الاعتقال الاداري

السّجن لمدّة 14 عامًا ونصف؟ في الواقع، 15 عامًا. حتّى هذه اللحظة.

أنهى الأسير الفلسطيني بلال كايد في تاريخ 13/6/2016 حكما بالسجن لمدة 14 عاما ونصف بعد إدانته في عدد من الجرائم، منها انتسابه إلى الجبهة الشعبية ومحاولتين للشروع في القتل. مثل أيّ سجين، أنهى كايد قضاء عقوبته وكان من المفترض أن يُفرج عنه. كان جميع أفراد أسرته ينتظرون عودته. لكن يوم الإفراج، وقبل أن يتمكّن أفراد أسرته من لقائه، وقّع قائد لواء المركز، الجنرال روني نوما، على أمر يقضي باعتقاله الإداري لمدة نصف عام، "لأسباب أمنية قطعيّة" و "وأسباب تتعلّق بأمن المنطقة والأمن العامّ".

رهيبة كايد تحمل ملصقًا يطالب بالإفراج عن ابنها. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 21/7/2016.
رهيبة كايد تحمل ملصقًا يطالب بالإفراج عن ابنها. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 21/7/2016.

في الإفادة التي قدمتها والدته، رهيبة كايد، لباحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي، وصفت الاستعدادات لإطلاق سراحه وتلقي خبر اعتقاله الإداري:

كانت الأشهر الأخيرة طويلة جدا، وكلّما اقترب موعد الافراج عنه شعرت أكثر بأنّ الوقت لا يمرّ. الأسبوع الماضي لم أتمكّن من النوم. طيلة الليالي فكرت في الاستقبال الذي سنعدّه له. اشتريت الهدايا لجميع أفراد العائلة، ولأولاد الحيّ، ليكون الجميع سعداء.

استأجرنا قاعة لاستقبال المهنئين الرجال، واستأجرنا الكراسي البلاستيكية لاستقبال النساء في المنزل. قمنا بتزيين المنزل والحيّ، وعلّقنا صور بلال في كلّ مكان. علق أولاد الحيّ أيضا صورة كبيرة وسط الشارع وكُتِبَ عليها التهاني بمناسبة الإفراج عنه. مكث أفراد العائلة والأصدقاء عندنا في المنزل حتى الساعة 3:00 فجرًا وعند الساعة 7:00 صباحًا بدأ يصل أشخاص اعتزموا السفر معنا إلى جنوب لاستقبال بلال.

لدهشتي، اتصل بي ابني محمود وأبلغني بأنّ بلال سيتأخر بسبب تأخير في عملية الإفراج. شعرت بالخوف مما قد يحدث. كان المنزل يعجّ بالناس الذين جاءوا لاستقبال بلال. عند الساعة 15:00 تقريبًا عاد أولادي إلى المنزل ولكن بلال لم يكن معهم. نزل عليّ الخبر كالصاعقة. أبلغوني بأنّهم أصدروا ضدّ بلال أمر اعتقال إداريّ لمدّة نصف عام. لم أستطع أن أصدق ذلك. كان الجميع مصدومين. تحول الفرح الى حزن ودموع.

شقيقته سهى حسين، المقيمة في ألمانيا، وصلت إلى الضفة الغربيّة خصيصًا استعدادًا لإطلاق سراحه. هكذا وصفت اللحظات عندما علموا بالاعتقال الإداري:

سهى حسين. تصوير: سلمى الدبعي ، بتسيلم، 21/7/2016.عندما علمتُ أن سلطات السجن أبلغت بلال أنه سيفرج عنه في تاريخ 13/6/2016، اشتريت فورا تذكرة طائرة، على الرغم من أن هذه الفترة هي فترة امتحانات نهاية العام في المدارس، وفترة شهر رمضان. قدمت إلى الضفة الغربيّة في تاريخ 7/6/2016 للمشاركة في تحضيرات استقبال أخي. لم يكن هناك حدّ لفرحتي عندما أعددت الملابس، والمنزل، وقائمة المشتريات للاستقبال ووقت حجزي مكانًا في قاعة الاستقبال. حتى فجر يوم 13/6/2016 هيأنا المنزل واستقبلنا الأقارب والأصدقاء الذين جاءوا لتهنئتنا في المنزل.

في صباح ذلك اليوم، سافرت مع إخواني وغيرهم من الأقارب، كنّا حوالي ثلاثين فردًا، لاستقبال بلال في منطقة الخليل. قالوا لنا انه سيفرج عنه في تمام الساعة 11:00 صباحًا، ولكن عندما وصلنا إلى منطقة الخليل اتّصل شخص من جمعيّة الضّمير بأخي محمود وأبلغه أنّ بلال موجود في سجن عوفر. ظننا بأن الاسرائيليين يريدون فقط مضايقتنا.

عدنا باتجاه سجن عوفر، لكن عندما وصلنا إلى هناك اتّصوا بنا مجددا من جمعيّة الضمير وأبلغونا بأنّه حُكم على بلال بالسجن لمدة ستة أشهر في الاعتقال الإداري. لم نصدّق وظننّا أن الخبر كاذب وأن الإسرائيليين يريدون فقط أن نلغي استقبال بلال. لكن بعد بضع مكالمات أخرى أجراها أشقائي وأعمامي أدركنا أنّ هذه هي الحقيقة، وأن بلال لن يخرج.

بلال كايد مضرب عن الطعام منذ 15/6/2016 ومحتجز في مستشفى بارزيلاي في أشكيلون (عسقلان)، مكبل إلى سريره وتحت حراسة مشددة، على الرغم من تدهور حالته الصحية بسبب الإضراب عن الطعام لفترة طويلة. وقد قدّمت جمعيّة أطباء لحقوق الإنسان التماسًا إلى محكمة الشؤون الإدارية في بئر السبع، مطالبة بازالة الصداف.

توجّه كايد إلى المحكمة العسكرية، مطالبة بإلغاء اعتقاله. في 5/7/2016 صادق القاضي العسكري احتياط رون دلومي على أمر الاعتقال. درس المادة السريّة، وخلص إلى أنه لا يمكن الكشف عنها "خشية أن يضر الأمر بأمن المنطقة أو الأمن العام"، وأقرّ بأنّ هذه المواد "معتمدة وأمينة فيها ما يؤسس الشبكة الوقائعيّة المطلوبة لدراسة تبرير اعتقال المدعى عليه". يشير القاضي العسكري احتياط دلومي أنّه " بعد مراجعة المعلومات السرية بشكل معمّق، اقتنعت بأنّ المعلومات الواردة لا تزال ذات الصلة، وفيها ما يشي بالخطر المستقبلي الذي يشكله المدعى عليه. في ضوء ذلك، وجدت أن أمن المنطقة والأمن العام يستدعيان الاعتقال الإداريّ للمدعى عليه، وأن فترة الاعتقال الإداري التي أٌرّها القائد العسكري في أمر الاعتقال تفي بمتطلبات القانون التناسبيّة ". ويضيف القاضي العسكر احتياط دلومي أنّه لا توجد أي وسائل بديلة لتجنب الخطر الذي يشكّله وأنّ إمكانية التحقيق الجنائي "ليست عمليّة".

