الاعتقال الاداري

خطر يتهدّد حياة محمد القيق، الصحفي المعتقل إداريًا والمضرب عن الطعام منذ 65 يومًا

28 كانون الثاني/يناير 2016، حُدّث في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2016

مستجدّات: وفق تقارير وسائل الإعلام، توصّل محمّد القيق والسلطات والإسرائيليّة في تاريخ 26/2 إلى اتفاق يوقف القيق بموجبه الإضراب عن الطعام، المستمرّ منذ 93 يومًا، ويُطلَق سراحه من اعتقاله الإداريّ في 19 تمّوز 2016.

محمّد القيق٬ الصورة بلطف من العائلةمحمّد القيق، وهو صحفي يبلغ من العمر 33 عامًا، مقيم في أبو قش منطقة رام الله، متزوج وأب لطفلين، اعتُقل من قبل السلطات الإسرائيلية في تاريخ 21/11/2016 ونثقل للتحقيق. وبعد شهر، في تاريخ 17/12/21015، صدر ضدّه أمر اعتقال إداري. بعد مدّة وجيزة من اعتقاله للتحقيق، أعلن القيق إضرابا عن الطعام وذلك احتجاجا على الاعتقال، وهو إضراب مستمرّ فيه منذ 65 يوما.

وفقا لجمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان، فإنّ مستشفى "هعيمق" في العفولة، حيث يمكث القيق، منع طبيبًا مستقلا من قبل الجمعية من فحص القيق وبالتالي فلا توجد معلومات موثوق منها حول حالته الصحية. على الرغم من أن المستشفى دحض هذا الادعاء، وأوضح أنه سعى إلى تنسيق جداوله الزمنيّة بحيث يكون الطاقم الطبيّ متواجدًا في القسم، إلا أن جمعيّة أطبّاء من أجل حقوق الإنسان أوضحت في ردّها أنّه لم يُطلب على الإطلاق حضور طاقم المستشفى بهدف الفحص.

تمّ تقديم المعلومات عن الحالة الطبية للقيق في إطار جلسة نظر عقدتها المحكمة العليا بشأن الالتماس الذي تقدّم به القيق من خلال المحامي جواد بولص من نادي الأسير الفلسطيني. في الجلسة أعلنت الدولة أن القيق فقد وعيه قبل نحو عشرة أيّام، وعندها تمّ تقديم العلاج الطبي الطارىء له. منذ ذلك الحين، وفقا لادعاء الدولة، ورغم كون القيق ضعيفًا، ومنهكًا وينام معظم ساعات النهار، إلا أنّه يستجيب ويتكلّم. وأعلنت الدولة أن القيق رفض الخضوع لأيّ فحص طبي، حيث يستند تقييم حالته الطبية فقط على الانطباع الخارجي للأطباء. وفقا للمرجعيات الطبية، المضربون عن الطعام لمدة تزيد عن أربعين يوما يعرّض حياتهم للخطر.

الالتماس الذي قدّمه القيق تناول تبرير اعتقاله الإداري ومستوى الخطر المنسوب إليه نظرًا لإضرابه عن الطعام لفترة طويلة. الحكم، الذي كتبه نائب رئيسة المحكمة العليا "الياكيم روبنشتاين" بموافقة القضاة "تسفي زيلبرشتاين" و"دافنا باراك-ايرز"، نصّ على أن "الأدلة الاستخباراتيّة" التي ظلت سرية، تعتبر هامة، وبالتالي فإنّه اعتقاله مبرّر. على غير العادة، تمّ تفصيل الشبهات الموجهة للقيق في قرار المحكمة: "التورط بنشاط عسكريّ حديث، بنشاطات الكتلة الإسلامية [الحركة الطلابية لحماس] في جامعة بير زيت، وبعلاقة أمنيّة أمام نشطاء في قطاع غزّة ". وفيما يتعلق بالخطر الذي يشكّله القيق اليوم، امتنع القضاة من اتخاذ أي قرار. حدّد القاضي "روبنشتاين" أنّ "الإضراب عن الطعام في حد ذاته ... لا يشكّل عاملا في اتخاذ قرار بشأن صلاحية الاعتقال الإداري". لكنّ القاضي واصل وحدّد بأنّه من المحتمل أن يؤثر استمرار إضراب القيق عن الطعام على ضرورة الاعتقال ولهذا فقد أمر بتبليغ المحكمة يوميًا حول وضعه حالته الطبيّة. لم يوضّح القاضي "روبنشتاين" كيف يواصل القيق، المضرب عن الطعام منذ 65 يومًا وبالكاد يتحرّك، تشكيل خطورة فعليّة بشكل يتطلب استمرار اعتقاله.

