خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
خلّة الضبع، مسافر يطّا، تلال جنوب الخليل: مستوطنون يهاجمون السكان، يحرقون منزلاً، ويُتلفون ألواحاً شمسيّة ومُمتلكات أخرى، على مرأى الجنود الذين يعتقلون أحد سكّان التجمّع وينكّلون به
منزل سعود دبابسة الذي أحرقه المستوطنون. تصوير: كيرن مَنور، بتسيلم
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
في يوم الأربعاء المُوافق 3.7.24، نحو السّاعة 23:30، انتبه أهالي تجمّع خلّة الضبع في مسافر يطّا، في تلال جنوب الخليل، إلى ألسنة نيران تتصاعد من كرْم زيتون غربيّ التجمّع يعود لعائلة دبابسة. بعد أن استدعى الأهالي خدمات الإطفاء الفلسطينيّة تنبّهوا أيضاً إلى أنّ مُستوطنين قد أتوا إلى المنطقة وشرعوا في إخماد النيران. بعد مضيّ بضع دقائق توافد إلى مكان قريب من التجمّع نحو خمسين مستوطناً، معظمهم ملثّمون ومسلّحون بأسلحة ناريّة وهراوات. في تلك المرحلة وصل إلى التجمّع نحو عشرة فلسطينيّين من أهالي التجمّعات المُجاورة ومعهُم عدد من الناشطين الإسرائيليّين والأجانب. فورَ ذلك، اقتحم المُستوطنون نطاق التجمّع وتبعهُم ما يُقارب 15 جُنديّاً. اندلعت بين الأهالي والمُستوطنين مواجهات تخلّلها رشق حجارة، وفي خضمّ المواجهات تمكّن المُستوطنون من القبض على أحد السكّان ويُدعى عبّاس دبابسة (38 عاماً) ثمّ انهالوا عليه ضرباً بالهَراوات. بعد ذلك اقتاد الجُنود عبّاس، الشابّ المُعتدى عليه، فيما كان أحد الجنود يُطلق النار في الهواء لكي يفرّق سكان التجمّع.
في تلك المرحلة وصلت إلى مدخل القرية مركبة إطفاء فلسطينيّة، بناءً على استدعاء الأهالي (أعلاه)، لكنّ المستوطنين اعترضوا طريقها. عندما استدار السّائق بالمركبة لكي يلوذ بالفرار هاجم المستوطنون المركبة بالحجارة وحطّموا زُجاجها.
كذلك أضرم المُستوطنون النار في أحد منازل التجمّع، وكان خالياً من ساكنيه في تلك اللّحظات، حطّموا زُجاج نوافذ سبعة منازل أخرى وثلاثين من الألواح الشمسيّة وستّ كاميرات مراقبة، سرقوا 77 رأساً من الماشية، قتلوا عنزة واحدة ومزّقوا أكياساً تحوي أعلافاً.
إضافة إلى ذلك، لاحق المستوطنون السكان الذين فرّوا في اتّجاه تجمّع المفقّرة وقرية التواني، وهاجموا بالحجارة ناشطاً أجنبيّاً فأصابوه بجراح في وجهه ممّا استدعى إخلاءه إلى المستشفى في يطّا، وحطّموا زُجاج ثلاث سيّارات، ثمّ غادروا في اتّجاه مستوطنة قريبة.
نحو السّاعة 00:30 غادر بقيّة المستوطنين والجنود المكان. بعد مضيّ ساعة على مُغادرتهم وصلت إلى التجمّع مركبة شرطة ومركبة "جيب" عسكريّة. صوّر عناصر الشرطة الأضرار وأوصوا السكان بالتوجّه إلى محطّة الشرطة وتقديم شكوى هناك، كما أبلغوا السكان بأنّ عبّاس دبابسة قيد الاعتقال.
تمّ إطلاق سراح عبّاس دبابسة في اليوم التالي، عند السّاعة 19:00، بعد أن وقّع رئيس المجلس على سند كفالة وبعد أن وقّع هو نفسه على تعهّد بالبقاء بعيداً عن مستوطنة "معون" وبؤرة "حفات معون" الاستيطانيّة.
