادروا المنزل وأخذوا يمان معهم.لقد فقدتُ أحد أبنائي، ريان، قبل سنة. وأنا أخشى أن يفعلوا شيئًا بيمان أيضًا.مقتل سام أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر، في الخليل، 5.6.26:في ساعات مساء يوم الجمعة الموافق 5.6.26، كانت عائلة أبو هيكل تستقلّ سيّارتها من بيت لحم إلى الخليل. كان في السيّارة كلٌّ من: فهد أبو هيكل (40 عامًا)، وزوجته دانية سلامة-أبو هيكل (28 عامًا)، وابنهما الرضيع سام، البالغ من العمر سبعة أشهر، بالإضافة إلى كنان (12 عامًا)، وهو ابن فهد من زواج سابق، ووالدة فهد، فريال أبو هيكل (80 عامًا). كان أفراد العائلة في طريقهم إلى منزل فريال الواقع في حيّ تل رُميدة، بعد أن حلّت ضيفةً عليهم في بيت لحم.يقع حيّ تل رميدة في المنطقةH2 الخاضعة للسيطرة الإسرائيليّة، وتتركّز في نطاقه غالبيّة المستوطنات اليهودية في المدينة. تفعّل إسرائيل منظومة دائمة من قوّات الجيش والشرطة في المنطقة، تشمل عشرات السدّات على الطرق والحواجز الداخليّة المأهولة بانتظام، ونقاط التفتيش والدوريّات المكثّفة – كما تفرض قيودًا مشدّدة على حريّة حركة السكّان الفلسطينيّين وعلى وصولهم إلى منازلهم ومصادر رزقهم والخدمات المختلفة.عندما اقتربت السيارة من منطقة وادي الهرية، الواقعة على بُعد نحو كيلومتر واحد إلى الشمال من موقع تل رميدة الأثريّ في المدينة، لاحظ أفراد العائلة حركة غير اعتيادية للمركبات العسكريّة. واصلوا سفرهم، وبعد الساعة 19:30 بقليل، عند وصولهم إلى المفترق المسمّى "مفترق/حاجز 17" - على اسم حاجز للسلطة الفلسطينية كان يعمل في المكان سابقًا - صادفوا عددًا من الجنود الذين كانوا يغلقون الطريق. وجّه أحدهم سلاحه نحو السيّارة وشغّل منظار التصويب بالليزر. أبطأ فهد، الذي كان يقود السيارة، من سرعته على الفور، ولكن بعد أقلّ من نصف دقيقة، ودون أيّ تحذير مسبق، أطلق الجنديّ رصاصتين على الأقلّ نحو السيارة. اخترقت إحداهما الزجاج الأماميّ، وأصابت كفّ يد فهد اليمنى، ثمّ أصابت رأس الرضيع سام، الذي كان يجلس على ركبتي والدته في المقعد الخلفيّ. كما أصابت شظايا الرصاصة والدته دانية في فكّها الأيمن وفي صدرها. أطلقت النار مباشرةً نحو السيارة وركّابها من مسافة لم تتعدَّ 20 مترًا تقريبًا، وهي مسافة كان يمكن منها الرؤية بوضوح أنّ السيارة تُقلّ أُسرة، وفيها نساء وأطفال.فور إطلاق النار غادر الجنود المكان، ونُقل أفراد الأسرة بسيارة خاصّة كانت موجودة هناك إلى مستشفى عالية في الخليل، ونُقلت دانية وسام بعد ذلك إلى مستشفى الأهلي في المدينة. حاول الأطبّاء إجراء إنعاش للرضيع، ولكن دون جدوى. أُجِّل الإعلان عن موته حتّى استقرّ وضع والدته دانية، ولم يُعلن عن وفاته إلّا قرابة الساعة 22:00 من ذلك المساء. وفي اليوم التالي، أُحضر جثمان الرضيع إلى والدته لتوديعه. بقيت دانية راقدة في المستشفى في قسم العناية المكثّفة لمدّة خمسة أيّام.باحثة بتسيلم الميدانيّة، منال جعبري جمعت إفادات العائلة.فريال أبو هيكل (80 عامًا)، جدّة سام، وأمّ لعشرة، قالت في إفادتها في 7.6.26:أنا أسكن في منطقة تل رميدة بمدينة الخليل مع ابني وديع (39 عامًا). في السابق عملتُ في جهاز التعليم. وعلى مدار عقود عانيتُ أنا وعائلتي من تجبُّر الاحتلال واعتداءات المستوطنين، ومن محاولات تهجيرنا من أرضنا وطردنا منها. تفاقمت هذه المعاناة منذ أحداث 7 أكتوبر: أُغلِق الطريق المؤدّي إلى منزلنا بمكعّبات إسمنتيّة، لمنع مرور المركبات. علاوة على ذلك فقد استولت السلطات الإسرائيليّة والمستوطنون بالكامل على أراضينا المزروعة بأشجار الزيتون، ومنعونا من الوصول إليها أو قطف ثمار الزيتون منذ ثلاث سنوات.