خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
شارع عوريف – عصيرة القبليّة، محافظة نابلس: حارس مستوطنة وجنود ينصبون حاجزًا وينكّلون بقسوة بالمسافرين في حادثتين مختلفتين
منذ 7 تشرين الأوّل ينصب حارس مستوطنة وجنود، بالتناوب، حاجزًا على شارع عوريف -عصيرة القبليّة، يوقفون فيه سيّارات الفلسطينيّين ويقومون بتفتيشها. في شهر شباط 2024 سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي إفادات من مسافرين تعرّضوا للاعتداء والتنكيل الفظّ من قبَلهم، في حادثتين مختلفتين.
فيما يلي وصف للحادثتين:
الاعتداء على اثنين من سكّان عصيرة القبليّة، 26.2.24:
في يوم الاثنين الموافق 26.2.24، قرابة الساعة 18:00، بينما كان عبد الرحمن مخلوف (29 عامًا) ومحمّد صالحياسين (31 عامًا) مسافرين على شارع عوريف – عصيرة القبليّة صادفا، فجأةً، حاجزًا نصبه نحو عشرة جنود، بعضهم ملثّمون، وحارس مستوطنة معروف لهم. أمر الجنود وحارس المستوطنة الاثنين بالخروج من السيّارة وقام أحدهم بسحب مخلوف إلى خارج السيّارة قبل أن يتمكّن من الامتثال لأمره، وخطف من يده سيجارة كان يدخّنها وأطفأها على وجهه. بعد ذلك أمر الجنود الاثنين بالركوع على الأرض وقاموا بتفتيش السيّارة. نكّل الجنود بهما طيلة ساعة تقريبًا، وركلوهما وضربوهما، وكان من ضمن ما استخدموه للتنكيل بهما مفكّ عثروا عليه في السيّارة وأسلحتهم، كما شتموهما وهدّدوهما.
بعد ذلك أمر الجنود الاثنين بالرجوع والدخول إلى السيّارة، وعندما دخلا إليها طرقوا عليها من الخارج، وصوَّبوا أسلحتهم نحوهما وصرخوا عليهما وشتموهما. وفي النهاية تمكّن الاثنان من الفرار من المكان.
عبد الرحمن مخلوف (29 عامًا)، أب لطفلة صغيرة، من سكّان عصيرة القبليّة، قال في الإفادة التي أدلى بها في 28.2.24 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي:
الصورة
عبد الرحمن مخلوف. الصورة قدمها مخلوف مشكوراً
في يوم الاثنين الموافق 26.2.24، قرابة الساعة 18:00، سافرتُ إلى قريتنا مع أحد أقربائي، محمّد صالح (31 عامًا)، الذي كان يقود السيّارة. عندما عبرنا على شارع عوريف - عصيرة القبليّة، صادفنا، فجأةً، حاجزًا نصبه حارس مستوطنة، معروف لنا، سويّةً مع جنود. كان هناك 10 جنود بالزيّ العسكريّ وكانوا مسلّحين ببنادق وكان بمعيّتهم حارس المستوطنة الذي أغلقت سيّارته الشارع.
أشار أحدهم لمحمّد بأن يوقف المحرّك، ووقف آخر بجانب نافذتي وأمرني بالخروج. فتحتُ الباب للخروج وعندها قام بخطف سيجارة مشتعلة من يدي وأطفأها على وجهي. بعد ذلك سحبني إلى الخارج.
أجلسوا محمّد على الأرض على بُعد 5-6 أمتار عنّي. سألني أحد الجنود إذا كنتُ أنتمي إلى حماس، وعندما قلتُ لا وأنّني أعمل في مستوطنة "أفني حيفتس" أخذ يشتمني وقال لي إنّنا لسنا أفضل من حماس. ركلني على وجهي وأصابني في منطقة الفكّ. شعرتُ بألم شديد وبدوخة.
سمعتهم يتحدّثون مع محمّد ويسألونه أسئلة بالعبريّة عن أدوات العمل التي وجدوها في السيّارة، فأجبتُهم بالعبريّة بأنّه مفكّ. حاول محمّد، الذي لا يعرف العبريّة، التحدّث معهم بالإنجليزيّة، وعندها هدّدني الجنديّ الذي ركلني سابقًا بإطلاق النار عليّ إذا نظرتُ صوب محمّد.