في إفادة أدلى بها لبتسيلم يوم 7.7.24، قال عبّاس دبابسة إنّ الجنود اقتادوه إلى مكان يبعد عن التجمّع نحو مائة متر، وهناك اعتدى عليه المستوطنون جسديّاً مرّة أخرى، وشتموه، بل إنّ أحد المستوطنين همّ بأن يسكب عليه مادّة قابلة للاشتعال لكنّ الجنود ثنوه عن ذلك. كما روى عبّاس أنّ الجنود كبّلوا يديه واقتادوه إلى مُعسكر للجيش وهُم يضربونه في الطريق، كما ضربوه بعد وُصولهم به إلى المُعسكر. احتُجز عبّاس دبابسة هُناك حتى اليوم التالي، وعند السّاعة 12:00 اقتادوه إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "كريات أربع" حيث جرى التحقيق معه بشُبهة إضرام النّار في كرْم الزيتون، رغم أنّ الكرْم مُلك لعائلته. وكما ذُكر سابقاً، أطلق سراح عبّاس نحو السّاعة 19:00، وتوجّه إلى المستشفى في يطّا حيث أظهرت الفحوصات أنّه يُعاني من كدمات وكسر في رجله اليُسرى، التي تمّ تثبيتها.
باحث بتسيلم الميدانيّ باسل العدرا سجّل إفادات عدد من السكان:
محمد دبابسة (34 عاماً)، من سكّان خلّة الضبع، الذي تواجد في التجمّع أثناء الهُجوم، قال في إفادته:
في يوم الأربعاء المُوافق 3.7.24، نحو السّاعة 23:30، كانت أسرتي في يطّا، وكذلك معظم العائلات المقيمة في التجمّع، لحُضور حفل زفاف أحد أقاربنا. أنا لم أذهب معهُم. جلستُ مع ستّة من سكان التجمّع في خيمة الاستقبال (المَضافة) التي أقمناها في التجمّع. فجأة قال لنا أحد الأطفال المتواجدين خارج الخيمة إنّ هناك حريقاً قبالة القرية. عندما خرجنا شاهدنا أشجار الزيتون واللّوز تحترق في الوادي المُقابل لتجمّعنا، على بُعد 700 متر منه. اتّصلنا فوراً بخدمات الإطفاء والشرطة الإسرائيليّة، ثمّ ذهبنا لنجلب اسطوانات إطفاء الحرائق اليدويّة التي نحتفظ بها في منازلنا.
الصورة
ألسنة النيران التي أضرمها المستوطنون تتصاعد في منزل سعود دبابسة. صورة قدّمها السكان مشكورين
عندما اقتربنا من الوادي شاهدنا عدداً من المستوطنين يقفون حول النار، وهُم مستوطنون نعرفُهم، من البؤرة الاستيطانيّة الجديدة التي أقيمت قبل شهرين على الجبل المقابل لقريتنا. في تلك الأثناء جاءت لينا مجموعة شبّان من قرية التواني ومعهُم ناشطون أجانب. فجأة، أخذ المستوطنون يتقدّمون نحونا. كان معظمهم ملثّمين، وجزء منهم مسلّحين بأسلحة ناريّة وعصيّ وحاويات بنزين. حاولنا أن نصدّهم ورشقناهم بالحجارة، لكنّهم كانوا أكثر منّا بكثير وقد قارب عددهم الخمسين. أخذوا يدفعوننا ويرموننا بالحجارة. أصابت إحدى الأحجار صدري وأخرى أصابت أنفي.
أثناء فرارنا منهُم أمسك المستوطنون بابن عمّي، عبّاس دبابسة، واعتدوا عليه بالضرب ثم اقتادوه بالقوّة إلى المكان الذي كانوا متجمّعين فيه. لم نستطع إغاثته لأنّنا كنّا قد ابتعدنا. أنا اختبأت تحت جُنح الظلام في الناحية الأخرى من التجمّع، حيث لم يصل إليها المستوطنون. سمعت عبّاس يصرخ ولكن لم أستطع أن أفعل شيئاً من أجله. الشبّان الذين أتوا من التواني والناشطون الأجانب فرّوا إلى المفقّرة، بينما كانت مجموعة من المستوطنين تُلاحقهم.
الصورة
نظرة من داخل منزل سعود دبابسة، الذي أحرقه المستوطنون. تصوير: كيرن مَنور، بتسيلم.