بعد صدور الحكم، قدّم كايد استئنافًا إلى محكمة الاستئناف العسكرية. في تاريخ 27/7/2016 أقرّ رئيس المحكمة العقيد نتانيئيل بنيشو، بأنّه درس المعلومات الاستخباراتيّة وعقد جلسة من طرف واحد، استمع خلالها إلى شروح قدّمها ممثّلون عن جهاز الامن العام (الشاباك) "بشأن طبيعة المعلومات وموثوقيّتها، وكذلك فيما يتعلق بتقييم الخطورة". وفق أقواله، "فإنّ سبب الاعتقال الإداري يكمن تمامًا في الخطر الأمنيّ الواضح، الذي يشكّله المستأنف، وهو خطر سيزداد بشكل كبير إذا تمّ الإفراج عنه. يستند هذا الخطر على معلومات محيّنة، ومعتمدة وتتقاطع بمصادر مختلفة، لذلك ليس هناك شك في النتيجة التي تتعلّق بأفعال المستأنف قبل اعتقاله، ونواياه بعد اعتقاله". يشير العقيد بنيشو إلى أنّه درس حقيقة أنّ كايد أطلق سراحه بعد فترة حبس طويلة، لكن، "في نهاية النقاش، خلصت أنا أيضًا إلى نتيجة بأنّه في هذا الوقت، تطغى المصلحة الأمنيّة". وبناء على ما سبق، رفض العقيد بنيشو الاستئناف.

يستند الاعتقال الإداري على الأمر الإداري لقائد لواء المركز فقط. في إطار هذه العملية، لا يتم تقديم لائحة اتهام ضد المعتقل، لا تُعرض أدلّة تثبت أنه مذنب ويمكنها أن يدحضها، ولا يُعطى فيها قرار قضائي يحدد ما إذا كان مذنبًا أو بريئًا. على الرغم من أن المعتقل يمكنه أن يتوجّه إلى المحكمة ويطلب منها تدرس تبرير الاعتقال، ولكن حتى عندها ـ لا ينكشف المعتقل على المواد السرية، والقاضي هو الشخص الوحيد الذي يطّلع عليها.

من الناحية النظرية، يمكن للقضاة أن يكونوا ممثّلين عن المتهم، وأن يطالبوا بتوضيحات من قبل ممثّلي جهاز الامن العام (الشاباك) وحتّى إشراك المعتقل على الأقل بقسم من المواد المتوفرة في القضية، حتى يتمكن من الرد عليها. في الأحكام الصادرة في كايد في الحالتين يشير القضاة العسكريّون إلى أنّهم درسوا جميع الأسئلة المطلوبة لتحديد قانونية اعتقاله، وفقا لقرار المحكمة العليا. هكذا، على سبيل المثال، يشيرون إلى أنّهم درسوا المعلومات بشكل معمّق، لأنه لا توجد وسائل بديلة، لأنّ المعتقل يفي بمتطلبات التناسبيّة ولأنّ المصلحة الأمنيّة تطغى.

لكن، على الرغم من استخدام جميع الكلمات الصحيحة، فإنّ هذا لا ينبغي أن يحجب جوهر العملية: في جهاز القضاء العسكري، القضاة هم جنود رسميّون، هدفهم تطبيق القانون العسكري على السكان المدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم العسكريّ. هم ليسوا محكمين محايدين في الجهاز القضائيّ الإسرائيليّ ـ وإنما يمثّلون مصالح الاحتلال لأنّهم شركاء في إدارته. كلا القرارَين بشأن كايد يعكسان جيدًا هذا الواقع.

معنى "الاعتقال الإداري" هو اعتقال لا يتحدد بالوقت، يتمّ دون محاكمة، دون إدانة، استنادا إلى "أدلّة" سريّة لا يمكن للمعتقل أن يدافع عن نفسه أمامها بتاتا. إسرائيل تستخدم هذا الإجراء الوحشيّ ضد الفلسطينيين كأمر روتينيّ وصحيح لغاية نهاية نيسان عام 2016 اعتقل إداريًا ما يقرب من 700 شخصًا، من بينهم 13 قاصرًا.

ولكن، حتى هذا في الواقع القاسي، فإنّ الاعتقال الإداري لشخص بالضبط في نفس اللحظة التي يُنهي فيها حكما طويلا بالسجن هو خطوة استثنائيّة في شدّتها. السلطات تدع السجين وشأنه وتسمح بإطلاق سراحه وفق رغبتها. ووفق رغبتها تمدّد مدة حبسه بالاعتماد على سرية ومجهولية المعلومات: في هذه المرحلة بعد نصف عام، يعني 15 عامًا، وليس 14 عاما ونصف. وستعود لاحقًا ـ وفق رغبتها ـ وتصدر ضدّه أوامر إداريّة أخرى. على الرغم من ذلك، وبطريقة يسترعي الاندهاش حتى في السياق المتطرّف للمحاكم العسكرية، صادق القضاة العسكريّون ـ منهم رؤساء المحاكم العسكريّة ـ في هذه الحالة أيضًا على أمر الاعتقال.

يجب على السلطات الإفراج عن بلال كايد على الفور والسماح له بالعودة إلى منزله، وإلى عائلته وحياته.

مواد مقترحة

فتًى فلسطينيّ في مظاهرة ضدّ الاعتقالات الإداريّة جرت عند بوّابات سجن عوفر. تصوير أحمد الباز، أكتيفيست ليست، 19.12.19

الاعتقال الاداري

منذ أربعة أشهر: المعتقلون الإداريّون الفلسطينيّون يقاطعون إجراءات المحاكم الإسرائيليّة والدولة تتجاهل الحجج التي يطرحونها وتُواصل إجراءاتها كالمعتاد

