عنف المستوطنين = عنف الدولة

إفادة عيسى قطاش الذي ضربه مستوطنون ضربُا مبرحًا عندما كان يتنزه في أراضٍ تملكها العائلة قرب قرية جيبيا في 16.4.20 وكيف تركه الجنود مصاباً وغادروا

إفادة عيسى قطاش (40 عامًا) من سكان مخيم الجلزون للاجئين، أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد في 18.4.20 في محادثة هاتفيّة.

منذ نحو 40 يوماً نحن ممنوعون من الخروج من منازلنا بسبب وباء كورونا ولا نعمل ولا نفعل شيئاً. ضاقت روحنا بسبب الملل والتوتّر فقرّرنا أنا وأخي موسى (39 عاماً) وزوجته وأولاده أن نخرج للتنزّه في أرضٍ زراعيّة يملكها أخي - كان ذلك قبل يومين في 16.4.20 وانضمّت إلينا والدتي وابني الصّغير حمزة (9 سنوات). تقع الأرض عند أطراف قرية جيبيا في منطقة جبليّة تملؤها الأحراش والنباتات البرّيّة. أردنا أيضاً أن نعمل في الأرض قليلاً وأن نتبقّل ونجمع بعض الأعشاب الصّالحة للأكل.

وصلنا إلى الأرض عند السّاعة 12:00 ظهراً تقريباً. أخرجنا من السيّارة الطعام وكلّ لوازم الرّحلات التي جلبناها معنا ثمّ جلسنا على الأرض على بُعد نحو 100 متر تقريباً من طريق ترابيّة تؤدّي إلى موقع في قرية جيبيا يتمّ فيه بناء مجمّع سكني يسمّى "إسكان الأطبّاء". أمضينا هكذا بعض الوقت وتناولنا طعام الغداء معاً. بعض مضيّ ساعة تقريباً تركنا النساء والأولاد وذهبنا أنا وموسى لجمع الأعشاب - الميرمية والزعتر من أراضي البرّ الواقعة ضمن أراضينا.

تجوّلنا على التلال أنا وأخي وذهب كلّ واحد في اتّجاه. عندما كنت على بُعد نحو 200 متر من المكان الذي تركنا العائلة فيه قفز أمامي فجأة مستوطنان اثنان بطريقة أجفلتني لأنّني لم أرهما قادمين فالمنطقة فيها أشجار كثيرة وصخور. كذلك لم أر أخي موسى من موقعي. المستوطن الأوّل يبدو في سنّ الـ17 أو18 عامًا وهو شابّ نحيف متوسّط القامة فاتح البشرة وشعره أجعد. كان يعتمر طاقيّة متديّنين سوداء ويرتدي بنطالاً لونه بيج. المستوطن الثاني بدا في العشرين من عمره بنيته متوسّطة شعرُه أشقر طويل وهو أيضاً فاتح البشرة ويعتمر طاقيّة متديّنين. كان يرتدي بنطالاً وقميصاً بلون ملابس الجيش ويحمل أداة حادّة تشبه الخنجر.

 

الصورة
نقل عيسى قطاش لتلقي العلاج. الصورة بتفضل من العائلة

حين قفز المستوطنان من بين الأشجار صاح الشابّ الأصغر سنّاً "توقّف، توقّف! ما الذي تفعله هنا؟". قلت له "أنا موجود في أرضي وأجمع الميرميّة والزعتر". لم أكد أتمّ جملتي وإذ بكليهما ينقضّان عليّ ويشرعان في ضربي. طلب الشابّ بطاقة هُويّتي فقلت له إنّها ليست معي. أخذا في لكمي وركلي وحاولا دفعي أسفل وإيقاعي أرضاً. كان معهما حبل وحاولا تكبيلي به.

 

المستوطن الأكبر سنّاً ضربني بالخنجر فكدت أموت خوفاً. دفعته عنّي بكلّ ما آتتني قواي ولذت بالفرار إلى الحقول. ركضت فوق الصّخور ثمّ بين المحاصيل حتى أصبحت على بُعد 100-150 متراً وهُما يركضان خلفي. في النهاية لكثرة ما كنت منهكاً أصابني دُوار مفاجئ ولم أقدر على متابعة الفرار. وقعت خلفاً على الأرض. وصل المستوطنان وأخذا في لكمي وركلي وأنا ملقىً أرضاً. في هذه الأثناء انضمّ إلى المستوطنَين اثنان آخران يشبهانهما في المظهر وكان أحدهما يحمل بندقيّة.