في تلك الأثناء، اختبأنا جميعاً في أماكن مختلفة، وكنّا نُراقب ما يجري من بعيد. وصلت مركبة إطفاء إلى مدخل التجمّع، وقد سمعتُ ضجيج حجارة ترتطم بهيكل المركبة. كذلك وصلت مركبة "جيب" عسكريّة وترجّل منها جُنود. صوّب أحد الجنود سلاحه نحو سائق مركبة الإطفاء فاستدار السّائق بالمركبة وعاد في اتّجاه التواني فارّاً من المستوطنين. بعد أن غادرت مركبة الإطفاء تقدّم الجُنود نحو المنازل. في تلك الأثناء سكب المستوطنون البنزين على منزل عمّي، سعود دبابسة، ثمّ أضرموا فيه النار، والجنود لم يتدخّلوا لمنعهم. تسلّق عدد من المستوطنين حتى وصلوا إلى كاميرات المُراقبة المثبّتة على المنازل وحطّموا ستّ كاميرات. كذلك رشقوا بالحجارة زُجاج النوافذ وألواحاً شمسيّة فحطّموا نحو ثلاثين لوحاً. وشاهدتُهم أيضًا يفتحون حظيرة المواشي خاصّتي، وفيها 42 رأساً من الأغنام، وحظيرة ابن عمّي، عامر دبابسة، وفيها 35 رأساً من الأغنام، ويقودون الأغنام كلّها في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة. نحو السّاعة 00:30 غادر جميع المستوطنين، ومن بعدهم غادر الجُنود في اتّجاه المفقّرة.
عُدنا إلى المنزل لكي نحاول إخماد النيران في منزل عمّي، لكننا لم نتمكّن من ذلك لأنّ ألسنة اللّهيب تصاعدت بقوّة في جميع أرجاء المنزل. حتى تلك اللحظة لم نكن نعرف شيئاً عن مصير ابن عمّي، عبّاس، الذي اعتدى عليه المستوطنون بالضرب. عند السّاعة 1:00 جاءت الشرطة، تُرافقها مركبة "جيب" عسكريّة - صوّروا الأضرار وأوصونا بتقديم شكوى. كذلك أخبرونا أنّ ابن عمّي، عبّاس دبابسة، أبقي رهْن الاعتقال. بعد ذلك جاء محمد ربعي، رئيس مجلس التواني، ومعه صهاريج مياه. فقط عندئذٍ تمكّنّا من إخماد النيران.
عادل رجّوب (38 عاماً)، سائق مركبة الدفاع المدنيّ (الإطفاء) التي هاجمها المُستوطنون، قال في إفادته:
في يوم الأربعاء، نحو السّاعة 23:00، تلقّينا بلاغاً لإطفاء حرائق في منطقة خلّة الضبع، قرب مدينة يطّا. توجّهت إلى هناك مع شابّين من الدّفاع المدنيّ، وتولّيت أنا قيادة مركبة الإطفاء. وصلت أوّلاً إلى منطقة التواني لكي أقلّ ثلاثة متطوّعين يعملون معنا، ومن هناك واصلنا سويّة إلى خلّة الضبع.
في الطريق إلى خلّة الضّبع كانت تسير خلفي مركبة "جيب" مدنيّة. عندما أصبحنا على بُعد نحو أربعين متراً من مدخل خلّة الضّبع شاهدت قرابة خمسين مستوطناً يقفون قبالتنا، وشاهدت شبّاناً فلسطينيّين يفرّون من أمامهم. أردت العودة إلى الوراء، لكنّ "الجيب" الذي سار خلفي توقّف وترجّل منه جنديّان مع بنادق، وكان أحدهما ملثّماً. أمرني أحد الجنديّين بمواصلة السّير قُدُماً في اتّجاه هذا الجمْع الكبير من المستوطنين. كان يصوّب بندقيّته نحوي ويأمرني بأن أخلي له الطريق.