انتقل ابني فهد للسكن في مدينة بيت لحم قبل سنتين، بعد زواجه من دانية سلامة. وقبل سبعة أشهر، وُلد ابنهما سام. لدى فهد ابن آخر أيضًا، كنان (12 عامًا)، من زواجه السابق. تقيم والدة كنان في الخليل، وهو يتنقّل في عيشه بين منزل والده ومنزل والدته.في 4.6.26، قرابة الساعة 19:00، كان كنان يحتفل بتخرّجه من المدرسة الابتدائيّة وانتقاله إلى المرحلة الإعداديّة. وحضر والده فهد للمشاركة في الحفل. بعد انتهاء الاحتفال، دعاني فهد لقضاء يومين في منزله ببيت لحم، فسافرتُ معه. قرّرتُ العودة إلى منزلي يوم الجمعة لأنّ وديع بقي بمفرده في البيت، وخشيتُ على سلامته من اعتداءات المستوطنين أو اقتحامات الجنود.أقلّني فهد بسيّارته إلى الخليل، ورافقتنا في الرحلة أيضًا زوجته دانية، وابنهما سام، وابنه كنان. جلستُ أنا في المقعد الأمامي إلى جانب فهد، الذي كان يقود السيّارة. وجلس كنان ودانية في المقعد الخلفيّ، ووُضع سام في مقعد الأمان الخاصّ به. عندما وصلنا إلى منطقة وادي الهريّة في الخليل، لاحظنا حركة نشطة للمركبات العسكريّة، وفهمنا أنّ هناك جنودًا إسرائيليّين في المنطقة. كان هذا أمرًا اعتياديًّا من ناحيتنا، لأنّ الوحدات الراجلة التابعة للجيش تتجوّل هناك في كثير من الأحيان.واصلنا طريقنا نحو المنزل، عبر الطريق الوحيدة المؤدّية إلى بيتي في تل رميدة، والتي لا بديل لها. أخرجت دانية سام من مقعد الأمان وأمسكت به على ركبتيها استعدادًا لوصولنا إلى المنزل. عندما وصلنا إلى المفترق المعروف باسم "حاجز 17"، بجوار حارة رزق، وعلى بُعد نحو 200 متر من بيتي في تل رميدة، رأينا أربعة جنود على مسافة نحو عشرين مترًا من السيارة. وجّه أحدهم سلاحه نحونا وشغّل مِنظار الليزر، ثمّ ودون أيّ تحذير مسبق، وفي غضون أقلّ من نصف دقيقة من لحظة وصولنا إلى المكان، أطلق علينا رصاصتين.لم أستوعب ما كان يجري حولي حتى سمعتُ دانية تصرخ: "قتلوا ابني! سام مات!". فتحتُ باب السيارة، وكان الجنود قد فرّوا من المكان بعد أن أطلقوا النار علينا. بدأتُ أصرخ وأستغيث. خرجت دانية هي الأخرى من السيارة، وكان وجهها مغطّى بالدماء، بينما كان سام مستلقيًا على ذراعيها بلا حراك، والدماء تسيل من وجهه. خرج فهد أيضًا من السيارة، وكانت يده اليمنى تنزف.بدأ الكثير من الأشخاص بالتجمهر في المكان، واستقلّ فهد، الذي كان يحمل سام، سيارة خاصّة كانت هناك، سويةً مع دانية وكنان، وجرى نقلهم من المكان. أمّا أنا فبقيتُ جالسةً في الشارع، محطّمةً تمامًا وغير قادرة على الوقوف على قدميّ، إلى أن وصلت سيّارة إسعاف فلسطينيّة إلى المكان ونقلتني إلى مستشفى عالية الحكومي.نُقل فهد وعائلته أيضًا إلى هناك، وتمّ لاحقًا نقل دانية وسام إلى مستشفى الأهلي. في وقت لاحق من تلك الليلة، أعلن الأطبّاء وفاة سام.شقيقه كنان يعاني من صدمة نفسيّة قاسية، وحزن عميق، وانهيار نفسيّ جرّاء فقدان شقيقه الصغير، الذي قتله الجنود أمام عينيه. حتّى اليوم لا يمكنني تصديق ما حدث. الأمر أشبه بكابوس فظيع. أيّ ذنب اقترفه طفل رضيع يبلغ من العمر سبعة أشهر؟ربّما كان سيخطر ببالنا أن يقوم الجنود باعتراض السيارة، أو احتجاز السائق، أو إذلاله، وحتّى بالاعتداء عليه جسديًّا. لكن لم يخطر ببالنا قطّ أن يفتحوا النار علينا بهدف قتلنا دون أيّ سبب، ودون أن نشكّل أيّ خطر عليهم.