وفقا للتقارير، فإنّ المعتقلَين الادرايَين اليهوديين "مئير إتينغر" و"إفياتار سالونيم" يضربان عن الطعام احتجاجًا على اعتقالهما الإداريّ وتخوّفًا من تمديد اعتقالهما. وفقا للتقارير، هما مضربان عن الطعام عشرة أيام (اتينغر) وخمسة أيّام (سالونيم).

الاعتقال الإداري هو اعتقال دون محاكمة، هدفه المعلن هو منع شخص من تنفيذ عملية من شأنها أن تعرض أمن العامة للخطر. على عكس الإجراءات الجنائية، لا يروم الاعتقال الإداري معاقبة شخص على مخالفة ارتكبها ارتكبها، وإنما منعه من ارتكاب مخالفة في المستقبل. إجراءات الاعتقال الإداري سريّة على طولها: لا يتم تبليغ المعتقلين الإداريين عن سبب الاعتقال، ولا يعرفون شبهاتهم. على الرغم من أن المعتقل يمثل أمام قاض من المفروض أن يصادق على أمر اعتقاله، لكن معظم المواد التي تقدّمها النيابة سرية، بحيث يجهل المعتقلون الأدلة الموجودة ضدّهم، ولا يستطيعون محاولة دحضها. يستغل الجهاز الأمني سرية الإجراء بغية سوء استغلال الاعتقال الإداري وبشكل يخالف القانون: يستخدمه الجهاز الأمنيّ أيضا لسجن أشخاص على مخالفات يشتبه أنهم ارتكبوها، لأن الجهاز الأمنيّ لا يريد الكشف عن الأدلّة الموجودة ضدّهم، وليس بهدف منع خطر مستقبليّ.

المعتقلون الإداريون أيضا لا يعرفون متى سيتم الإفراج عنهم: على الرغم من أن كل أمر اعتقال يقتصر على مدة ستة أشهر، لا يوجد تحديد لعدد المرات التي يمكن تمديده فيها. على مدار السنين، اعتقلت قوات الأمن الآلاف من الفلسطينيين إداريًا لفترات تتراوح بين عدة أشهر إلى عدة سنوات. حتى بعض المواطنين الإسرائيليين، بمن فيهم المستوطنون، وُضعوا في الاعتقال الإداري لفترات قصيرة من بضعة أشهر. أثناء مراحل معينة من الانتفاضة الثانية احتجز الجهاز الأمنيّ أكثر من ألف معتقل إداري. حتى نهاية تشرين الثاني 2015، اعتقلت إسرائيل إداريًا، وفقا لأحدث المعطيات التي نقلتها مصلحة السجون إلى بتسيلم، 527 فلسطينيًا، وهو أعلى عدد معتقلين إداريين منذ عام 2009.

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

اوﺿﺎع ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻷراﺿﻲ اﻟﻤﺤﺘﻠﺔ

تستعرض منظمة “بتسيلم” في التقرير السنوي تشكيلة واسعة من المسائل المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة من طرف السلطات الإسرائيلية إبان عام 2011، وهو العام الـ 44 على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. يتضح من معطيات التقرير انه طرأ ارتفاع حادّ في عام 2011 على عدد الفلسطينيين غير الضالعين في الاقتتال والذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية في قطاع غزة. كما طرأ ارتفاع بعدد المواطنين الإسرائيليين الذين قتلهم فلسطينيون في الاراضي المحتلة وإسرائيل، مقارنة مع العام 2010.