واصلت السّير إلى الأمام، في اتّجاه المستوطنين، فقط لكي أستطيع أن أستدير وأهرب. عندئذٍ سمعت إطلاق نار، وفجأة هاجم المستوطنون مركبتنا بوابل من الحجارة، وقد أصابوا زجاجها الأماميّ. واصلت السّير مسافة ثلاثين متراً أخرى ثمّ استدرت بسُرعة، والحجارة ما زالت تنهمر وترتطم بالمركبة بقوّة. انتاب الفزع الشبّان الذين كانوا معي في المركبة. نتيجة لرشق الحجارة تحطّم الزجاج الأماميّ وتطايرت علينا شظايا الزجاج. كذلك تحطّم زجاج النافذة التي من جهتي وتساقطت عليّ قطع من الزجاج، لكنّني تمكّنت من الاستدارة والفرار بسُرعة في اتّجاه قرية التواني، والحجارة ما تزال تنهمر على المركبة. توقّف "جيب" المستوطنين قبالتي لعدّة لحظات، إذ عندما شغّلت بوق المركبة وصافرة الإنذار معاً تحرّك جانباً وأخلى لي الطريق، ومن ثمّ واصلت السّير مُسرعاً إلى أن وصلت قرية التواني.
كان معي في المركبة المُلازم أوّل علي أبو سمرة، وقد أصيب بجُروح طفيفة في ذراعه اليُسرى جرّاء تناثُر الزجاج، كما جرح الزجاج المتطوّعين الثلاثة الذين كانوا معنا. بعد أن عُدنا إلى مقرّنا في خلّة الميّة أحسست بألم في عيني اليُسرى وكتفي الأيمن فذهبت إلى المستشفى الأهلي في الخليل. بيّنت الفحوصات أنّ شظية زجاج قد دخلت في عيني فقاموا بتنظيفها وأعطوني دواء.
عبّاس دبابسة (38 عاماً)، أب لأربعة، من سكّان تجمّع خلّة الضّبع، تحدّث في إفادته عن اعتقاله واعتداء المستوطنين عليه:
الصورة
عبّاس دبابسة بعد الإفراج عنه. تصوير: نصر نواجعة، بتسيلم
كنت في خيمة الاستقبال (المَضافة) التي أقمناها في التجمّع عندما شاهدنا مستوطنين يصعدون إلى الجبل ويتّجهون نحونا. كان معظمهم ملثّمين ومسلّحين، وأحدهم يحمل في يده صفيحة بنزين. كانت معهم مصابيح وجّهوها إلينا بهدف إبهار أعيننا وإعاقة الرؤية. تجمّع المستوطنون قرب منزل عمّي سعود الواقع في طرف التجمّع من جهة الجبل. ذهبت إلى المنزل وأيقظت ابني ليث (14 عاماً). قلت له إنّ المستوطنين هُنا قرب المنازل، وطلبت منه أن يهرب عبر الحقول إلى منزل عمّه جابر دبابسة، الواقع في الطرف الآخر من القرية. بعد ذلك عُدت إلى حيث الشبّان فرأيت منزل عمّي سعود يحترق.
كان المستوطنون يتقدّمون نحونا، رُويداً رُويداً، وأخذنا نحن نتراجع، لكنّهم لحقوا بنا. عندما ابتعدنا إلى الوراء مسافة عشرين متراً تقريباً أدركَنا اثنان من المستوطنين، وكان أحدهما يحمل ’سجّادة مطّاط‘ كالتي نضعها تحت الرّجلين في السيّارة، وقد ضربني بها بقوّة على وجهي فوقعت أرضاً. عندئذٍ هاجمني المستوطنان، جلسا فوقي وأخذا يضربانني بالعصيّ على صدري وبطني ورجليّ، وأنا أصرخ بأعلى الصّوت. في تلك الأثناء تجمّع حولي عدد كبير من المستوطنين، وأخذ قسم منهُم يضربني أيضاً. لم أعُد أر ما يجري بوُضوح. ظلّوا يضربونني طوال عدّة دقائق ضربات قويّة جدّاً في كلّ أنحاء جسمي، وأنا عاجز عن أيّ ردّة فعل. جاء أيضاً جُنود، أولئك الذين ساروا خلف المستوطنين. اقتادني اثنان من الجُنود بالقوّة فوقع منّي هاتفي وأفلت حذائي من رجليّ. في الخلف كان عدد أكبر من المستوطنين ينتظرون، وعندئذٍ اقتادوني بسُرعة في اتّجاه الجبل الذي جاءوا منه.
