إفادة عيسى قطاش الذي ضربه مستوطنون ضربُا مبرحًا عندما كان يتنزه في أراضٍ تملكها العائلة قرب قرية جيبيا في 16.4.20 وكيف تركه الجنود مصاباً وغادروا
26 نيسان/أبريل 2020
إفادة عيسى قطاش (40 عامًا) من سكان مخيم الجلزون للاجئين، أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد في 18.4.20 في محادثة هاتفيّة.
منذ نحو 40 يوماً نحن ممنوعون من الخروج من منازلنا بسبب وباء كورونا ولا نعمل ولا نفعل شيئاً. ضاقت روحنا بسبب الملل والتوتّر فقرّرنا أنا وأخي موسى (39 عاماً) وزوجته وأولاده أن نخرج للتنزّه في أرضٍ زراعيّة يملكها أخي - كان ذلك قبل يومين في 16.4.20 وانضمّت إلينا والدتي وابني الصّغير حمزة (9 سنوات). تقع الأرض عند أطراف قرية جيبيا في منطقة جبليّة تملؤها الأحراش والنباتات البرّيّة. أردنا أيضاً أن نعمل في الأرض قليلاً وأن نتبقّل ونجمع بعض الأعشاب الصّالحة للأكل.
وصلنا إلى الأرض عند السّاعة 12:00 ظهراً تقريباً. أخرجنا من السيّارة الطعام وكلّ لوازم الرّحلات التي جلبناها معنا ثمّ جلسنا على الأرض على بُعد نحو 100 متر تقريباً من طريق ترابيّة تؤدّي إلى موقع في قرية جيبيا يتمّ فيه بناء مجمّع سكني يسمّى "إسكان الأطبّاء". أمضينا هكذا بعض الوقت وتناولنا طعام الغداء معاً. بعض مضيّ ساعة تقريباً تركنا النساء والأولاد وذهبنا أنا وموسى لجمع الأعشاب - الميرمية والزعتر من أراضي البرّ الواقعة ضمن أراضينا.
تجوّلنا على التلال أنا وأخي وذهب كلّ واحد في اتّجاه. عندما كنت على بُعد نحو 200 متر من المكان الذي تركنا العائلة فيه قفز أمامي فجأة مستوطنان اثنان بطريقة أجفلتني لأنّني لم أرهما قادمين فالمنطقة فيها أشجار كثيرة وصخور. كذلك لم أر أخي موسى من موقعي. المستوطن الأوّل يبدو في سنّ الـ17 أو18 عامًا وهو شابّ نحيف متوسّط القامة فاتح البشرة وشعره أجعد. كان يعتمر طاقيّة متديّنين سوداء ويرتدي بنطالاً لونه بيج. المستوطن الثاني بدا في العشرين من عمره بنيته متوسّطة شعرُه أشقر طويل وهو أيضاً فاتح البشرة ويعتمر طاقيّة متديّنين. كان يرتدي بنطالاً وقميصاً بلون ملابس الجيش ويحمل أداة حادّة تشبه الخنجر.
حين قفز المستوطنان من بين الأشجار صاح الشابّ الأصغر سنّاً "توقّف، توقّف! ما الذي تفعله هنا؟". قلت له "أنا موجود في أرضي وأجمع الميرميّة والزعتر". لم أكد أتمّ جملتي وإذ بكليهما ينقضّان عليّ ويشرعان في ضربي. طلب الشابّ بطاقة هُويّتي فقلت له إنّها ليست معي. أخذا في لكمي وركلي وحاولا دفعي أسفل وإيقاعي أرضاً. كان معهما حبل وحاولا تكبيلي به.
المستوطن الأكبر سنّاً ضربني بالخنجر فكدت أموت خوفاً. دفعته عنّي بكلّ ما آتتني قواي ولذت بالفرار إلى الحقول. ركضت فوق الصّخور ثمّ بين المحاصيل حتى أصبحت على بُعد 100-150 متراً وهُما يركضان خلفي. في النهاية لكثرة ما كنت منهكاً أصابني دُوار مفاجئ ولم أقدر على متابعة الفرار. وقعت خلفاً على الأرض. وصل المستوطنان وأخذا في لكمي وركلي وأنا ملقىً أرضاً. في هذه الأثناء انضمّ إلى المستوطنَين اثنان آخران يشبهانهما في المظهر وكان أحدهما يحمل بندقيّة.