21 آذار/مارس 2012

אזיקון הפלסטיק והכפייה שנותרו במקום שבו נטשו החיילים את עומר אסעד. צילום: איאד חדאד, בצלם, 12.1.22

روتين العُنف

"فشل قيَميّ" وتوبيخ خفيف: عندما يقيّد جنود في منتصف اللّيل المسنّ عمر أسعد (78 عاماً) ويُسْلمونه للموت

نحو السّاعة 2:00 قُبيل فجر يوم 12.1.22 اقتحم عشرات الجنود للّيلة الثانية على التوالي قرية جلجيليا الواقعة شمال مدينة رام الله. انتشر الجنود في مجموعات صغيرة عند المفترقات وفي مبانٍ لا تزال قيد الإنشاء وبين الأشجار داخل كُروم القرية. لاحقاً وعند السّاعة 3:00 فجرَ تلك اللّيلة عاد عمر أسعد (78 عاماً) من زيارة أحد أقاربه. يُذكر أنّ عمر أسعد من سكّان جلجيليا وقد عاد إليها قبل 11 عاماً بعد أن كان يُقيم في الولايات المتحدة. عندما وصل في سيّارته إلى مركز القرية أمره نحو خمسة جنود أن يتوقّف. التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر أنّ عمر أسعد خاض جدالاً مع الجنود لعدّة دقائق أصرّ خلاله على حقّه في مواصلة طريقه إلى منزله، ثمّ أخرجه الجنود من السيّارة وجرّوه بالقوّة إلى المفترق حيث تواصل الجدال لبضع دقائق أخرى. بعد ذلك اقتاده الجنود إلى ساحة منزل قيد الإنشاء يبعُد عن المفترق مسافة 100 متر تقريباً وأبقوه هُناك على الأرض ويداه مكبّلتان إلى الخلف وعيناه معصوبتان. بعد مضيّ نحو نصف السّاعة أوقف الجنود في المفترق نفسه أربعة فلسطينيّين آخرين وجلبوهم إلى السّاحة نفسها. أخذ الجنود من الموقوفين الأربعة بطاقات هُويّاتهم وهواتفهم ومفاتيح سيّاراتهم ثمّ أمروهم أن يجلسوا بحيث تفصلهم عدّة أمتار عن بعضهم البعض. بعد أن مضت نصف ساعة أخرى خرج الجنود من السّاحة وغادروا المنطقة. عندئذٍ تنبّه الأربعة إلى عمر أسعد مستلقياً على بطنه ومغمىً عليه، فيما إحدى يديه خلف ظهره وعلى رسغ يده الثانية ’كلبش‘ بلاستيكيّ وعلى عينيه عصبة مرخيّة وإلى جانبه مُلقاة كوفيّته. استدعى الموقوفون طبيباً من عيادة قريبة فأتى وأجرى محاولات إنعاش ولكنّها لم تُجد نفعاً. بعد ذلك نقل الطبيب عمر أسعد إلى العيادة حيث واصل محاولات إنعاشه وإذ لم يستجب أعلن وفاته بعد عدّة دقائق. تشريح جثمان عمر أسعد، الذي أجراه أطبّاء المعهد الفلسطينيّ للطبّ الجنائيّ، بيّن وجود كدمتين في رأسه ممّا يُشير إلى أنّه توفّي نتيجة "سكتة قلبيّة ناجمة عن ضغط نفسيّ إثر العُنف الخارجيّ الذي تعرّض له". أظهر تحقيق بتسيلم أنّ جنوداً أوقفوا أشخاصاً في دُجى اللّيل دون توجيه أيّة شبهة إليهم وأنّهم تعاملوا مع عمر أسعد بعُنف شديد وكانّه ليس من البشر، منذ لحظة توجيه أوامرهم له بإيقاف سيّارته، حيث سحبوه بالقوّة إلى خارج السيّارة وكبّلوا يديه وعصبوا عينيه ودفعوه بعُنف نحو ساحة أحد المنازل، إلى أن ألقوه هُناك على الأرض كما يُلقى غرض. قبل أن يغادر الجنود الموقع أزالوا الأصفاد عن يديه وغادروا دون أن يكترثوا لحقيقة أنّه