 

الصورة
أسنان موسى قطاش الأماميّة المكسورة، 16.4.20. صورة قدمتها العائلة مشكورة

بالكاد تمكّنت من حماية رأسي ووجهي من الضربات. تلقّيت ضربة قويّة على فمي وأحسست أنّ أسناني الأماميّة قد تحطّمت. أحسست الدماء تنزف داخل فمي وعلى وجهي. أخذت أصرخ وأستغيث: "حبّاً بالله! ماذا فعلت لكم ألا توجد في قلوبكم رحمة؟ أنتم تقتلونني ارحموني!"، لكنّ أحداً لم يستمع إليّ. في هذه المرحلة عندما انهرت وخارت قواي تماماً كبّلوا يديّ خلف ظهري بواسطة حبل ثمّ صوّب المستوطن المسلّح بندقيّته نحو رأسي وسحب الزناد وكأنّه يريد إطلاق الرّصاص على رأسي. عندئذٍ صرت أردّد الشهادتين لأنّني أدركت أنّني على وشك أن أموت.

واصل المستوطنون ضربي وشتمي والتهديد بقتلي طوال رُبع السّاعة تقريباً. في لحظة ما رفعوني عن الأرض وبصعوبة شديدة تمكّنت من الوقوف على رجليّ. أحسست أنّ ساقي اليسرى مكسورة ولكنّهم أجبروني على المسير بين السنابل وفوق الصّخور وعبر الشجيرات والأشواك. من حين لآخر كنت أقع أرضاً فيرفعني المستوطنون ويُكملون اقتيادي رغماً عنّي. كنت في حالة يُرثى لها: الدم ينزف من فمي وانتفاخ عينيّ يزداد مع كلّ خطوة أخطوها حتى أنّني بالكاد استطعت أن أفتحهما. حلقي كان جافّاً وشعرت أنّني سأموت من العطش وكنت محطّماً نفسيّاً. كنت في حالة صعبة جدّاً. ألله وحده يعلم كيف كان حالي. طوال الطريق كانوا يواصلون شتمي وضربي - لطماً ولكماً وكذلك بصقوا عليّ.

اقتادني المستوطنون مسافة 300-400 متر حتى وصلنا إلى موقع يتوقّف فيه جيب عسكريّ. يبدو لي أنّ الجيب كان هناك منذ البداية لتأمين الحراسة لهم. عندما وصلنا إلى الجيب أخلى المستوطنون سبيلي أمام الجنود. في تلك اللّحظة خفت أن ينضمّ الجنود إلى المعتدين ويقتلوني. ولكنّ الجنود قالوا للمستوطنين أن يغادروا المكان. بعد ذلك ناولني الجنود زجاجة ماء بدا أنّها مفتوحة وأحدهم شرب منها. أعطوني إيّاها لكي أغسل الدّم عن وجهي وفمي.

سألني الجنود ما اسمي وأين أقيم وماذا أفعل هناك في المنطقة. في هذه المرحلة جاء مستوطن يبدو في نهاية العشرينيّات من عمره، طويل القامة فاتح البشرة ذو شعر أشقر طويل ومجعّد وعينين خضراوين. كان هذا المستوطن يحمل بندقيّة. أخذ يضربني ويشتمني والجنود يحاولون إبعاده عنّي. فهمت من جداله معهم أنّه يعترض على دفاعهم عنّي وأنّه يريدهم أن يتركوني له لكي يقتلني لكنّ الجنود طردوه من المكان فغادر بدوره.

كان مع الجنود ضابط - على كتفه شارتان- قمحي البشرة قصير القامة ويبدو في سنّ الـ25 تقريباً. هو من أعطاني الماء وهو من حاول دفع المستوطن المسلّح عنّي ومنعه من أخذي. بعد أن غسلت الدم عن وجهي وفمي صوّرني الضّابط بواسطة هاتفه - لا أعرف لأجل ماذا. بعد ذلك اتّصل بشخص إسرائيليّ وطلب منّي أن أتحدّث معه. لم أعلم هل هذا الشخص محقّق أم مستوطن لكنّه أخذ يسألني باللّغة العربيّة ما اسمي وأين أقيم ولماذا أتيت إلى هذه المنطقة وطلب أن أعطيه رقم هاتفي ورقم بطاقة هُويّتي. سألني بضعة أسئلة ثمّ أنهى المكالمة. سألني الضّابط هل أودّ تقديم شكوى فقلت له "لا". خشيت أن ينتقم الجنود منّي فيسلّموني للمستوطنين ويقتلني هؤلاء لذلك قلت له إنّني لا أريد تقديم شكوى. عندئذٍ قال لي الضّابط "هيّا اذهب. امشِ من هنا".