يقاطع جميع المعتقلين الإداريّين الفلسطينيّين منذ 1.1.22 جلسات المحاكم التي تنظر في أوامر اعتقالهم. حتى الآن لم تعقّب أيّة جهة رسميّة على الحجج التي طرحها المعتقلون وتواصل المحاكم النظر في الأوامر كأنّ شيئاً لم يكن. منذ بدأت المقاطعة نظرت المحاكم في عشرات الملفّات رغم تغيّب المعتقلين ومحاميهم عن الجلسات. ما يودّ المعتقلون إيضاحه هو أنّ إجراءات المحاكم الخاصة بالنظر في أوامر الاعتقال الإداريّ ليست سوى مسرحية يُراد منها الإيهام بوجود رقابة قضائيّة بينما يمثل المعتقلون مجرد "كومبارس" في هذه المسرحيّة الرامية إلى شرعنة حبسهم. وما إصرار الدولة على مواصلة عقد هذه الإجراءات كالمعتاد سوى إثبات على صحة الحجج التي يطرحونها وتجسيد لحقيقة أن لا معنى ولا أهمية لحُضورهم الجسدي في هذه المداولات. تُظهر معطيات الجيش الرسميّة أنّ المحاكم العسكريّة تُلغي نسبة ضئيلة جدّاً فقط من أوامر الاعتقال التي تنظر فيها. في معظم الحالات يقبل القُضاة اعتبارات القائد العسكريّ دون أيّ اعتراض وأقصى ما فعلوه هو الإيعاز بتقصير مدّة الاعتقال قليلاً: في الفترة الواقعة بين العامين 2009 و 2013 تم إصدار 3,996 أمر اعتقال إداريّ . من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الفترة، صادقت المحاكم على 2,422 أمراً (نحو 60%) وقصّرت مدة الاعتقال في 1,052 منها (نحو 26%) دون أية قيود على إمكانيات تمديدها مرة ثانية بينما لم تلغ المحاكم سوى 99 أمراً فقط (2.5%) وقصّرت مدة الاعتقال في 196 أمراً (5%) مع تقييد إمكانيّة تمديدها. أما الأوامر الـ 214 المتبقّية (5.3%) فقد أقرّتها المحاكم مع تقييد إمكانيّة تمديد فترة الاعتقال. في الفترة الواقعة بين العام 2015 ونهاية تمّوز 2017 نظرت المحاكم العسكريّة في 3,909 أوامر اعتقال إداريّ. من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الافترة، صادقت المحاكم على 2,953 منها (نحو75%) وقصّرت مدة الاعتقال في 390 أمراً (نحو 10%) دون تقييد إمكانيّة التمديد وألغت 48 أمراً (1.2%) بينما قصّرت مدة الاعتقال في 181 أمراً (4.6%) مع تقييد إمكانيّة التمديد. أما الأوامر الـ 320 المتبقّية (8.1%) فقد وافقت المحاكم على فترة الاعتقال مع تقييد إمكانيّة التمديد. يُنفّذ الاعتقال الإداري بناءً على قرار يُصدره قائد المنطقة العسكريّ، دون تقديم لائحة اتهام ودون محاكمة. فالتشريعات العسكريّة تتيح اعتقال أيّ شخص لمدّة ستّة أشهُر يمكن تمديدها دون أيّ تقييد بحيث تكون مدّة الاعتقال غير محدّدة ولا يمكن أن يعرف المعتقل متى يمكن الإفراج عنه. خلال ثمانية أيّام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري أو من يوم تمديده ينبغي إجراء رقابة قضائيّة وإحضار المعتقل للمثول أمام قاضٍ يكون مخولاً صلاحية المصادقة على أمر الاعتقال أو إلغائه أو تقصير مدّة الاعتقال. يمكن للمعتقل تقديم استئناف على قرار القاضي أمام محكمة الاستئناف العسكريّة بل وتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا أيضاً. لكن في الواقع لا تمارس المحاكم العسكريّة أيّة رقابة قضائيّة على أوامر الاعتقال الإداريّ وإنّما تؤدّي دورها في مسرحيّة يُراد منها الإيهام بوجود رقابة كهذه. فالقضاة يقبلون دون أي اعتراض ما يسوقه جهاز "الشاباك" من ادعاءات بشأن "خطورة" الشخص المُعتقل والتي تبرر اعتقاله بصورة فورية. هذه الادعاءات التي يقدّمها "الشاباك" تستند إلى أدلّة تبقى سريّة ولا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطّلاع عليها. وهكذا فالمعتقل لا يعرف سبب زجّه في السّجن ولا يملك وسيلة لدحض الادّعاءات المتوفرة ضده، ظاهرياً. أحياناً يطلب القضاة الاطلاع بأنفسهم على الموادّ السريّة بينما يمتنعون في أحيان أخرى عن النظر في هذه المواد ولا يحاولون حتى استيضاح ماهيّة المعلومات التي يستند إليها أمر الاعتقال. في الحالتين يبقى المعتقل نفسه مجرّداً من أيّة إمكانية لمجابهة تلك المعلومات الأمر الذي ويُفرغ الإجراء القضائيّ من أيّ مضمون. تكمن المشكلة الأساسيّة في هذه الإجراءات القضائيّة الخاصة بالاعتقال الإداري في أنّ فرضيّة العمل التي يعتمدها القُضاة هي انّ هذا الاعتقال هو وسيلة قانونيّة. السّؤال الوحيد الذي ينظرون فيه هو مدى معقوليّة اعتبارات قائد المنطقة العسكريّ في الحالة العينية التي أمامهم. لكنهم لا ينظرون في قانونيّة الصّلاحيّة نفسها إطلاقاً. بذلك يتجاهل القُضاة تماماً حقيقة أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ على نحو يجعله غير قانوني. خلافاً لأحكام القانون الدوليّ التي تقيّد اللّجوء إلى هذه الوسيلة، تستخدم إسرائيل الاعتقال الإداريّ على نحو واسع وروتيني إذ زجّت على مرّ السّنين بآلاف الفلسطينيّين في سجونها دون محاكمة ودون أن تُطلعهم على الاتّهامات الموجّهة إليهم ودون أن تمكّنهم ومحاميهم من الاطّلاع على الأدلّة ودون أن تُبلغهم متى سيتمّ الإفراج عنهم. وفقاً لمعطيات مصلحة السجون الإسرائيلية، تحتجز إسرائيل اليوم 579 فلسطينيين رهن الاعتقال الإداري. في سنوات الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية احتجزت إسرائيل مئات عديدة من الفلسطينيّين بموجب أوامر الاعتقال الإداريّ. منذ آذار 2002 لم يمرّ شهر واحد كان فيه عدد المعتقلين الإداريّين أقل من مائة وفي جزء من العام 2003 (خلال الانتفاضة الثانية) بلغ عددهم أكثر من ألف معتقل. يختلف الاعتقال الإداريّ عن عقوبة السّجن التي توقعها المحاكم بشخص ما بعد إدانته بارتكاب مخالفة وغايتها الرسميّة من ذلك ردعه عن إعادة ارتكابها مستقبلاً، لا معاقبته على مخالفة ارتكبها سابقاً. إلّا أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ كبديل سهل ومُريح عن الإجراء الجنائيّ وخاصّة حين لا تملك السّلطات أدلّة تثبت التهمة أو حين لا ترغب في كشف الادلّة التي تزعم أنّها في حوزتها. كما تستغل إسرائيل الاعتقال الإداريّ لوضع فلسطينيّين رهن الاعتقال جرّاء آرائهم السياسيّة ونشاطهم السياسيّ السلميّ فقط. يوضع المعتقلون رهن الاعتقال الإداريّ لفترات طويلة تتراوح ما بين عدّة أشهر وعدّة سنوات إذ يجري تمديدها المرة تلو الأخرى وكثيراً ما يصدر أمر الاعتقال الجديد قبَيل انتهاء فترة أمر الاعتقال السّابق بينما يكون المعتقل مقتنعاً بأنه قد أصبح على وشك العودة إلى منزله وبينما تكون أسرته قد أصبحت تتوقع عودته إليها. فتمديد الاعتقال ليس أمراً استثنائيّاً. هنا بعض الأمثلة: في نهاية آب 2012 كانت إسرائيل تحتجز 184 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 29 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (ما يعني أنّه قد جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و 106 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2016 كانت إسرائيل تحتجز 652 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 279 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و96 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2020 كانت إسرائيل تحتجز 355 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 134 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و54 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). الاعتقال الإداريّ وسيلة قاسية يستخدمها النظام الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين بشكل واسع ومخالف للقانون. زيادة على ما في لاعتقال نفسه من مصاعب ورداءة الظروف في السّجون وعزل المعتقل عن أسرته وأصدقائه ومحيطه يُضاف أيضاً ظلم إبقاء المعتقل في حالة التساؤل وعدم الوضوح سواء بشأن سبب اعتقاله أو بشأن موعد الإفراج عنه. يجري النظر في أوامر الاعتقال الإداريّ أمام محاكم عسكريّة يجلس فيها قضاة ومدّعون إسرائيليّون بالزيّ العسكريّ ويعملون بموجب أوامر عسكريّة. بعض الأوامر يتمّ الاستئناف عليها في التماسات إلى محكمة العدل العليا وهناك ينظر فيها قضاة المحكمة العليا. هؤلاء أيضاً لا يمثّلون مصالح المجتمع الفلسطينيّ، مجتمع المعتقلين الماثلين أمامهم، وإنّما مصالح نظام الاحتلال الإسرائيليّ. وبكونهم كذلك، فمن غير الممكن أن يقوموا بدور المحكَّم الحياديّ الذي يسعى لإحقاق العدالة. بدلاً من ذلك، يشكل هؤلاء القضاة إحدى الآليات المركزية في منظومة تكريس السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة.