مغمىً عليه وربّما حتى فارق الحياة. ترك الجنود عمر أسعد ملقىً هناك وغادروا دون أن يُجروا له أيّة إسعافات ودون أن يستدعوا سيّارة إسعاف. على الفور دارت عجلات آلة التمويه والطمس الإسرائيليّة. من جهة أخرى تلوّت مختلف الأجهزة الرسميّة نظراً إلى أنّ عمر أسعد مُواطن أمريكيّ، ولأنّ ملابسات وفاته أثارت ضجّة استثنائيّة في أوسط الرأي العامّ. ضمن ذلك اضطرّ "كوخافي" قائد الأركان بنفسه أن يعقّب على الحادثة مُعتبراً أنّها "حادثة خطيرة جدّا بالمعنى الأخلاقيّ". كذلك وصف قائد المنطقة الوسطى، الجنرال "يهودا فوكس"، ما جرى بأنّه "فشل أخلاقيّ خطير" – كلام فارغ لا غاية منه سوى حماية صورة الجيش وسُمعته. ما يؤكّد ذلك هو أنّه تبيّن فور الانتهاء من التحقيق الميدانيّ أنّ الحادثة لم تترك سوى أثرٍ قليل وهامشيّ حيث تقرّر توبيخ الضابط قائد العمليّة وإقالة ضابطين آخرين بحيث لا يخدمان برُتبة ضابط لمدّة سنتين. وكما هي العادة أعلن الجيش أنّ الشرطة العسكريّة قد باشرت إجراءات تحقيق في ملابسات الحادثة. غير أنّ هذا كلّه لا يتعدّى كونه كلام فارغ، وهذا نقوله على ضوء تجربة بتسيلم المديدة والتي تأكّدت من خلالها أنّ التحقيق الذي باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة ما هو إلّا آليّة من آليّات جهاز متمرّس في طمس الحقائق تديره النيابة العسكريّة. الغاية الأساسيّة من هذه التصريحات والإجراءات هي إسكات النقد الموجّه ضدّ الجيش - وضدّ إسرائيل – في أعقاب هذه الحادثة. منذ البداية لا يهدف التحقيق إلى كشف الحقائق أو اتّخاذ إجراءات ضدّ المتورّطين، وهو بالتأكيد لا يهدف إلى منع تكرار مثل هذه الحوادث أو إنصاف عائلة عمر أسعد ولو قليلاً . يُقيم ر. ق. (62 عاماً) في منزل مجاور للمفترق الذي أوقف فيه الجنود عمر أسعد والفلسطينيّين الأربعة الآخرين. في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد غداة الحادثة قال: في يوم الأربعاء الموافق 12.1.22 وعند السّاعة 3:00 فجراً كنت لا أزال مستيقظاً وقد قرأت أثناء تصفّح الفيسبوك أنّ خمسين جنديّاً يتواجدون في القرية في المنطقة التي يقع فيها منزلي. نظرت عبر نافذة المطبخ فشاهدت عند المفترق القريب من المنزل خمسة أو ستّة جنود يوقفون سيّارة تتجّه مقدّمتها شرقاً، وكان السّائق يخوض جدالاً مع الجنود استمرّ خمس دقائق. بعد ذلك سحبه الجنود من مقعده وأخرجوه من السيّارة ثمّ دفعوه نحو زاوية المفترق وهناك استمرّ الجدال والصّراخ بينهم وبين السّائق لمدّة دقائق أخرى. عندئذٍ شاهدت الجنود يدفعون السّائق أمامهم في طريق ترابيّة ورأيت شيئاً ما يغطّي رأسه ولكن لم ألحظ هل كان ذلك كيس خيش أم معطف الرّجل أم شيئاً آخر. أعتقد أنّه كان مكبّل اليدين لأنّني رأيت جنديّين يُمسكان به من ذراعيه. وفقاً لما رأيت، لم يضرب الجنود الرّجل ولكنّهم عاملوه بعُنف وفظاظة. بعد ذلك تواروا عن أنظاري. في المفترق نفسه أوقف الجنود نحو السّاعة 3:30 فجراً كلّاً من مروّح عبد الرحمن (51 عاماً) من سكّان عارورة وهو تاجر خُضار، وشريكه ع.