كنت بين يدي الجنود لمدّة نصف السّاعة تقريباً. خلال هذا الوقت اتّصلت بي والدتي عدّة مرّات لكنّ الجنود لم يسمحوا لي بالردّ. عندما قال لي الضّابط اذهب طلبت منهم أن يقلّوني إلى أقرب مكان لقريتنا لأنّني لا أقدر على المشي. قلت لهم إنّ ساقي مكسورة وهم رأوا بأنفسهم وضعي وكان واضحاً لهم أنّني أقف بصعوبة لكنّهم رفضوا مساعدتي. هم حتى لم يحاولوا أن يسعفوني. بكلّ بساطة تركوني هناك وغادروا المكان.

استجمعت قواي وابتعدت عنهم قبل أن يعود المستوطنون ويهاجموني مرّة أخرى. أخذت أتقدّم - حيناً أعرج وحيناً أزحف. كنت كلّما وقفت أقع أرضاً. وهكذا حتى قطعت مسافة 300-400 متر استغرقت نحو 45 دقيقة ووصلت إلى طريق ترابيّة تؤدّي إلى القرية. اتّصلت بأفراد أسرتي وأبلغتهم عن موقعي فجاء عدد من أهالي القرية في سيّارة. كانت السّاعة 16:00 تقريباً. أخذوني إلى أحد منازل القرية حيث كانت أسرتي بانتظاري.

كنت في حالة يُرثى لها: عطشانًا جدّاً دائخًا وكانت عيناي زائغتين. استلقيت على الأرض لكي أستريح وكانوا قد استدعوا سيّارة إسعاف. حدّثني أخي موسى أنّ المستوطنين ضربوه أيضاً لكنّه تمكّن من الفرار. لم يصب إصابات جدية سوى بعض الضربات التي خلفت على جسمه بعض الكدمات. بعد نصف ساعة وصلت سيّارة الإسعاف ونقلت كلينا إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله حيث أجريت لنا صور أشعّة وجبّسوا كاحلي المكسور وحقنونا بالمحاليل والأمصال. عند السّاعة 11:00 ليلاً أرسلوا موسى إلى البيت.

أمّا أنا فأرسلوني إلى منشأة حكوميّة للعزل الصحّي في البالوع في بناية الزهراء. كان ممنوعاً عليّ مقابلة أحد حتى أفراد أسرتي وبضمنهم أولادي، خوفاً من احتمال إصابتي بالكورونا حين ضربني الجنود وبصقوا عليّ وأيضاً بسبب زجاجة الماء المفتوحة التي أعطوني إيّاها وغسلت منها وجهي. في ثاني أيّام العزل يوم الجمعة الذي صادف أمس أجريت لي فحوصات كورونا ولكن لا توجد نتائج بعد.

أشعر الآن مثل السّجين. أنا محبوس في غرفة صغيرة في مكان غريب عنّي محاصَر بين أربعة جدران ومعزول عن العالم الخارجي تماماً لولا إمكانيّة التواصُل عبر الهاتف. أتحرّك بصعوبة بوجود الجبس وما زلت في انتظار أن يأخذوني إلى طبيب أسنان ليُصلح أسناني التي كسرها المستوطنون. لديّ كدمات وانتفاخ حول العينين جرّاء الضرب وكذلك كدمات في الكتف والظهر. كذلك نفسيّتي متعَبة وأشعر باليأس وتنتابني كوابيس بسبب كلّ هذا الضغط.