26 نيسان/أبريل 2022

جنود أثناء اقتحام مخيم العربو للاجئين في محافظة الخليل. تصوير: آن فك، آكتيفستلز، 24.5.13

روتين العُنف

روتين الاحتلال: جنود يهاجمون فتى في السادسة عشرة من عمره في مخيم العروب للاجئين ويكسرون فكه ويعتقلونه لمدة 26 يوما

قرابة الثامنة من صباح الأحد الموافق 29.11.20 اقتحم جيبان عسكريان مخيم العروب للاجئين. رشق فتيان وشبان الجنود بالحجارة الذين ألقوا نحوهم قنابل الصوت والغاز. كانت مستوطنتان قد أصيبتا قبلئذ إصابات طفيفة جراء رشق حجارة عندما كانتا تسافران في سيارة في شارع قريب من المخيم. كان أحد الجيبين يلاحق الشبان فأصاب محمد مقبل (16 عاما) فوقع ثم نهض واستمر في الركض حتى أمسكه الجنود فضربه أحدهم على فكه فوقع ثانية. ركله جندي آخر على جميع أنحاء جسده عندما كان ملقى على الأرض فقيد الجنود يديه ووضعوه في الجيب وقد استمر أحد الجنود في ضربه في الطريق. أُخذ محمد مقبل وفتيان آخرون ممن اعتقلوا في المخيم في اليوم نفسه إلى مركز شرطة "عتسيون" وقد انتظروا هناك ساعات طويلة وكانوا يحققون معهم على نحو متقطع. تم التحقيق مع مقبل في إطار انتهاك حقوقه الأساسية وفي نهايته جعلوه يوقع على وثيقة باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمها. في نهاية التحقيق نقل الجنود الفتية إلى المطبخ وقال لهم أحدهم إن بإمكانهم المبيت على الأرض ولم يعطوا طعاما وشرابا طيلة هذه الساعات. في الثالثة فجرا أخذ الجنود محمد مقبل إلى مستشفى "هداسا عين كارم" في القدس وهناك قيدوه بالسرير ووقف جنود في باب الغرفة ومنعوا والده في البداية من الدخول إليها. بعد يومين أجريت له عملية جراحية في الفك وفي مساء اليوم التالي الموافق 4.12.20 نُقل إلى سجن "مجيدو". قدم الادعاء العسكري ضده لائحة اتهام في 6.12.20 تحوي بندين إذ تطرق الأول إلى إلقاء زجاجة حارقة في آذار 2020 والثاني لإلقاء حجارة في يوم اعتقاله. طالب الادعاء اعتقال مقبل حتى انتهاء الإجراءات ولكن القاضي رفض ذلك. رُفض كذلك استئناف الادعاء وأُطلق سراحه في 25.12.20 بعد إيداعه كفالة قدرها 3,000 شيكل. في 8.3.21 أدين محمد مقبل في إطار صفقة ادعاء وحُكم عليه بالسجن مدة 26 يوما وذلك بعدما شُطب البند الأول من لائحة الاتهام وهي المدة التي قضاها في السجن كما حُوّل مبلغ الكفالة إلى غرامة. ليست حالة محمد مقبل استثنائية وهي تعكس روتين الحياة العنيف الذي يفرضه الاحتلال على الفتية في الضفة الغربية. تعتقل إسرائيل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم بدءا باعتقالهم مرورا بالتحقيق معهم وفي النهاية الإجراءات القضائية في المحاكم العسكرية للشبيبة. صحيح بأن إسرائيل تتفاخر بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أن هذا أمر شكلي هدفه الحقيقي إضفاء الشرعية على الأضرار الجسيمة التي تلحقها بالقاصرين. تحدّث محمد مقبل عن اعتقاله والفترة التي قضاها في السجن وقوامها 26 يوما في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش: كنت أركض بسرعة فصدم أحد الجيبات العسكرية كتفي ثم وقعت ونهضت وأكملت الركض. دخلت إلى منزل كان بابه مفتوحا وكانت ثلاثة جنود يلاحقونني فأمسكني أحدهم وضربني على فكي من اليسار. تألمت كثيرا إلى درجة أنني سقطت أرضا. هاجمني جندي آخر وشرع يركلني في كافة أنحاء جسدي. كان فمي ينزف. نهضت فأخذوني إلى الشارع وقيدوا يديّ من الخلف وأجلسوني أمام دكان مغلق. بعد عدة دقائق وضعوني في الجيب وعصبوا عينيّ. جلست على أرضية الجيب الذي كان فيه أربعة جنود وضربني أحدهم وركلني وبصق عليّ عدة مرات. سار الجيب قرابة 500 مترا وتوقف في مدخل المخيم بالقرب من البوابة فأنزلني الجنود هناك بجوار البوابة الكهربائية ورأيت من تحت عصبة العينين أربعة معتقلين آخرين ممكن اعتقلهم الجنود سابقا كانوا يقفون في المدخل. دنا مني شخص بلباس عسكري وقال لي إنه الكابتن "كرم". كنت قد سمعت عنه وأعلم أنه ضابط الشاباك المسؤول عن مخيمنا. ضربني على وجهي بمؤخرة بندقيته. لقد أزال عصبة عيني وصورني وكذلك بقية المعتقلين ثم بعد خمس دقائق تقريبا أخذونا جميعا في مركبة عسكرية كبيرة إلى مستوطنة "كرمي تسور". تركونا هناك في الساحة نحو عشرين دقيقة. كان فكي ينزف ويؤلمني بشدة. عندها وضعونا في مركبة عسكرية أخرى ونقلونا إلى مركز شرطة "عتسيون". وصلنا إلى هناك في ساعات الظهر وأنزلنا الجنود إلى الساحة ثم في ساعات ما بعد الظهر بدأوا بالتحقيق معنا واحدا تلو الآخر وقد كنت أنا الثالث. قبل التحقيق كلمني محام وقال إن لي الحق بالتزام الصمت وقال لي لا تخف. حقق معي محقق يدعى يوسف وقد اتهمني بإلقاء زجاجة حارقة على حافة إسرائيلية قبل عدة شهور وكذلك برشق مركبات عسكرية بالحجارة. أنكرت التهمتين وبعد 10 دقائق أخرجني المحقق إلى الساحة فتركوني هناك حتى المساء. أعادوني بعدئذ إلى غرفة التحقيق وحقق معي محقق واحد. لقد صرخ بي وقال إنني أكذب وصار يسألني "هل الجنود وأهالي المخيم الذين رأوك تفعل هذا يكذبون وأنت وحدك الصادق؟". استمريت بالإنكار وسجل المحقق ما قلته وأمرني بالتوقيع على إفادتي وقد قال إنني أوقع على ما قلتُه فوقعت وأخذوا بصماتي وصوروني. قرابة الساعة 21:00 وبعد أن انتهوا من التحقيق مع المعتقلين الأربعة الآخرين أخذنا الجنود إلى مكان مقابل الساحة يبدو كمطبخ فقال أحدهم إن بإمكاننا المبيت على الأرض. جاء في ذلك الوقت طبيب عسكري وأجرى لنا فحص الكورونا وسألنا إن كنا نعاني من أمراض. جلسنا على أرضية المطبخ قرابة ست ساعات ولم يوفروا لنا الأكل والشراب كما لم نتمكن من النوم. كان فكي يؤلمني بشدة. كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طيلة هذا الوقت وكان الوقت يمر ببطء شديد. نحو الثالثة فجرا أخرجني الجنود من المطبخ حيث كانوا قد أخرجوا الآخرين قبلئذ. أخذوني بسيارة صغيرة يرافقني أربعة جنود وجلست في المقعد الخلفي بين اثنين منهم وسافرت السيارة إلى مستشفى "هداسا عين كارم" وقد عرفت ذلك من اللافتة في المدخل. وصلت إلى هناك قرابة الرابعة وأجروا لي هناك فحص الكورونا ثانية ثم أعطوني مسكنات للآلام. رافقني جنديان وكان أحدهما من هاجمني عند الاعتقال. أدخلوني إلى غرفة وقيد أحد الجنديين يدي اليسرى بالسرير. لم أستطع النوم من شدة الألم. في المساء أخذوني لإجراء صور أشعة ثم أعادوني إلى الغرفة التي كان فيها مريض من القدس فقال لي إنه سمع الأطباء يقولون بأنهم سيجرون لي عملية جراحية. جاء والدي بعد الغروب وحاول الدخول إلى الغرفة. لقد نادى عليّ وسألني عن حالي فطرده الجنديان. حاول والدي مرات عدة أن يصل إلى باب الغرفة ليطمئن علي ويقول لي ألّا أقلق. بعد ظهر اليوم التالي الموافق الثلاثاء نقلوني إلى غرفة أخرى وبدلوا الجنديين. سمح الجنود الجدد لوالدي بالدخول إلى الغرفة لبضع دقائق والتحدث إليّ حيث أخبرني بأنه وقع على تصريح بإجراء عملية جراحية لي وقال إنها ستجرى يوم الأربعاء. أخذوني يوم الأربعاء إلى غرفة العمليات وقد بدأت العملية قرابة الساعة 12:00 واستمرت نحو 4 ساعات أعادوني بعدها إلى الغرفة. علمت بأن الأطباء قد ثبتوا فكي من الجهة اليسرى مما منعني من مضغ الطعام وتحريك فكي. قرابة الثامنة مساء يوم الخميس أخذوني بمركبة لنقل المعتقلين إلى سجن "مجيدو" وقد كانت يداي ورجلاي مقيدة. في السجن أدخلوني إلى غرفة مكثت فيها لوحدي أربعة أيام ثم نقلوني إلى غرفة أخرى فيها خمسة معتقلين قاصرين. بقيت في سجن "مجيدو" 18 يوما. كنت أحصل على الحساء ومسكنات الآلام وقد حضرت في هذه المدة ثلاث جلسات للمحكمة عبر الفيديو وقد كان المحامي يمثلني. نقلوني لاحقا إلى سجن "عوفر" وهناك أجريت الجلسة الأخيرة في 24.12.20 والتي حضرتها عبر الفيديو أيضا. استمرت الجلسة مدة فاقت نصف الساعة وسألني القاضي عما أنوي فعله عندما أعود إلى المنزل فأجبته بأنني أود العودة إلى المدرسة. لم أفهم كثيرا مما قاله المترجم بسبب مشاكل تقنية في الإرسال ولم أفهم ماذا قرر القاضي. أعادوني إلى غرفة في "عوفر" وبقيت هناك في الليل. في صباح يوم الجمعة أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي وعندما فعلوا علمت بأنني خرجت مقابل كفالة قدرها 3,000 شيكل. في نفس اليوم الموافق 25.12.20 قبيل الظهر أخذني جيب عسكري إلى حاجز الجيب وكان والدي ينتظرني هناك بسيارة صديقه وذهبنا إلى المنزل. لا أستطيع حتى الآن الأكل بشكل اعتيادي وأتناول السوائل فقط وقال لي طبيب في مستشفى في الخليل إنني أحتاج أسبوعين على الأقل لنزع المثبت المعدني من فكّي. منير مقبل والد محمد (47 عاما) وهو والد لستة أبناء أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 6.12.20 عندما كان محمد ما يزال معتقلا: في ساعات الظهر من اليوم التالي للاعتقال اتصلوا بي من مستشفى "هداسا" وطلبوا مني الذهاب إلى هناك للتوقيع على تصريح لإجراء عملية جراحية لابني محمد. لقد أرسلوا لي دعوة أرسلتها إلى مكتب التنسيق والإرتباط وفي الخامسة تلقيت تصريح دخول. ذهبت رأسا إلى مستشفى "هداسا" وصعدت إلى الطابق السابع ورأيت محمد في إحدى الغرف وحاولت الدخول إليه لكن الجنديين الذين كانا في الغرفة منعاني. وقفت في مدخل الغرفة وسألت محمد عن حاله فقال إنه بخير. حاولت مرارا دخول الغرفة لكن الجنديين لم يسمحا لي بذلك. تمكنت من تصوير محمد والذي كان مقيدا بالسرير. بقيت طيلة الليلة في الرِواق وحاولت أن أغفو على أحد الكراسي هناك لكني لم أستطع. في يوم الثلاثاء نقلوه إلى غرفة أخرى وقد استبدل الجنديين الذين كانا هناك جنديان آخران. سمح لي أحد الجنديين الجديدين بالدخول إلى الغرفة والتحدث معه لبضع دقائق كما تمكنت كذلك من تصويره. كانت يده اليسرى مقيدة بالسرير وقد علمت من أحد المرضى في الغرفة بأن العملية الجراحية ستُجرى في يوم الأربعاء. قرابة الساعة 12:00 من يوم الأربعاء أخذوه إلى غرفة العمليات وقد استمرت العملية 4 ساعات أعادوه بعدها إلى الغرفة وتمكنت من التحدث معه لمدة ربع الساعة تقريبا. شرح لي الأطباء بأنهم وضعوا له مثبتا معدنيا على الفك ولذلك سيكون من الصعب عليه تناول الطعام لمدة طويلة. توقعت أن يظل محمد في المستشفى لاستكمال العلاج لكنني تفاجأت في اليوم التالي أي يوم الخميس في ساعات المساء أن الجنود نقلوه إلى سجن "مجيدو". عدت إلى البيت وقد بقت على اطلاع بالمجريات بواسطة محامي الهيئة الدولية للدفاع عن الطفل. أنا وأمه قلقان جدا لأنهم أعادوه إلى السجن بعد العملية الجراحية مباشرة.