ح. (56 عاماً) من سكّان عبوين، وأمروهما أن يواصلا السّفر في الطريق الترابيّة وُصولاً إلى مدخل المنزل وهناك أمروا الاثنين أن يدخلا إلى السّاحة ويجلسا هناك. أدناه يحدّث مروّح عبد الرّحمن عمّا جرى عندئذٍ – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدنيّ إياد حدّاد في 12.1.22: أمرنا الجنود أن نواصل السّير إلى أن توقّفنا خلف سيّارة خاصّة مركونة أمام منزل قيد البناء في مراحل التشطيب. هناك أخرجنا الجنود من السيّارة. أنا وشريكي لم نرَ بعضنا البعض بسبب العتمة. فتّشني الجنود وأخذوا بطاقة هُويّتي ثمّ أدخلوني إلى السّاحة التي في واجهة المنزل وأجلسوني على الأرض في إحدى الزوايا. بعد ذلك سمعتهم يجلبون ع. ح.. كنت نعساً ومُنهكاً. نحو السّاعة 4:00 فجراً أيقظتني ركلة في رجلي من أحد الجنود. مرّ الجنديّ عنّي وكان معه على ما أظنّ جنديّان أو ثلاثة آخرون. تجمّعوا لمدّة عدّة ثوانٍ حول شيء ما على بُعد بضعة أمتار منّي. بعد مضيّ بضع دقائق غادر الجنود السّاحة. لم يُعيدوا لنا بطاقات هُويّاتنا والمفاتيح. أخذنا ننظر من حولنا لكي نتأكّد أنّهم غادروا فعلاً. بعد مضيّ بضع دقائق على توقيف مروّح عبد الرحمن وشريكه ع. ح. وصلت إلى المفترق نفسه شاحنة يقودها تاجر خضار من عبوين يُدعى زايد محمد (56 عامًا) ومعه شريكه هـ. م. (55 عاماً). أمر الجنود زايد أن يتوقّف وأمروا شريكه ان يخرج من الشاحنة. بعد ذلك أمر الجنود زايد أن يقود الشاحنة في الطريق الترابيّة في اتّجاه المنزل بينما شريكه يمشي إلى جانب الشاحنة. أدناه يحدّث زايد محمد عمّا جرى آنذاك – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 14.1.22: اقتادوني إلى داخل ساحة أماميّة لفيلّا في مراحل التشطيب الأخيرة وأجلسوني قرب شريكي. كان هناك شخصان آخران أو ثلاثة جالسين على الأرض. كان من الصّعب رؤيتهم بسبب العتمة ووُجود أخشاب مكدّسة وموادّ بناء تُعيق الرؤية. كذلك منعنا الجنود أن نرفع رؤوسنا أو نتحرّك أو نتحدّث مع بعضنا البعض. فقط كانوا يقولون لنا طوال الوقت "اسكت، هدوء، اسكت، اصمت". قلت في نفسي يبدو أنّها حملة اعتقالات. لم نعرف ما الذي يجري من حولنا. كنت أرى في العتم فقط جنوداً يروحون ويجيئون داخل السّاحة أو أمامها أو في الطريق الترابيّة. لم أر حركة مركبات عسكريّة. بقينا نحو نصف السّاعة على هذا الحال. قبل مغادرة الجنود بخمس دقائق مرّ بقربي جندي فركل رجلي وكان يبدو في عجلة من أمره. وقف ذاك الجنديّ مع جنود آخرين اثنان أو ثلاثة، حول شيء ما. لم أرهُم جيّداً ولم أفهم ما الذي كانوا يفعلونه. في إفادته أعلاه، واصل مروّح عبد الرّحمن يحدّث عمّا جرى بعد أن غادر الجنود: مشيت بضع خطوات يميناً فاصطدمت رجلي بشيء ما. نظرت وإذ بها ساق شخص مستلقٍ على الأرض. قلت للآخرين "ها هُنا يوجد شخص آخر" فلم يصدّقني ع. ح. – قال لي "هذا شوال إسمنت". انحنيت وتلمّست الجسم تأكّدت أنّه جسد إنسان. كان الشخص مغطّى بمعطف ولم يتحرّك. أحد الموقوفين ويُدعى زايد محمد كان قد عثر على بطاقات هُويّاتنا وهواتفنا ملقاة على سطح سيّارة خارج المنزل. وجّه زايد ضوء مصباح الهاتف نحو ذاك الشخص وإذّاك عرفت أنّه عمر أسعد المكنّى أبو هاني، وهو من سكّان جلجيليا. كان ملقىً على بطنه وإحدى يديه مربوطة إلى الخلف كأنّما لا تزال مكبّلة وكانت قربها كلبشات بلاستيكيّة مقطوعة. وكان أحد الكلبشات لا يزال يطوّق رسغ يده الثانية. كانت عصبة على عيني الرّجل ولكنّها مرخيّة. أعتقد أنّه حين كان الجنود متجمّعين قربي قبل أن يغادروا قاموا بقطع الكلبشات عن يديه وأرْخوا عصبة عينيه؛ ولكنّهم لم يفعلوا أيّ شيء آخر لإسعافه أو محاولة إنقاذ حياته. بعد ذلك ذهب زايد محمد وشريكه لكي يُحضرا الطبيب من عيادة قريبة، وفي هذه الأثناء كنت وع. ح. نتحدّث مع عمر أسعد ونحاول إفاقته ولكنّه لم يستفق. وجّه ع. ح. ضوء هاتفه نحو عُنق عمر أسعد وقمت أنا بفحص نبض شريان العُنق وكذلك نبض شريان رسغه، ولكن لم أستشعر نبضاً. بعد مضيّ بضع دقائق عاد زايد محمد وشريكه إلى ساحة المنزل ومعهما الطبيب إسلام أبو زاهر (30 عاماً). في إفادة إدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 12.1.22 قال د. أبو زاهر ما يلي: رأيت شخصاً مستلقياً على بطنه وحين قلبته عرفت أنّه عمر أسعد المكنّى أبو هاني، وهو أحد المرضى الذين نعالجهم في عيادتنا فهو مريض سكّري ويعاني مشاكل في القلب، وقد أجريت له عمليّة قلب مفتوح قبل خمس سنوات. كانت العصبة لا تزال على عينيه لكنّها مرخيّة وكان على أحد رسغيه كلبش وإلى جانبه ملقى كلبش مقطوع يبدو أنّه كان يطوّق رسغه الثاني، وكان في تلك اللّحظة ملويّاً إلى الخلف. إلى جانبه كانت كوفيّة حمراء. هو يعتمرها بشكل دائم. أوّل ما لفت نظري حين فحصته ازرقاق واضح في وجهه. كان قد توقّف نبضه ونفسه وجميع العلامات الحيويّة لديه. وصول الإنسان إلى حالة ازرقاق كهذه هو في العادة مؤشّر على أنّه قد مرّ على وفاته على الأقلّ رُبع السّاعة أو عشرون دقيقة. لم ألاحظ على جسمه ولا من حوله ما يدلّ على معاينة طبيب أو حتى محاولات إسعاف أوّليّ. باشرت فوراً في محاولات إنعاش لإنقاذ حياته. دلّكت قلبه طوال عشر دقائق ولكنّه لم يستجب فقرّرت نقله إلى العيادة لاستكمال محاولات الإنعاش. أرشدت أحد الأشخاص الذي كانوا قربي كيف يُواصل محاولات الإنعاش وفي هذه الأثناء ذهبت لكي احضر نقّالة من العيادة وهي تبعد مسافة 150-200 متراً. في الطريق إلى العيادة وهو على النقّالة لا يُمكن مُواصلة التدليك. وصلنا إلى العيادة خلال دقيقتين وهُناك واصلت محاولات إنعاشه بواسطة اليدين في البداية ثمّ بواسطة صدمات كهربائيّة، ولكن لم تحدث أيّة استجابة. سجّلت