والدة سام، دانية سلامة (28 عامًا)، قالت في إفادتها في 7.6.26:أنا أسكن في بيت لحم مع زوجي فهد (40 عامًا)، ومع ابني سام، البالغ من العمر سبعة أشهر. أعمل محاضرةً في جامعة فلسطين الأهليّة، ويعمل زوجي أيضًا محاضرًا في الجامعة نفسها. أنا متزوّجة من فهد منذ عامين. قبل سبعة أشهر وُلد ابننا سام، الذي ملأ حياتنا بالحبّ والبهجة.في يوم الخميس الموافق 4.6.26، استضفنا في منزلنا ببيت لحم حماتي، فريال أبو هيكل (80 عامًا)، لتناول العشاء. كان زوجي قد أحضرها من الخليل بعد مشاركته في حفل تخرّج ابنه كنان (12 عامًا) من زواجه الأوّل، من المدرسة.في ساعات بعد ظهر يوم الجمعة قرّرتْ حماتي العودة إلى منزلها في الخليل، لأنّها كانت قلقة على ابنها وديع، الذي يسكن معها في حيّ تل رميدة – منطقة مغلقة تعاني من اقتحامات يومية للجنود ومن اعتداءات المستوطنين. وقرّرتُ أنا الانضمام إلى زوجي ووالدته وابنه كنان لمرافقتها إلى الخليل.وصلنا إلى الخليل في ساعات المساء، وسلكنا شارع وادي الهرية – وهو الطريق الوحيد المؤدّي إلى منزل حماتي في تل رميدة. عندما رأيتُ أنّنا نقترب من المنزل، أخرجتُ سام من مقعد الأمان ووضعته على ركبتيّ، كي أستعدّ للنزول من المركبة فور وصولنا. وفي نحو الساعة 19:30 وصلنا إلى مفترق 17 – قرب حارة رزق، وعندها رأينا أربعة جنود على مسافة نحو عشرة أمتار من السيارة. صوّب أحدهم سلاحه نحونا وأطلق النار باتّجاه السيارة – بتقديري أطلق رصاصتين أو أكثر. اخترقت إحدى الرصاصات الزجاج الأمامي، من جهة السائق، وأصابت يد زوجي اليمنى. ثمّ أصابت خدّ ابني سام الأيسر، تحت عينه، وخرجت من خدّه الأيمن، وأصابت شظاياها خدّي الأيمن وصدري. لكنّني لم أكترث إطلاقًا بإصابتي، لأنّني كنتُ في حالة صدمة وذهول من منظر الدماء التي كستْ وجه ابني سام، الذي كان بلا حراك. بدأتُ أصرخ: "سام مات! سام قُتل"!خرج زوجي من السيارة وهو ينزف من يده اليمنى. أخذ منّي الطفل وركض به نحو سيارة خاصة، وركضتُ أنا وكنان خلفه. في ذلك الوقت كانت والدة زوجي تجلس على الأرض وتصرخ بشكل هستيريّ طلبًا للمساعدة من السكّان الذين تجمهروا في المكان. فرّ الجنود على الفور بعد إطلاق النار.نقلتنا السيارة الخاصة إلى مستشفى عالية الحكومي، ومن هناك جرى نقلنا إلى المستشفى الأهلي. في تلك المرحلة لم أكن أعلم بعد أنّ ابني سام قد قُتل. أدخلوني إلى وحدة العناية المكثّفة، وامتنع الأطبّاء عن إجراء عملية جراحية لي، لأنّ الشظايا كانت قريبة جدًّا من الشريان الرئيسي المؤدّي إلى القلب. كما عالجوا خدّي الأيمن الذي أصيب بالشظايا.لم أعلم بنبأ مقتل ابني إلّا في صباح اليوم التالي، حيث أحضروه إليّ إلى وحدة العناية المكثّفة لكي أتمكّن من وداعه.قتلوا طفلي الصغير وأحرقوا قلبي. قتلوا أحلامي في رؤيته يكبر وينمو. سلبوا منّي أمومتي.لا أستطيع تخيّل كيف سأتمكّن من العودة إلى المنزل دون ابني؛ فقد كان مصدر البهجة في بيتنا – ذاك الذي يُنسينا تعبنا وهمومنا. كيف سأقوى على مواصلة الحياة دون بكائه ودون ضحكاته؟أنا أسأل نفسي طوال الوقت: لماذا أطلق الجنديّ النار؟ لماذا أراد قتلنا؟ لماذا سلبوا منّي ابني؟رغم الألم الذي أشعر به، ورغم أنّ الأطباء حذّروني من استقبال الزيارات بسبب وضعي الصحّي الصعب الذي أمرّ به، إلّا أنّني لم أرفض لقاء أيّ صحفي أو أيّ ممثّل عن منظّمة حقوق إنسان جاء إلى غرفتي في المستشفى. أريد أن يعرف العالم أجمع: الجيش الإسرائيلي قتل طفلي الرضيع، البالغ من العمر سبعة أشهر فقط، دون أن يفعل أي شيء ودون أن يكون مذنبًا بأيّ شيء.