21 آذار/مارس 2021

معتزّ جعفر حمد بعد إطلاق سراحه. تصوير: اياد حداد ، بتسيلم ، 27.10.20

المحاكم العسكريّة

من يعترف مُدان حتى لو ثبتت براءته

معتزّ جعفر حمد شابّ في الـ25 من عمره من سكّان مخيّم قلنديا للّاجئين. اعتُقل في 5.5.19 في حاجز قلنديا وفي حوزته حقيبة في داخلها زجاجتين حارقتين كان يعتزم قذفهما نحو عناصر قوّات الأمن لكنّه تراجع في اللّحظة الأخيرة وسلّم نفسه. بعد اعتقاله اقتيد للتحقيق واعترف أثناءه بأنّه قذف في الماضي زجاجات حارقة نحو قوّات أمن دخلت المخيّم ورشقهم بالحجارة. عقب ذلك قدّمت النيابة العسكريّة لائحة اتّهام جرّاء مخالفات ارتكبها "قبل اعتقاله بنحو السّنة أو في وقت يقارب ذلك". في كانون الثاني 2020 وبعد مضيّ 8 أشهر على اعتقاله أدانته المحكمة بناءً على صفقة ادّعاء بتهمة قذف زجاجة حارقة وحكمت عليه بالسّجن لمدّة 20 شهراً (14 منها عقاباً على تلك المخالفة وستة أخرى تنفيذاً لعقوبة سجن سابقة) وسجن مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 2,000 شيكل. إلى هنا - روتين معهود فالمحاكم العسكريّة "تنظر" في آلاف الحالات المشابهة كلّ سنة. لكنّ تطوّراً مفاجئاً جعل هذه الحكاية فريدة من نوعها: عندما وصل ملفّ معتزّ حمد إلى "لجنة الثلث" في سلطة السّجون لاحظت محاميته أسمهان عبد الهادي غرابة في تاريخ المخالفة التي أدين بها في المحكمة وسُجن جرّاءها - أي شهر أيّار 2018 إذ كان معتزّ في ذلك الوقت سجيناً أصلاً! كان يقضي عقوبة جرّاء إدانة سابقة. قدّمت المحامية طلب إعادة محاكمة لكنّ النيابة في ردّها الذي قدّمته للمحكمة أصرّت على أنّ هذه المعلومات لا تؤدّي بالضرورة إلى إلغاء إدانة معتزّ حمد وأنّ عليه أن يمضي في عقوبة السّجن التي حدّدتها المحكمة. في 15.10.20 عقدت المحكمة جلسة للنظر في طلب إعادة المحاكمة قبلت خلالها النيابة - عقب اقتراح من القاضي - تقصير مدّة عقوبة معتزّ بحيث يُخلى سبيله في اليوم نفسه، ومع قبولها أوضحت النيابة أنّها تقبل بذلك لا موافقة على طلب الدّفاع وإنّما بسبب تبيُّن "إخفاقات عدّة" في الإجراءات. يشكّل هذا التطوّر غير العاديّ في قضيّة معتزّ حمد فرصة لفحص طرق عمل النيابة والاعتبارات التي توجهها، لكنّه يؤكّد أساساً أنّ النيابة أو القضاة لا يعنيهم بتاتاً السّؤال هل ارتكب أم لم يرتكب متّهم فلسطينيّ المخالفة المنسوبة إليه في لائحة الاتهام - هو في نظرهم مُدان حتى لو ثبت العكس. من الاعتقال إلى الإدانة جرى التحقيق مع معتزّ حمد مرّتين بعد اعتقاله. جرى التحقيق الأوّل في 6.5.19 حيث شرح كيف حصل على الزجاجات الحارقة وكيف تراجع وقرّر ألّا يقذفهما. أثناء التحقيق سأله المحقّق "كم مرّة سبق أن قمت بإعداد زجاجات حارقة؟" فأجابه حمد أنّ هذا الأمر "حدث مرّة واحدة في المخيّم، كانت مواجهات، وهذا كلّ شيء". وعلى سؤال المحقّق متى وقعت الحادثة أجاب: "قبل سنة، لا أذكر في أيّ تاريخ" وردّاً على السّؤال نحو من قذف الزجاجات أجاب: "كانت مواجهات وكان الجيش في داخل [المخيّم]". قال إنّه لا يذكر كم زجاجة قذف ربّما واحدة وربّما اثنتين وأنّهما أصابتا الأرض. بعد مضيّ يومين خضع معتزّ حمد لتحقيق آخر وقد تمحور التحقيق في هذه المرّة حول قذف الزجاجات الحارقة التي تحدّث عنها في التحقيق السّابق. قال معتزّ للمحقّق إنّ هذا الأمر كما يذكر قد حدث عندما جاء الجيش إلى المخيّم لكي يعتقل فلاناً - (يذكر الاسم) فقام هو وأشخاص آخرون من سكّان المخيّم برشق الحجارة نحو الجنود. فحص المحقّق في النظام المحوسب اسم الشخص الذي ذكره معتزّ وفي نهاية التحقيق ذكر في الملفّ أنّ هذا الشخص اعتُقل في 30.10.17 - أي قبل إجراء هذا التحقيق بسنة ونصف السّنة. على أساس هذه المعلومات قدّمت النيابة العسكريّة في 20.5.19 لائحة اتّهام ضدّ معتزّ حمد تضمّنت تُهمتين هُما "قذف غرض حارق" و-"قذف أشياء نحو شخص أو ممتلكات" ارتكبهما "قبل اعتقاله بنحو السّنة أو في وقت يقارب ذلك". بعد تقديم لائحة الاتّهام جرى تمديد اعتقاله حتى انتهاء الإجراءات - كالمعتاد في المحاكم العسكريّة. في 8.1.20 وبعد أن أمضى معتزّ حمد في السّجن ثمانية أشهر طُرحت أمام المحكمة صّفقة الادعاء والتي اتفق عليها الطرفان ووفقاً لها شُطبت من لائحة الاتّهام تهمة رشق الحجارة. وكالمتّبع دائماً استعرض ممثّل النيابة تفاصيل الصّفقة أمام المحكمة ثمّ أوضحت القاضية الرّائد ميراف هركوفيتش - يتسحاقي، للطرفين أنّها غير ملزَمة بالتسوية التي توصّلا إليها. قرأت القاضية على الأسماع لائحة الاتّهام المعدّلة وأوضح محامي الدّفاع أنّ معتزّ حمد يفهم ما قيل ويعترف بالتّهمة ثمّ أعلنت القاضية أنّها تدينه بناءً على اعترافه. في قرار الحُكم كتبت القاضية أنّه "حوالي أيّار 2018" قذف معتزّ حمد زجاجة حارقة نحو عناصر قوّات الأمن وتبعاً للتفاهُم المسبق بين الطرفين حكمت على المتّهم بالسّجن الفعليّ لمدّة 14 شهراً جرّاء هذه التهمة. إضافة إلى ذلك قامت بتفعيل حُكم سابق بالسّجن مع وقف التنفيذ لمدّة سنة وقرّرت أنّ المتّهم سيمضي ستّة أشهر منها تراكميّاً (أي أنّها تُضاف إلى عقوبة السّجن الجديدة) وستّة أخرى تطابُقيّة (تُدمج في عقوبة السّجن الجديدة)، وبالمُجمل حُكم على معتزّ حمد بالسّجن الفعليّ لمدّة عشرين شهراً. إضافة إلى ذلك حُكم عليه بالسّجن 12 شهراً مع وقف التنفيذ لمدّة خمس سنوات وبدفع غرامة ماليّة بقيمة 2,000 شيكل أو استبدالها بالسّجن لمدّة شهر. بذلك انتهت الإجراءات. طلب إعادة المحاكمة وردّ النيابة لاحقاً