كانوا يُهرولون بي فوق الأشواك والصّخور والأسيجة الشوكيّة، وأنا حافي القدمين. أثناء ذلك تعثّر أحد المستوطنين ووقع أرضاً فأطلق أحد الجُنود الرّصاص في الهواء. ساروا بي هكذا مسافة تقارب مائة متر صُعوداً في الجبل، ثمّ أجلسوني على الأرض وعدد كبير من المستوطنين والجنود المسلّحين بالسّلاح الناريّ والعصيّ يُحيطون بي. كان هناك مستوطن ملثّم يحمل حاوية بنزين، اقترب منّي وفتح الحاوية يُريد أن يسكب عليّ البنزين. عندئذٍ قلت في نفسي، قُضي أمري، سوف أموت اللّيلة. لم أفكّر لوهلة أنّني قد أخرج حيّاً من بين أيدي هؤلاء المستوطنين. لحُسن حظّي، أوقفه أحد الجنود ومنعه من ذلك.
قيّد الجنود يديّ خلف ظهري وعصبوا عينيّ ثمّ اقتادوني وهُم يُهرولون بي مرّة أخرى مدّة رُبع ساعة تقريباً. كان اثنان يجرّانني وواحد يدفعني من الخلف. آلمتني رجلاي كثيراً ولم أعد أقدر أن أدوس الأرض، لكنّهم واصلوا جرّي بالقوّة إلى أن وصلنا مركبة كانت تنتظر عند مدخل التجمّع. عرفت أين أنا لأنّني نظرت من تحت العصبة التي على عينيّ. ألقوا بي داخل المركبة، وفي داخلها واصلوا ضربي بأيديهم على رأسي وظهري. بعد أن سارت المركبة مدّة عشر دقائق تقريباً، وصلنا إلى بؤرة "أبيجايل" الاستيطانيّة وهناك أنزلوني بطريقة عنيفة وأوقعوني على الأرض. كان هناك عدد من المستوطنين الملثّمين، وقد انهال عليّ المستوطنون والجنود ضرباً وركلاً وصفعاً، وكانوا في أثناء ذلك يشتمونني. بعد مضيّ عشر دقائق أدخلوني مرّة أخرى إلى المركبة، ثمّ أخذوني إلى معسكر الجيش المسمّى "سوسيا". وضعوني في الخارج، قرب بُرج المُراقبة، وكان هناك جنديّ واحد. بعد مضيّ عشر دقائق جاء مزيد من الجنود، وكانوا ملثّمين، واعتدوا عليّ بالطريقة نفسها: ركلاً وصفعاً وشتماً، وأنا جالس بلا حول ولا قوّة. كنت منهكاً للغاية ومتعباً، إضافة إلى الألم الشديد. بعد مضيّ عشر دقائق جاء جنديّ آخر وعندئذٍ توقّفوا عن ضربي وتركوني جالساً بالوضعيّة نفسها، مقيّد اليدين ومعصوب العينين، حتى ظُهر يوم الخميس. طلبت من الجُنديّ ماءً لأشرب، وقد جلب لي ماءً ساخناً فلم أشرب. خفت أن أطلب الذهاب إلى المرحاض، أو أن أقول لهُم إنّني أحتاج إلى طبيب، لأنّني خشيت أن يضربني الجُنود مرّة أخرى.
في يوم الخميس، عند السّاعة 12:00، أدخلوني إلى مركبة عسكريّة سارت بنا إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "كريات أربع". أجلسوني هُناك على كرسيّ بين الغرف، وبعد انتظار لمدّة ساعة جاء المُحقّق وأدخلني إلى الغرفة. قال لي المحقّق "أنت مُتّهم بإضرام النار في الجبل"، وقال إنّ الجُنود وجدوا في جيبي ولّاعة سجائر. قلت له إنّني أدخّن، وقد سقطت منّي عُلبة السّجائر خاصّتي وكذلك هاتفي، وأفلت حذائي. ثمّ قال لي إنّني متّهم أيضاً بالاعتداء على أحد المستوطنين، وأظهر لي شريط فيديو صوّره أحد الشبّان الذين كانوا ورائي. في الفيديو، يظهر مستوطنان يتقدّمان نحونا، ومن خلفهم عدد آخر من المستوطنين. قلت للمحقّق: "انظرْ في الفيديو. أنا لم أضرب المستوطن. إنّه ملثّم، وهو آتٍ إلينا في التجمّع لكي يُهاجمنا".
