اللحظة التي تلقيت فيها خبر إصابة يامن [ابني]، اللحظة التي وجدته فيها قتيلًا في ثلاجة الموتى، اللحظات التي يعلم الله وحده كيف وجدت فيها القوة للاتصال بوالدته وشقيقتيه وإخبارهن بأنه قُتل. أخبرني أصدقاء يامن أنهم ذهبوا إلى مركز المساعدات، على الرغم من أنني منعته من الذهاب إلى هناك. كان هناك إطلاق نار من الدبابات فقُتل أشخاص وأصيب آخرون. حاول يامن مساعدة شاب جريح، فأصيب هو أيضًا من جرّاء إطلاق النار. أصابته الرصاصة في خاصرته وقتلته على الفور. قُتل ابني يامن بالرصاص فقط لأنه ذهب إلى مركز المساعدات، فقط لأنه أراد إحضار الطحين للعائلة وحاول مساعدة جريح.
أصواتٌ من غزّة
تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>
رأيت دبابات وجنودًا إسرائيليين، وأمريكيين بزي عسكري أيضًا، مسلحين بأسلحة الإسرائيليين نفسها، يطلقون نيرانًا كثيفة على أناس مثلي يريدون فقط الحصول على الطعام. قُتل الكثير من الناس، وأصيب معظمهم في الرأس أو الصدر. رأيت امرأة تقف على بعد أمتار قليلة مني تصاب في رأسها. انفجر رأسها ببساطة.
أعلن الجيش عن افتتاح "مراكز المساعدات الأمريكية"، التي شكلت، عمليًا، مصائد للموت. [...] توسل أسامة [ابني] للذهاب إلى هناك لإحضار الطعام لكنني عارضت. خفت أن أفقده. في النهاية، استسلمت لجوع الفتيات. في صباح يوم 19.6.25 ذهب [إلى هناك] مع أخي أحمد، وبعض الأصدقاء الآخرين [...]. في الساعة 23:00 ليلًا، عاد أخي بجثة أسامة. كان مغطى بالدماء والغبار. روى أحمد أن دبابة إسرائيلية أطلقت عليهم قذيفة أصابت أسامة في ظهره وقتلت خمسة أشخاص آخرين بينما كانوا يفتحون طرود المساعدات. قُتلوا جميعًا على الفور. [...] ترك وراءه زوجة حاملًا في شهرها الثالث وخمس أخوات يتيمات. لقد مات ليجلب الخبز لنا ولأخواته.
[...] عندما نصل ننتظر على مسافة حددها الجيش حتى يشير بأنه يسمح لنا بالتقدم إلى المركز نفسه [...]. توقفنا على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من مركز التوزيع وانتظرنا أن يشير لنا الجيش بالتقدم إلى المركز نفسه. فجأة بدأ إطلاق نار باتجاهنا [...] أطلقوا النار علينا من الدبابة ومن طائرة مسيّرة (كوادكوبتر). تمكن بعض الأشخاص الذين كانوا ينتظرون معنا من الهرب مثلنا، لكن البعض الآخر علقوا هناك في إحدى القنوات. [...] تُمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة، لذلك قام السكان بإخلاء الجثث والجرحى على عربات تجرها الحمير.
أخرج كل يوم تقريبًا إلى مراكز المساعدات - إلى "نتساريم" أحيانًا وإلى "زيكيم" أو النابلسي في أحيان أخرى. عندما أخرج من الشقة، أودع زوجتي وأطفالي وكأنها المرة الأخيرة. الذهاب إلى هناك هو الذهاب إلى الموت. ربما أعود، وربما لا. أرى الموت هناك بأم عيني. لقد حوّل الجيش مراكز التوزيع إلى مصائد للموت.
سمعت من الناس أن شاحنات المساعدات ستمر في منطقة التحلية. ارتديت ملابسي وخرجت من المنزل جريًا للوصول إلى المكان مبكرًا. عندما وصلت كانت هناك حشود من السكان، لكن لم تكن هناك شاحنات تحمل الطحين. عدد هائل من الناس فقط ينتظرونها. فجأة بدأت الدبابات الإسرائيلية بقصف الناس.. [...] كان هناك قتلى وجرحى. تقدم الناس للمساعدة ومحاولة إنقاذ الجرحى فقصف الجيش مرة أخرى. ومرة أخرى. كان منظر الجثث المشوهة مروعًا ومخيفًا للغاية. كان البعض بلا أيدٍ وأرجل والبعض بلا رؤوس بينما تمزق البعض الآخر إلى أشلاء.