تبيّن أنّه في أيّار 2018 الشهر الذي يُفترض أنّ المخالفة التي أدين معتزّ جرّاءها قد وقعت فيه كان معتزّ يقضي عقوبة سجن جرّاء مخالفة أخرى. بالنظر إلى قائمة الإدانات والعقوبات بحقّه - والتي تظهر في ملفّ التحقيق وكانت بيّنة أمام النيابة والقاضية - كان معتزّ سجيناً منذ 17.12.17 إلى 10.8.18 ثمّ مجدّداً من 27.9.18 إلى 12.11.18. قدّمت المحامية أسمهان عبد الهادي إلى المحكمة العسكريّة طلب إعادة محاكمة بموجب البند 157 لأمر تعليمات الأمن حيث ظهرت أدلّة مهمّة من شأنها أن "تغيّر نتيجة المحاكمة لصالح المحكوم عليه" وحيث يُخشى أنّه قد "حصل إخفاق قضائيّ" حيث الأدلّة الموجودة في الملف لا تكفي لإسناد وإثبات إدانة. رغم هذا الاكتشاف المُحرج ارتأت النيابة أن لا تتراجع عن لائحة الاتّهام وعوضاً عن ذلك قدّمت للمحكمة ردّاً مطوّلاً ومفصّلاً تصرّ فيه على أنّ طلب إعادة المحاكمة باطل ويجب رفضه قطعاً لأسباب إجرائيّة أساساً، إذ ترى النيابة أنّه كان ينبغي تقديم استئناف لا طلب إعادة محاكمة وأنّه قد حدث "تباطُؤ" في تقديم الطلب. ورغم اعتقاد النيابة أنّ هذه الأسباب الإجرائيّة كافية لرفض طلب إعادة المحاكمة إلّا أنّها تطرّقت إلى صُلب الموضوع أيضاً. ومن هذه الناحية ترى النيابة أنّه كان يكفي لإدانة معتزّ حمد اعترافُه بارتكاب المخالفة المنسوبة إليه في لائحة الاتّهام. أمّا حقيقة أنّه كان يمضي عقوبة سجن في التاريخ المشار إليه في قرار الحُكم على أنّه وقت ارتكاب المخالفة فليس لها - في هذه المرحلة -أيّ معنى. ترى النيابة أنّ "الإدانة نتاج اعترافه أمام المحكمة بما يُنسَب إليه. هذا الاعتراف قام به المتقدّم [بطلب إعادة المحاكمة] بإرادته الحرّة حين كان ممثّلاً في الإجراء [القضائيّ]". وتتابع النيابة في ردّها: نعم قد تكون هناك حالات - استثنائيّة جدّاً - يتراجع فيها شخص عن اعترافه لكنّ هذه الحالة ليست واحدة منها إذ "لم يعرض [مقدّم الطلب] أيّ دليل على خلل شاب اعترافه" كأن يثبت أنّه انتُزع منه رغم إرادته أو أنّه أدلى به في ظرف مخالف للقانون أو أنّ تمثيله شابه خلل". وتؤكّد النيابة: على أيّ حال اتّضاح وجود معتزّ حمد في السّجن في أيّار 2018 لا يعني تبرئته فليس ثمّة أدلّة جديدة (لأنّ مكوثه في السّجن في أيّار 2018 كان معلوماً له طوال الوقت) والأهمّ من ذلك أنّ هذا ليس دليلاً ذا "كتلة حَرجة" وبالتالي فليس ثمّة "أدلّة أو حقائق من شأنها أن ترجّح كفّة الميزان" كأن تكون ذات "وزن نوعيّ من شأنه أن يغيّر نتائج المحاكمة لصالح المحكوم عليه" - وهي الشروط المحدّدة قضائيّاً (في قرارات المحاكم) لقبول طلب إعادة محاكمة. سبب استخفاف النيابة الرئيسي بهذه الحقيقة هو أنّها أساساً لا تصرّ على أنّ معتزّ حمد قد ارتكب المخالفة المنسوبة إليه في الموعد المشار إليه في لائحة الاتّهام والذي يؤكّد عليه قرار الحُكم. تقول النيابة في ردّها: "رغم أنّ شهر أيّار 2018 هو الوقت المحتمَل لكنّه ليس الوقت الوحيد" ومن الواضح أنّه "لا يمكن قبول نظريّة تقول إنّ وقت ارتكاب المخالفة كان ممكناً تحديدًا خلال شهر أيّار 2018 وفقط خلاله". وتدّعي النيابة: "هناك أوقات كثيرة خلال هذه السّنة لم يكن خلالها في السّجن بحيث أمكنه أن يرتكب أثناءها المخالفة". يكاد المرء يحسب النيابة في ردّها تتذمّر من أنّ معتزّ حمد لم يذكر معلومات دقيقة عن وقت ارتكابه المخالفة التي نُسبت إليه، إذ نراها تشير إلى خضوعه مرّتين للتحقيق ورغم ذلك "لم يُدلِ في التحقيقين برواية يمكن أن يُستخلص منها متى بالضّبط ارتكب المخالفة" وإنّما أدلى "بإطار زمنيّ على وجه التقدير فقط"؛ كما تشير النيابة إلى أنّه قال في التحقيق الأوّل إنّ الحادثة كانت "قبل سنة، لا أذكر في أيّ تاريخ"، وقال في التحقيق الثاني إنّها وقعت أثناء عمليّة اعتقال شخص من سكّان المخيّم بينما أظهر الفحص أنّ هذا الشخص اعتُقل قبل نحو سنة ونصف السّنة من اعتقال معتزّ حمد. وعليه تؤكّد النيابة أنّ هذه المعلومات المتناقضة تدلّ بالضّبط على "أنّ لدى مقدّم الطلب إرباك يخصّ فقط وقت حدوث الشغب لا حدوثه وقذف الزجاجة الحارقة". عقدت محكمة الاستئناف العسكريّة جلسة في 15.10.20 بحضور رئيس المحكمة القاضي العقيد نتانئيل بنيشو توصّل الطرفان خلالها إلى تفاهُم يتمّ بموجبه الإفراج عن معتزّ حمد - ولكن دون تبرئته، وكلّ هذا في إطار مسرحيّة يتّفق الطرفان فيها أنّه قد تمّ تقديم طلب لتمديد مُهلة الاستئناف وأن تتمّ الموافقة على الطلب وأن تقبل المحكمة في جلسة النظر في الاستئناف تخفيف العقوبة بحيث تنتهي مدّة سجن معتزّ حمد بالضّبط في يوم الجلسة. وقد أكّد ممثّل النيابة أنّ "اتّفاقنا لا ينجم عن قبول حجج الدّفاع بخصوص إعادة المحاكمة وإنّما عن عدّة إخفاقات حدثت خلال إجراءات التحقيق والمحاكمة". تبعاً لهذا التّفاهُم قرّر القاضي العقيد بنشو ما يلي: بعد أن استمعتُ إلى الحجج التي قدّمها الطرفان وعلى ضوء انطباع لديّ بأنّ التّفاهُم والموافقة عليه يخدمان على النحو الأمثل تحقيق العدالة ومصلحة مقدّم الاستئناف، وبالنظر إلى الإخفاقات التي حدثت خلال التحقيق والمحاكمة فإنّني أوافق على طلب تمديد مُهلة الاستئناف. وكذلك أقبل تفاهُم الطرفين بخصوص الاستئناف أي بدلاً من مجمل مدّة السّجن التي حُكم بها على المستأنف أن يمضي في السّجن مدّة تساوي الفترة التي أمضاها منذ يوم اعتقاله، أي سنة وخمسة أشهر وأحد عشرة يوماً… إضافة إلى ذلك على المستأنف أن يدفع غرامة قدرها 1,000 شيكل. إنّه الرّوتين المعتاد قضيّة