تحدّث حارس المستوطنة مع محمّد بالعبريّة ومحمّد لم يفهم عليه. شرحتُ لمحمّد بالعربيّة بأنّه يقول له ألّا يضع قطعًا من الحديد في داخل سيّارته. عندها قال لي حارس المستوطنة: "لا، قل له إذا وجدتُ هذه الأدوات في سيّارته مرّة أخرى فسأطلق النار عليه". قلتُ ذلك لمحمّد بينما كان ملقى على الأرض وكان أحد الجنود وحارس المستوطنة يركلانه.
عاد إليّ الجنديّ الذي قلتُ له سابقًا إنّني أعمل في مستوطنة، وقال لي: "هل تعتقد أنّك أفضل من باقي العرب؟". ثمّ شتمني شتائم قبيحة وقال لي إنّهم سوف يلقّنوننا درسًا! وكان أحدهم يأتي إليّ بين الحين والآخر ويركلني أو يضربني بسلاحه، وفي كلّ مرّة حاولتُ فيها أن أنظر في اتّجاه محمّد كانوا يصرخون عليّ ويمنعونني من النظر إليه.
استمرّ هذا الحال نحو ساعة تقريبًا حتّى أمرنا الجنود بالعودة إلى السيّارة والانصراف. كان محمّد لا يزال مُلقى على الأرض ولم يستطع النهوض بمفرده. مددتُ له يدي وساعدتُه على النهوض، ثمّ عدنا إلى السيّارة. كانت جميع أبواب السيّارة مفتوحة، فدخلنا إليها، ثمّ بدأوا يخبطون على الأبواب بقوّة ويصرخون علينا، وأمرونا بالانصراف. وقد وجّهوا بنادقهم صوبنا.
تمكّنا من التحرُّك من هناك. كنتُ منهكًا وشعرتُ بالدوار. وصلتُ إلى المنزل ولم أرغب في الدخول إليه على الفور حتّى لا تفزع زوجتي من حالتي. بقيتُ خارجًا أمام المنزل لنصف ساعة تقريبًا، ربّما دخّنتُ 10 سجائر وهدأتُ قليلًا، وعندها فقط دخلتُ إلى المنزل. حاولتُ التصرّف بشكل طبيعيّ وإخفاء الموضوع، لكن كانت هناك علامات ضرب على فمي وجرح صغير في جبيني. رأتْ زوجتي ذلك ثمّ أخبرتُها بما حدث. حاولتُ ألّا أخيفها ووصفتُ ما جرى كحادثة أخفّ. قلتُ لها ألّا تقلق. لكنّني كنتُ أشتعلُ من الداخل، وشعرتُ بالاختناق والإهانة وأدركتُ أنّني قد ظُلمتُ. بأيّ حقّ فعلوا بنا هكذا؟
في صباح اليوم التالي كان وجهي وفكّي لا يزالان يؤلمانني، وخشيتُ أن تكون أسناني الأماميّة قد تضرّرت. ذهبتُ إلى مستشفى رفيديا فقالوا لي هناك إنّني أعاني من كدمات وإنّ الوضع سيتحسّن مع الوقت وأعطوني مسكّنات للأوجاع.
أخشى الآن أن أسافر على هذا الشارع وأصادفهم مرّة أخرى. في كلّ مرّة أقوم بإجراء مكالمات هاتفيّة للتأكّد من عدم وجودهم هناك.
محمّد ياسين (31 عامًا)، أب لطفل صغير، مهندس كهرباء من سكّان عصيرة القبليّة، قال في إفادته:
الصورة
محمّد ياسين. الصورة قدمها ياسين مشكوراً
في يوم الاثنين، عندما كنتُ مسافرًا مع قريبي عبد الرحمن صادفنا حاجزًا أقامه حارس مستوطنة أعرفه وسمعتُ أنّه ينكّل بسكّان المنطقة منذ بدء الحرب. كان يرتدي الزيّ العسكريّ. كان أمامنا نحو خمس سيّارات، وقاموا بتأخير السيّارات التي مرّت بجانبنا في الاتّجاهين (باتّجاه عصيرة وباتّجاه عوريف). وعندما جاء دورنا للعبور سدّ الشارع بسيّارة تندر بيضاء أعرف أنّها تابعة لحرّاس المستوطنة، وكان بجانبها نحو 10 مستوطنين بالزيّ العسكريّ أو جنود، لستُ متأكّدًا من ذلك، لكن كان لهم سوالف وكان بعضهم ملثّمين. تعرّفنا على أحدهم الذي نعرفه كحارس مستوطنة منذ فترة طويلة.