بالكاد تمكّنت من حماية رأسي ووجهي من الضربات. تلقّيت ضربة قويّة على فمي وأحسست أنّ أسناني الأماميّة قد تحطّمت. أحسست الدماء تنزف داخل فمي وعلى وجهي. أخذت أصرخ وأستغيث: "حبّاً بالله! ماذا فعلت لكم ألا توجد في قلوبكم رحمة؟ أنتم تقتلونني ارحموني!"، لكنّ أحداً لم يستمع إليّ. في هذه المرحلة عندما انهرت وخارت قواي تماماً كبّلوا يديّ خلف ظهري بواسطة حبل ثمّ صوّب المستوطن المسلّح بندقيّته نحو رأسي وسحب الزناد وكأنّه يريد إطلاق الرّصاص على رأسي. عندئذٍ صرت أردّد الشهادتين لأنّني أدركت أنّني على وشك أن أموت.
واصل المستوطنون ضربي وشتمي والتهديد بقتلي طوال رُبع السّاعة تقريباً. في لحظة ما رفعوني عن الأرض وبصعوبة شديدة تمكّنت من الوقوف على رجليّ. أحسست أنّ ساقي اليسرى مكسورة ولكنّهم أجبروني على المسير بين السنابل وفوق الصّخور وعبر الشجيرات والأشواك. من حين لآخر كنت أقع أرضاً فيرفعني المستوطنون ويُكملون اقتيادي رغماً عنّي. كنت في حالة يُرثى لها: الدم ينزف من فمي وانتفاخ عينيّ يزداد مع كلّ خطوة أخطوها حتى أنّني بالكاد استطعت أن أفتحهما. حلقي كان جافّاً وشعرت أنّني سأموت من العطش وكنت محطّماً نفسيّاً. كنت في حالة صعبة جدّاً. ألله وحده يعلم كيف كان حالي. طوال الطريق كانوا يواصلون شتمي وضربي - لطماً ولكماً وكذلك بصقوا عليّ.
اقتادني المستوطنون مسافة 300-400 متر حتى وصلنا إلى موقع يتوقّف فيه جيب عسكريّ. يبدو لي أنّ الجيب كان هناك منذ البداية لتأمين الحراسة لهم. عندما وصلنا إلى الجيب أخلى المستوطنون سبيلي أمام الجنود. في تلك اللّحظة خفت أن ينضمّ الجنود إلى المعتدين ويقتلوني. ولكنّ الجنود قالوا للمستوطنين أن يغادروا المكان. بعد ذلك ناولني الجنود زجاجة ماء بدا أنّها مفتوحة وأحدهم شرب منها. أعطوني إيّاها لكي أغسل الدّم عن وجهي وفمي.
سألني الجنود ما اسمي وأين أقيم وماذا أفعل هناك في المنطقة. في هذه المرحلة جاء مستوطن يبدو في نهاية العشرينيّات من عمره، طويل القامة فاتح البشرة ذو شعر أشقر طويل ومجعّد وعينين خضراوين. كان هذا المستوطن يحمل بندقيّة. أخذ يضربني ويشتمني والجنود يحاولون إبعاده عنّي. فهمت من جداله معهم أنّه يعترض على دفاعهم عنّي وأنّه يريدهم أن يتركوني له لكي يقتلني لكنّ الجنود طردوه من المكان فغادر بدوره.