 

مواد مقترحة

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

تقرير جديد لبتسيلم: إسرائيل تنفّذ مشروعَ مَحو في الضفة الغربية

يُبيِّن التقرير الأكثر شمولية الذي يصدر عن بتسيلم حتى الآن، حول السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن إسرائيل تشغّل بصورة متزامنة خمسَ آلياتٍ تعزّز إحداها الأخرى، بغية تفكيك الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، بهدف ترسيخ وجود وسيادة يهوديّين- إسرائيليّين دائمين ومتواصلين فيه.منذ نهاية العام 2022، ومنذ تشرين الأول 2023 بصورة أخصّ وأشدّ، بدأت مرحلة جديدة في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقد صعّدت إسرائيل بشكل متطرف سياسةً ممتدة منذ سنوات طويلة تقوم على السيطرة والعنف والسلب وأخذت تطبّقها بصورة علنية واضحة، أكثر عنفًا وأسرع وتيرةً. كما تجري مأسسة هذه الخطوات بدرجة متزايدة، في إطار السياسة الحكومية وممارساتها.في أوج هذا التصعيد اليومي، تنشر بتسيلم تقرير "مشروع المَحْو"، الذي يزيد عدد صفحاته عن 200 صفحة ويستند إلى تحليل نحو 2,000 إفادة أدلى بها فلسطينيون من الضفة الغربية، وإلى عمل ميداني إضافي وإلى عقود من التوثيق. يتتبع التقرير التسارع والتوسع اللذين حصلا خلال السنوات الأخيرة في السياسات والممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ سنوات عديدة."ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة"، كما قالت المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك. "يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معًا لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع".هكذا يعمل مشروع المحويحدّد التقرير خمس آليات مترابطة تدفع إسرائيل بواسطتها هذا المشروع قدمًا في أنحاء الضفة الغربية:العنف وبثّ الرعب: تستخدم إسرائيل قوات الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة لبث الرعب وفرض العنف والإكراه. منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى 31 آب 2026، قتلت إسرائيل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلًا.التطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز: تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية وهدم المنازل وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودي في هذه المناطق. حتى اليوم هجّرت إسرائيل 75 تجمّعًا فلسطينيًا واستولت البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية. كما هجّرت إسرائيل قسرًا نحو 33,000 فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.تقييد الحركة والتنقّل: تجزّئ إسرائيل الحيّز الفلسطيني بواسطة الحواجز والبوابات وسَدّات الطرق. حتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نحو 925 عائقًا للحركة في أنحاء الضفة الغربية.الخنق الاقتصادي: تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها. فقد ارتفعت نسبة البطالة من 13,1% في العام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024، في ظل الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل في إسرائيل واحتجاز مبالغ متزايدة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.التدمير الاجتماعي والسياسي: تجرّم إسرائيل محاولات التنظُّم السياسي وتقتحم مكاتب منظمات المجتمع المدني وتحظر نشاطها، وتقمع الاحتجاجات وتعتقل الناشطين والطلاب والصحفيين. منذ تشرين الأول 2023، اعتقلت إسرائيل ما لا يقل عن 60 صحفيًا فلسطينيًا من الضفة الغربية.الإطار السياسي: يحدد التقرير "خطة الحسم" التي وضعها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 بوصفها وثيقة أساسية لفهم التصعيد الراهن. وتسعى الاستراتيجية الواردة فيها، المسماة "الحسم بواسطة الاستيطان"، إلى جعل السيادة اليهودية أمرًا لا رجعة فيه، من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين، بحيث لا يتبقى أمام الفلسطينيين سوى ثلاثة خيارات: الخضوع أمام الفوقية اليهودية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسميًا قطّ بوصفها سياسة حكومية، إلا أن سموتريتش يتولى اليوم صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، وتتجلى بعض المبادئ المركزية في المنطق الذي تقوم عليه الخطة في سياسات الدولة وممارساتها، بصورة متزايدة باستمرار.مشروع ممتد منذ عقود: بدأ مشروع المحو قبل سنوات عديدة من خطة سموتريتش من العام 2017 ومن تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها. ترى بتسيلم أن الهجوم الإسرائيلي الراهن على حياة الفلسطينيين هو جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، يُنفَّذ بواسطة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، تجسّد هذا المنطق في أشدّ صوره تطرفًا، في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل؛ أما في الضفة الغربية، فقد سرّعت الحكومة الحالية تنفيذ المشروع وجعلت آلياته أكثر وضوحًا.المسؤولية الدولية: تدعو بتسيلم الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التوقف عن التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بوصفها أحداثًا منفصلة، ثم التوقف عن إتاحة المجال لها وتمكينها من مواصلة جرائمها، وحماية الفلسطينيين والعمل على إنهاء نظام الأبارتهايد والحكم العسكري الإسرائيليين. ذلك أن المستقبل العادل يستوجب نظامًا سياسيًا يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لجميع البشر الذين يعيشون في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الإحقاق الكامل للحقوق الفردية والجماعية وضمان المشاركة السياسية المتساوية.تقول المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك: "يظل الفلسطينيون عرضة لعنف آخذ في التصاعد، بينما تمضي إسرائيل قدمًا في مشروع المحو الذي تنفّذه في الضفة الغربية. لا يمكن للحكومات أن تدين هذه الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنح إسرائيل حصانة تتيح لها مواصلة ارتكابها. ويتعين عليها، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي، من أجل وقف جرائم إسرائيل وتعطيل منظومة العنف والهدم التي تفكك الحياة الفلسطينية".التقرير الكامل، الملخص، الخرائط والرسوم البيانية متاحة لوسائل الإعلام، مع حظر النشر حتى الموعد المحدد.