أشار لنا حارس المستوطنة بأن ندخل إلى ساحة صغيرة ونوقف المحرّك هناك، ففعلتُ ذلك. كان عبد الرحمن يدخّن سيجارة فأخذها أحد الجنود منه وأطفأها على وجهه، ثمّ أخرجه من السيّارة وأمرني أنا أيضًا بالخروج والجلوس على الأرض. ركعتُ هناك على ركبتيّ وقام عبد الرحمن بفعل الشيء نفسه على بُعد 5-6 أمتار عنّي.
بدأ الجنديّ بتفتيش عبد الرحمن والتحدّث معه، وقام جنديّان آخران بالتفتيش في داخل السيّارة. أحضر أحدهم مفكًّا أستخدمُه في العمل، وسألني بالعبريّة: "ما هذا؟"، فقلتُ له بالعربيّة: "مفكّ للعمل"، فسألني مرّة أخرى: "ما هذا؟"، فقلتُ له بالإنجليزيّة: "مفكّ"، وفي تلك اللحظة ضربني بهذا المفكّ على صدري ويدَيّ. أمرني بالاستلقاء على بطني، وقام أربعة منهم بركلي وضربي على كلّ أنحاء جسمي.
بعد ذلك أمرونا بالعودة إلى السيّارة. ساعدني عبد الرحمن على النهوض. كانت جميع أبواب السيّارة مفتوحة، وجميع فتحات التكييف مُكسَّرة. بدأنا بالتحرّك بالسيّارة وفي أثناء ذلك أخذوا يخبّطون على أبوابها، شتمونا بأقذع الشتائم بالعربيّة والعبريّة، ووجّهوا أسلحتهم نحونا. سافرنا عائدين إلى قريتنا. عندما عدتُ إلى المنزل شعرتُ بألم شديد في رأسي لدرجة أنّني واجهتُ صعوبة في النهوض. شعرتُ بالدوار وكان جسمي كلّه يؤلمني.
الاعتداء على عبد الله صباح (23 عامًا) الذي نَقل شقيقته إلى المستشفى في 28.2.24:
في يوم الأربعاء الموافق 28.2.24، قرابة الساعة 8:30، مرّت سيّارة عائلة صباح على الشارع نفسه، وكان يسافر فيها شيماء صباح (29 عامًا)، التي كانت في طريقها للولادة بعمليّة قيصريّة في المستشفى الإنجيليّ، وأربعة من أفراد عائلتها. في طريقهم صادفوا حاجزًا أقامه نحو عشرة جنود، بينهم حارس المستوطنة نفسه، المعروف أيضًا لأفراد العائلة. أمر الجنود أفراد العائلة بالخروج من السيّارة، وقام حارس المستوطنة بإجراء تفتيش في هاتف السائق، عبد الله صباح (23 عامًا)، وبعد أن عثر فيه على صورة لأحد مسؤولي حماس هجم عليه، ثمّ أمر بقيّة أفراد العائلة بالعودة إلى السيّارة وأجبر زوج شيماء، بسّام صباح (30 عامًا)، بقيادتها وبمغادرة المكان رغم أنّه قال له إنّه لا يعرف القيادة. بعد مغادرة أفراد العائلة المكان بدأ عبد الله صباح يتعرّض لسلسلة طويلة من أعمال التنكيل.
اقتاده حارس المستوطنة مسافة 10 أمتار إلى جانب الشارع، وقام هناك بضربه بقبضتي يديه وبسلاحه على جميع أنحاء جسمه، بما في ذلك على رأسه وخصيتيه، وداس عليه بكلّ ثقل وزنه. بعد ذلك أمره حارس المستوطنة بمحو التلغرام وجميع الصور من هاتفه. أمتثل عبد الله صباح لأمره وبعدها غادر الجنود وحارس المستوطنة المكان بمركبتهم.
قام أحد أفراد العائلة بنقل عبد الله صباح إلى مستشفى رفيديا في نابلس، حيث تمّ فحصه وإعطاؤه مسكّنات للألم.
عبد الله صباح (23 عامًا)، من سكّان عوريف، تحدّث عن احتجاز أفراد عائلته على الحاجز وعن الاعتداء عليه، في إفادته التي أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي في 29.2.24:
الصورة
إصابة عبد الله ياسين. الصورة قدمها المصاب مشكورًا.