معتزّ حمد فريدة من نوعها فقط لناحية أنّه يتبدّى من خلالها على نحوٍ صارخ الأداء الرّوتينيّ لجهاز المحاكم العسكريّة: ضحالة الموادّ التي تستند إليها النيابة والدّور شبه الهامشيّ الذي يقوم به القضاة والأهمّ: تنحية الحقيقة جانباً خلال سير إجراءات المحاكمة واستغناء النيابة والقضاة عن أيّة أدلّة لدى إدانة المتّهم. في قضيّة معتزّ حمد لم يكن للنيابة أيّة معلومة مستقلّة عن ارتكاب مخالفة أصلاً. كلّ ما كان لديها بضعة جُمل متفرّقة - ومتناقضة - أدلى بها خلال جلستي تحقيق منفصلتين. لم تبذل النيابة أيّ جهد للحصول على معلومات إضافيّة - من قَبيل توثيق للحادثة على يد قوّات الأمن أو حتى تقاطُع أوقات سجنه مع أوقات ترى من المحتمل أن تكون المخالفة ارتُكبت خلالها. تحدث الأمور على هذا النحو لأنّ النيابة لا ترى أنّ هناك حاجة للحصول على أدلّة تثبت تورّط المتّهم بارتكاب المخالفة فهذا في نظرها مُثبت بدليل اعترافه. بعد الاعتراف تصبح المسألة مجرّد إجراءات: تقديم لائحة اتّهام وتقديم طلب اعتقال إلى حين انتهاء الإجراءات وصياغة تفاصيل صفقة الادّعاء. أيضاً في المحاكم داخل إسرائيل يقيم القضاة وزناً كبيراً للاعتراف بالتهمة ومن بين أسباب ذلك الفرضيّة القائلة بأنّ الإنسان لا يحمّل نفسه وزر جناية لم يرتكبها. غير أنّ هذه الفرضيّة نالت انتقادات ثاقبة في قرارات المحاكم وفي الأدبيّات القانونيّة. على سبيل المثال في كانون الأوّل 1994 نُشرت توصيات لجنة جولدبرغ بخصوص إدانة شخص فقط على أساس اعترافه؛ ومن بين ما قرّرته اللّجنة أنّ "اعتبار اعتراف المتّهم في التحقيق معه ‘سيّد الأدلّة’ ينبغي قبوله بتحفّظ معيّن، والفرضيّة القائلة أنّه لا أحد يجرّم نفسه بمعنى أنّه لا أحد يحمّل نفسه وزر ذنب لم يرتكبه، لا يمكن قبولها كفرضيّة قانونيّة". بالنظر إلى ذلك تقرّر، قولاً على الأقلّ، أنّ وزن الاعتراف كوزن أيّ دليل آخر - أيضاً حين يُدلى به ضمن ملابسات قانونيّة - ولا يمكن إدانة متّهم على أساسه إلّا بوجود "شيء ما إضافيّ". الاستناد إلى اعتراف معتزّ حمد في الحالة التي أمامنا يذهب حتى أبعد من المعتاد نظراً إلى أنّه قد عُرضت أمام النيابة حقائق تثبت أنّه ما كان يمكنه ارتكاب المخالفة في الوقت المشار إليه في لائحة الاتّهام وفي قرار الحُكم. لكنّها لم تسمح للحقائق أن تُربكها وواصلت التذرّع باعتراف معتزّ حمد، وفي خضمّ ذلك لم تتورّع حتى عن الادّعاء أنّ القاضية أخطأت في التاريخ الذي أشارت إليه في قرار الحُكم - ولم تكلّف النيابة نفسها عناء الاعتراض على ذلك. بل لقد ذهبت النيابة إلى حدّ الاعتراف - الخافت - بأنّه ربّما كان عليها أن تصيغ لائحة الاتّهام بشكل آخر وربّما حتى أن تقوم بإجراء تحقيقات إضافيّة؛ وأكّدت أنّ عدم قيامها بهذه الأمور لا يعني الإضعاف من اعتراف معتزّ حمد. بل إنّ النيابة لكي تبرّر الصّيغة التي رست عليها في لائحة الاتّهام تمادت إلى درجة الادّعاء أنّ دلالات كلمة "يقارب" واسعة بحيث يمكن القول إنّها تشمل شهوراً قبل أو بعد موعد معيّن وهذا يعني عمليّاً نطاقاً زمنيّاً غير محدّد يُفرغ الكلمة من أيّ معنى أو مضمون. السّؤال متى ارتكب معتزّ حمد المخالفة وهل ارتكبها أصلاً - رغم أنّ الإجابة عليه من أهمّ ركائز الاتّهام - لا يُزعج بال النيابة فهي تعتبره تفصيلاً هامشيّاً. من ناحية النيابة اعتراف معتزّ حمد مهما كان باطلاً هو الدليل الوحيد المطلوب لأجل إثبات التّهمة - وهي عمليّاً لا ترى كيف يمكن أصلاً التصدّي له بل ولا يرمش لها جفن حتى أمام دليل قاطع على استحالة قيامه بما تزعمه لائحة الاتّهام. أحداث هذه القضيّة لا تعني أنّنا أمام حالة شاذّة أو فريدة من نوعها بل على العكس: إنّها تؤكّد ما يحدث في آلاف الملفّات الأخرى كلّ سنة. هذه القضيّة تُظهر كيف يمكن الحُكم على شخص بالسّجن حتى في غياب أيّ دليل يُثبت تُهمته: في معظم الحالات يقرّر القضاة تبعاً لطلب النيابة تمديد الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات وتقريباً دون النظر في الأدلّة المتوفّرة. في أعقاب ذلك يضطرّ المتّهمون الفلسطينيّون إلى إدارة إجراءات محاكمتهم من وراء القضبان ممّا يدفع بمعظمهم إلى التوقيع على صفقة مع النيابة. من هنا يندر أن تجري في جهاز القضاء العسكريّ جلسات تقديم إثباتات. ثمّ إنّ المتّهمين يعلمون تمام العلم أنّهم إذا اختاروا أن يُحاكَموا ضمن جلسات إثبات (أدلّة) - حتى لو تمّت في نهايتها تبرئتهم، وهو أمر نادراً ما يحدث في هذا الجهاز، فسوف يقبعون وراء القضبان طوال فترة إجراءات المحاكمة وربّما تفوق هذه الفترة المدّة التي قد يتّفق عليها الدّفاع مع النيابة في إطار صفقة ادّعاء. ما هو احتمال أن يحظى معتزّ حمد بمحاكمة عادلة في جهاز كهذا؟ قد يبدو للناظر من بعيد أنّ المُحاكمات فيه تجري كما في أيّة محكمة أخرى لكنّ المحاكم العسكريّة في الواقع من أشدّ أذرع الاحتلال ضراوة وتلعب دوراً كبيراً في تمكينه من السيطرة على الفلسطينيّين. إدانة معتزّ حمد زوراً وبُهتاناً وأداء النيابة العسكريّة والقضاة في جهاز المحاكم العسكريّة - كلّها تكشف إلى أيّ حدّ تفقد الحقائق معناها في هذا الجهاز وكم التعسّف الذي قد يتضمّنه قرار سجن أيّ فلسطينيّ على يد سلطات الاحتلال: الاتّهام والإدانة والسّجن أمور لا علاقة لها بتاتاً بالسّؤال هل ارتكب هذا الفلسطينيّ مخالفة/جناية وهل ثبتت أمام المحكمة أنّه ارتكبها. هي أمور تتعلّق فقط بالسّؤال هل قرّرت إسرائيل أن تسجن هذا الفلسطينيّ.

19 تشرين الثاني/نوفمبر 2020