14 أيلول/سبتمبر 2026

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

مشروع المحو

منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.

14 أيلول/سبتمبر 2026

المستوطنون يدخلون إلى جالود. صورة من تسجيلات كاميرات المراقبة، قدّمها السكان مشكورين

عنف المستوطنين = عنف الدولة

قُصرة، تلفيت وجالود، محافظة نابلس: سكّان القرى الثلاث يعانون من عنف المستوطنين الشديد عقب إقامة بؤرة استيطانيّة جديدة بينها

في 21.1.26 أقام مستوطنون بؤرة استيطانيّة أسموها "تل تلبيوت" على قمّة جبل عين عينا في أراضي قرية تلفيت، في قلب منطقة مصنّفة B في اتفاقيّات أوسلو. هذه المنطقة، الواقعة وسط قرى فلسطينيّة وبعيدة عن المنطقة C، لم تشهد أيّ تواجُد لمستوطنين من قبل. عند إقامة البؤرة الاستيطانيّة المذكورة استولى المستوطنون على منزل قيد الإنشاء يملكه شخص من أهالي قرية تلفيت، ومنعوه من إتمام البناء.منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة يعاني أهالي قرى تلفيت وقُصرة وجالود جرّاء عُنف المستوطنين الشديد. وقد وثّقت بتسيلم عشر هجمات شديدة العُنف شنّها المستوطنون على الفلسطينيّين سكان المنطقة خلال الشهر الأوّل الذي تلى إقامة البؤرة الاستيطانيّة، من ضمنها اعتداء عنيف على ناشطي حقوق إنسان كانوا يُرافقون أسرة إلى منزلها في المنطقة، والذي اضطرت إلى الرحيل عنه لاحقًا من جرّاء عُنف المستوطنين.تشمل اعتداءات المستوطنين هجمات بالحجارة والعصيّ، إحراق المنازل، وكذلك تخريب وإحراق سيّارات. في بعض هذه الهجمات تمّ توثيق المستوطنين وهم يأتون على تراكتور صغير، يبدو ظاهريًا مثل التراكتورات الصغيرة التي وزعتها وزراتا المالية والاستيطان، على الأغلب - مبادرة الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك. [block:settlers_blog_map_block nid=217668 updates=217835,217836,217837,217838,217841,217842,217812,217849 arrows hide_nid]انظروا في الخارطة أدناه وصفًا لبعض الهجمات التي شنّها المستوطنون في الفترة الواقعة بين كانون الثاني وآذار 2026في 14.3.26 قتل مستوطنون الشابّ أمير عودة (28 عاماً) أثناء هجومهم على منازل في الأطراف الغربيّة لقرية قُصرة. آنذاك، تقدّم أمير عودة مع والده، معتصم عودة، وعدد آخر من السكان نحو المستوطنين بعد أن ابتعد هؤلاء في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة. كان ذلك الهجوم الثاني من نوعه في اليوم نفسه على منازل تلك المنطقة ولذلك، خشي السكان أن يعاود المستوطنون الهجوم. بعد أن حصل بين السكان والمستوطنين رشق حجارة متبادل من مسافة 100 متر، أطلق أحد المستوطنين النار نحو السكان وأصاب أمير عودة في صدره وشخصين آخرين في أرجلهما. عندما حاول والد أمير أن يتقدّم لمُساعدته، انهال المستوطنون على الأب وابنه ضرباً بالهراوات وطعناً حتى أغمي على الأب. فقط بعد أن انسحب المستوطنون في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة تمكّن السكان من إخلائهما إلى المستشفى، وهناك أقرّ الأطبّاء وفاة أمير عودة.

27 أيار/مايو 2026