بعد ذلك أخرجوني من غرفة التحقيق وأبقوني أنتظر في الخارج. بعد مضيّ نصف ساعة جاء محقّق آخر وسألني عن الأمور نفسها. وقد صرخ عليّ وقال إنّني أكذب وإنّني أضرمت النار. قال لي أيضاً إنّ عائلتي قتلت ابن عمّه دوف (يبدو أنّه يقصد دوف دريبان). بعد ذلك أخرجني المحقّ من الغرفة وانتظرت حتى السّاعة 19:00. أخذوا بصمات أصابعي وصوّروني. ثمّ جاء رئيس المجلس القرويّ ووقّع مُستند كفالة يتضمّن تعهّداً بعدم مجيئي إلى مستوطنة "مَعون" والبؤرة الاستيطانيّة "حَفات مَعون". بعد ذلك أخلوا سبيلي وخرجنا من محطّة الشرطة.
ذهبت مباشرة إلى المستشفى الحُكوميّ في يطّا. كان لديّ احمرار في العين اليُسري، كدمات وآلام شديدة في الظهر والصّدر، كسر في رجلي اليُمنى، وكسر طفيف في رجلي اليُسرى. تلقّيت العلاج وعُدت إلى منزلي بعد ظُهر يوم الجُمعة. ما زلت مقيّداً في الحركة وأخضع لمتابعة طبّية.
محمد هريني(22 عاماً)، الذي حضر إلى موقع الحادثة من قريته التواني، قال في إفادته:
بعد أن غادرت مركبة الإطفاء خلّة الضّبع، أخذت أنا أيضاً أتقدّم في اتّجاه المفقّرة ومعي أبناء عُمومتي وشخص آخر من التواني والناشطون. بقيت سيّارة أبناء أعمامي في خلّة الضّبع.
فجأة جاءت مركبة دفع رُباعيّ من ناحية المفقّرة، وفيها سبعة مستوطنين يرقصون ويغنّون. توقّفوا للحظة قرب مركبات "الجيب" والمستوطنين، ثمّ تبعنا قسم منهم وأخذوا يركضون نحونا فركضنا نحن أيضاً. كنّا مُتعبين ومُنهكين للغاية، ولكن كان علينا أن نفرّ منهم وننجو بأنفسنا. بعد ذلك عادت المركبة رباعيّة الدّفع والمستوطنون في داخلها وتوقّفت أمامنا، ثمّ ترجّل منها المستوطنون. هكذا بتنا مُحاصرين بمُستوطنين أمامنا ومُستوطنين وراءنا. اضطررنا إلى الرّكض في الحقول، وهي مليئة بالسّياج الشوكيّ. أخذ المستوطنون يطاردوننا، وفي الوقت نفسه كانوا يرشقوننا بالحجارة. قفزت من فوق سياج شوكيّ فعلقت ثيابي بشوك السّياج. مزّقت ثيابي لكي أواصل الفرار. سمعت أحد الناشطين ورائي يقول بالانجليزيّة "أغيثوني!" ويردّد "أنا إيطاليّ!" ثمّ أخذ يصرخ. خفت أن أتوقّف. واصلت الفرار إلى أن دخلت بين المنازل في المفقّرة، وهناك التقيت الأشخاص الذين فرّوا معي. كانوا جالسين أمام أحد المنازل ليستريحوا قليلاً، ما عدا الناشط الإيطاليّ الذي اختفى عنّا في الطريق. لاحقاً تبيّن أنّ المُستوطنين ضربوه ووصل إلى المفقّرة. أخذناه إلى المستشفى في يطّا.
شاهدنا مركبات تسير في الطريق المؤدّية إلى المفقّرة وتتوقّف قرب المنازل. لم نعرف هل هي مركبات جيش أم مركبات مستوطنين، وقد حطّموا زُجاج ثلاث سيّارات. قرّرنا أن نتّجه إلى طريق خربة الرّكيز، ومن هُناك واصلت نحو قريتي، التواني.