في يوم الأربعاء الموافق 28.2.24، قرابة الساعة 8.30، خرجتُ من منزلي في مركز قرية عوريف سويّةً مع والدتي إيمان صباح (50 عامًا) وأختي شيماء صباح (29 عامًا) التي كانت في نهاية فترة الحمل، وزوجها بسّام صباح (30 عامًا)، ووالدته رحاب صباح (60 عامًا). قدتُ أنا السيّارة وكنا ننقل ونرافق شيماء إلى مستشفى رفيديا، لأنّه كان لديها موعد للولادة بعمليّة قيصريّة.
عندما كنّا في منتصف الطريق بين عوريف وعصيرة القبليّة صادفنا حارس مستوطنة نعرفه، وكانت تقف هناك سيّارتا تندر (تابعتان لحرّاس المستوطنة). وكان برفقة الحارس نحو 10 أشخاص يرتدون الزيّ العسكريّ ويحملون بنادق، وبدوا لي كمستوطنين.
مرّت سيّارة أمامي، ثمّ أشاروا لي بالاقتراب. أخذ الحارس هاتفي الخلويّ منّي وأمرني بفتحه، ففعلتُ ذلك، ثمّ أمر جميع الركّاب بالخروج من السيّارة.
كانت في الهاتف صورة خالد صباح، وهو ريب لي ينتمي إلى حماس، وكذلك صورة لصالح العاروري، أحد قادة حماس. عندما رأى الصورتين أصيب بالجنون، وبدأ يقول لي إنّني مخرِّب. ضربني بسلاحه على صدري ودفعني. وعندما حاولتْ والدتي الاقتراب منّي، صوَّب سلاحه نحوها وهدّدها بإطلاق النار عليها. بعد ذلك أجبر الجميع، ما عداي، على الركوب ثانية في السيّارة. وعندما لم ترد والدتي المغادرة بدوني هدّدها بإطلاق النار عليها. أمرَ بسّام بقيادة السيّارة، لكنّ بسام قال له إنّه لا يعرف القيادة. أجلسه حارس المستوطنة بالقوّة على مقعد السائق خلف عجلة القيادة. شغَّل بسّام السيّارة وبدأ بقيادتها.
أخذني أحد الجنود إلى مسافة 10 أمتار على جانب الشارع، وأمرني بخلع حذائي. فتّش في داخل الحذاء ثمّ لكمني على وجهي ودفعني وأجلسني على الأرض. بدأ يضربني على خصيتيّ، وفي أثناء ذلك سألني إذا كنت متزوّجًا وإذا كان لديّ أطفال. ضربني بالسلاح على خصيتيَّ وركلني حتّى سقطتُ أرضًا وأنا أتلوّى من الألم. طوال ساعة تقريبًا كان الجنود يأتون بالتناوب كلّ بضع دقائق ويهاجمونني. وضع حارس المستوطنة سبطانة سلاحه على صدري وأخذ يضغط عليه ولفّها عدّة مرّات على صدري حتّى بدأتُ أصرخ من شدّة الألم. بعد ذلك وضع السلاح على بطني وبدأ يضربني على رِجليّ، ثمّ داس على رِجليّ بحذائه الثقيل، وبعد ذلك أجبرني على الاستلقاء على بطني وركلني على ظهري عدّة مرّات. كما وضع رأسي على جنزير حفّارة "باغر" كانت تقف هناك، وضربني على رأسي بسلاحه. بعد ذلك أمرني حارس المستوطنة بالذهاب إليه، أعاد لي هاتفي وأمرني بمحو التلغرام وجميع الصور. محوتُها، وعندها فقط غادروا جميعًا بمركباتهم.
بعد انصرافهم أوقفتُ سيّارة أخذتني إلى البيت ومن هناك سافرتُ إلى مستشفى رفيديا. أجروا لي فحوصات وأعطوني مسكّنات للألم، ثمّ سرّحوني. ذهبتُ من هناك لزيارة أختي التي ولدتْ في المستشفى الإنجيلي. أنجبتْ بنتًا. كانوا قلقين جدًّا عليّ، لذا جئتُ لكي يروا أنّني بخير، خصوصًا بعد أن بكت والدتي عندما اضطرَّت إلى تركي هناك وبعد أن هدّدوها بإطلاق النار عليها.