كان مع الجنود ضابط - على كتفه شارتان- قمحي البشرة قصير القامة ويبدو في سنّ الـ25 تقريباً. هو من أعطاني الماء وهو من حاول دفع المستوطن المسلّح عنّي ومنعه من أخذي. بعد أن غسلت الدم عن وجهي وفمي صوّرني الضّابط بواسطة هاتفه - لا أعرف لأجل ماذا. بعد ذلك اتّصل بشخص إسرائيليّ وطلب منّي أن أتحدّث معه. لم أعلم هل هذا الشخص محقّق أم مستوطن لكنّه أخذ يسألني باللّغة العربيّة ما اسمي وأين أقيم ولماذا أتيت إلى هذه المنطقة وطلب أن أعطيه رقم هاتفي ورقم بطاقة هُويّتي. سألني بضعة أسئلة ثمّ أنهى المكالمة. سألني الضّابط هل أودّ تقديم شكوى فقلت له "لا". خشيت أن ينتقم الجنود منّي فيسلّموني للمستوطنين ويقتلني هؤلاء لذلك قلت له إنّني لا أريد تقديم شكوى. عندئذٍ قال لي الضّابط "هيّا اذهب. امشِ من هنا".
كنت بين يدي الجنود لمدّة نصف السّاعة تقريباً. خلال هذا الوقت اتّصلت بي والدتي عدّة مرّات لكنّ الجنود لم يسمحوا لي بالردّ. عندما قال لي الضّابط اذهب طلبت منهم أن يقلّوني إلى أقرب مكان لقريتنا لأنّني لا أقدر على المشي. قلت لهم إنّ ساقي مكسورة وهم رأوا بأنفسهم وضعي وكان واضحاً لهم أنّني أقف بصعوبة لكنّهم رفضوا مساعدتي. هم حتى لم يحاولوا أن يسعفوني. بكلّ بساطة تركوني هناك وغادروا المكان.
استجمعت قواي وابتعدت عنهم قبل أن يعود المستوطنون ويهاجموني مرّة أخرى. أخذت أتقدّم - حيناً أعرج وحيناً أزحف. كنت كلّما وقفت أقع أرضاً. وهكذا حتى قطعت مسافة 300-400 متر استغرقت نحو 45 دقيقة ووصلت إلى طريق ترابيّة تؤدّي إلى القرية. اتّصلت بأفراد أسرتي وأبلغتهم عن موقعي فجاء عدد من أهالي القرية في سيّارة. كانت السّاعة 16:00 تقريباً. أخذوني إلى أحد منازل القرية حيث كانت أسرتي بانتظاري.
كنت في حالة يُرثى لها: عطشانًا جدّاً دائخًا وكانت عيناي زائغتين. استلقيت على الأرض لكي أستريح وكانوا قد استدعوا سيّارة إسعاف. حدّثني أخي موسى أنّ المستوطنين ضربوه أيضاً لكنّه تمكّن من الفرار. لم يصب إصابات جدية سوى بعض الضربات التي خلفت على جسمه بعض الكدمات. بعد نصف ساعة وصلت سيّارة الإسعاف ونقلت كلينا إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله حيث أجريت لنا صور أشعّة وجبّسوا كاحلي المكسور وحقنونا بالمحاليل والأمصال. عند السّاعة 11:00 ليلاً أرسلوا موسى إلى البيت.
أمّا أنا فأرسلوني إلى منشأة حكوميّة للعزل الصحّي في البالوع في بناية الزهراء. كان ممنوعاً عليّ مقابلة أحد حتى أفراد أسرتي وبضمنهم أولادي، خوفاً من احتمال إصابتي بالكورونا حين ضربني الجنود وبصقوا عليّ وأيضاً بسبب زجاجة الماء المفتوحة التي أعطوني إيّاها وغسلت منها وجهي. في ثاني أيّام العزل يوم الجمعة الذي صادف أمس أجريت لي فحوصات كورونا ولكن لا توجد نتائج بعد.
أشعر الآن مثل السّجين. أنا محبوس في غرفة صغيرة في مكان غريب عنّي محاصَر بين أربعة جدران ومعزول عن العالم الخارجي تماماً لولا إمكانيّة التواصُل عبر الهاتف. أتحرّك بصعوبة بوجود الجبس وما زلت في انتظار أن يأخذوني إلى طبيب أسنان ليُصلح أسناني التي كسرها المستوطنون. لديّ كدمات وانتفاخ حول العينين جرّاء الضرب وكذلك كدمات في الكتف والظهر. كذلك نفسيّتي متعَبة وأشعر باليأس وتنتابني كوابيس بسبب كلّ هذا الضغط.