وفاته بعد مضيّ 20-25 دقيقة على وُصولي إليه. نظميّة أسعد أرملة عمر أسعد، وهي أمّ لخمسة في الـ79 من عُمرها، تحدّث أدناه عن حياتها إثرَ وفاة زوجها – من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 24.1.22 نبأ وفاة زوجي كان صدمة شديدة. فقط بعد انقضاء أيّام العزاء بدأت في استيعاب ما جرى. فجأة وجدت نفسي وحيدة لا حول لي ولا قوّة. صرت أتذكّر حياتنا معاً بدءاً بزواجنا وسفرنا إلى الولايات المتحدة، مُروراً بولادة أبنائنا وحياتنا كأسرة حتى اليوم، وُصولاً إلى استشهاده. تذكّرت أيّامنا معاً بحُلوها ومُرّها. المرحوم زوجي الحاجّ عمر، كان شخصاً حميماً ظريفاً يتمتّع بحسّ الفُكاهة ويحبّه الناس وكان خدوماً يحبّ المُساعدة وكان كريماً وشهماً. يكاد لا يوجد إنسان في القرية كبيراً أم صغيراً لا يعرف الحاجّ عمر أو أبو هاني كما كانوا ينادونه. كان اجتماعيّاً جدّاً دائماً يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم. أنا أفتقده كثيراً وجميع أهالي القرية والمنطقة يفتقدونه. ها قد بقيت وحيدة الآن ولا يوجد من يساعدني. أبناؤنا جميعُهم يُقيمون في الولايات المتحدة. كان زوجي يُناولني دواء الضغط والسكّري وكان يساعدني في الأعمال اليوميّة لأنّني امرأة مُسنّة وأمشي فقط بالاتّكاء على "ووكر" (عُكّاز رُباعيّ الأرجُل). من سيُناولني دوائي الآن؟ من سيشتري حاجيّات المنزل؟ من سيُجالسني حول المائدة لنتناول الطّعام معاً؟ من سيقف إلى جانبي ومن سيأخذني إلى الطبيب ويُرجعني؟ ألله وحده يعلم كم سأعيش من بعده، ربّما أيّاماً وربّما أشهُراً، ولكن المؤكّد أنّني سأعيشُها ملأى بالحُزن. ستكون حياتي بلا طعم ولا روح. أحياناً أستيقظ على صوتي أناديه وأنا نائمة أحلُم. لم نرجع إلى الولايات المتحدة منذ أن عُدنا إلى القرية قبل 11 عاماً، لأنّنا فقدنا بطاقات هُويّة الضفة الغربيّة وحين أتينا بقينا هُنا مدّة أطول من المسموحة لنا. خشينا إن نحن سافرنا أن يمنعونا من العودة إلى هُنا. قدّمنا طلبات للحُصول على بطاقات هُويّة ولكن كلّما سألنا أو استفسرنا في مكتب الشؤون المدنيّة التابع للسّلطة الفلسطينيّة قيل لنا إنّه لا يوجد ردّ من الجانب الإسرائيليّ بعد. انتظرنا وصبرنا على أمل أن نحصُل على بطاقات هُوية فنتمكّن من السّفر إلى الولايات المتحدة لكي نرى أبناءنا وأحفادنا. لقد اشتقنا إليهم كثيراً. يوم أمس أبلغوني أنّ اسمي واسم زوجي في قائمة الأشخاص الذين سيحصلون على بطاقات هُويّة. ولكن ما الفائدة من ذلك وقد توفّي صاحب بطاقة الهُويّة؟ لقد زاد هذا الخبر من ألمي وحسرة قلبي. ما حاجتي الآن إلى بطاقة الهُويّة بعد أن توفّي زوجي؟ تحديث: وضع التحقيق: في 12.1.22 نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق. في 6.9.22 نشرت وسائل الإعلام أن التحقيق قد انتهى وأنه "يُفترض أن تتخذ النيابة العسكرية قرارها بشأنه قريباً".

3 آذار/مارس 2022