[...] ذهبت أنا وأمي وأخي أحمد (12 عامًا). كان أبي متعبًا وقرر عدم مرافقتنا هذه المرة. [...] عندما اقتربنا من مركز المساعدات، بدأ الجيش الإسرائيلي فجأة بإطلاق نيران كثيفة. كان الأمر لا يصدق. [...] عندما توقف إطلاق النار، تحركنا مرة أخرى نحو نقطة التوزيع. مشيت أنا أولًا، وكانت أمي تسير ورائي تمسك بيد أحمد. ثم بدأ إطلاق النار مرة أخرى فأصابت رصاصة رأس أمي. استدرت ورأيتها ملقاة على الأرض. ظننت أنه أغمي عليها فقط، لم يخطر ببالي أنها قُتلت.
انتظرنا أن يُدخلونا إلى مركز المساعدات وأن نحصل على طعام. فجأة، أُطلقت النار علينا من الرافعات التي نصبها الجيش الإسرائيلي هناك. بدأ الجميع يركضون في كل الاتجاهات محاولين الهرب وركضت أنا وأخي أيضًا تحت نيران الجيش، ثم أصابتني 5 رصاصات. [...] عندما استيقظت، وجدت نفسي على سرير في مستشفى ميداني [...] أخرج الأطباء الرصاصة التي كانت في ظهري لأنها كانت تشكل خطرًا عليّ وأصابت أمعائي أيضًا. أجريت لي عملية جراحية في ساقي ووضعوا لي بلاتين. [...] كل ما في الأمر أنني ذهبت إلى مركز مساعدات لأحصل على طعام لأطفالي والآن لا أستطيع أن أؤمّن لنفسي العلاج والأدوية ولا أعرف متى سأتمكن من الوقوف على قدميّ.
[...] أطلقت طائرة مسيّرة عسكرية النار عليّ وأصبتُ في قدمي اليمنى [...] هكذا تم جرّي مع عائلتي كلها من مستشفى إلى آخر في ظروف مروعة. في كل منطقة كنا نصل إليها، كان القصف والنزوح مستمرّين. عشنا في خوف وجوع دون إمدادات طعام أو ماء ودون سقف آمن. لم يكن هناك أطباء متوفرون في أي مكان، ولم تكن هناك أدوية [...] اضطر الأطباء في مستشفى العودة إلى بترها في ظروف صعبة لإنقاذ حياتي.
مشينا حوالي 3 كيلومترات مع آلاف السكان من مخيم النازحين الذين يتضورون جوعًا [...] فجأة ظهرت طائرات مسيّرة (كوادكوبتر) في السماء وأحاطت بنا وبدأت تطلق علينا نيرانًا حية. أصبتُ في يدي اليسرى برصاصة اخترقتها وخرجت.. استدرت للبحث عن أخي فراس والفرار من إطلاق النار، ثم أطلق علي قناص من الجيش من مسافة حوالي 300 متر وأصابتني الرصاصة في ظهري، بالقرب من العمود الفقري، وخرجت من البطن. [...] كان الوضع صعبًا للغاية لدرجة أن الناس داسوا على الجثث للهروب من هناك. بجانبي كان يرقد حوالي 20 قتيلاً وعشرات الجرحى الآخرين. كنت متأكدا من أنني أيضًا سأموت.
ركضت مباشرة إلى الداخل للبحث عن زوجتي وأطفالي بين الأنقاض. وجدت ابني زياد جالسًا في إحدى غرف الطابق الأرضي وفوقه وحوله أنقاض. كان ينادي على أمه وإخوته وعندما رآني، بدأ يصرخ "أبي أنا هنا". كانت لديه حروق في جميع أنحاء جسده. رفعته وسألته إذا كان يعرف أين أمه ثم سمعتها تناديني.
كنت ملقى على الأرض أنزف دمًا، نظرت إلى ساقي ولم أصدق. قلت لنفسي: "هذا حلم". صرخت أمي وطلبت المساعدة. بعد خمس دقائق، جاء شاب وعندما رأى أننا ما زلنا على قيد الحياة، أقلّني أنا ومحمد [أخي التوأم] على مركبة "توكتوك" إلى المستشفى الإندونيسي. وكذلك خالي وأمي والجميع. في الطريق، تلا محمد آيات من القرآن والشهادتين لكنني لم أكن أعرف أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.
حملتُ زوجي على ظهري ومشيت. كان جسده مترهلًا بسبب الإصابة وكان ثقيلًا جدًا. لم يكن هناك أي شخص لمساعدتي فاضطررتُ لحمله بمفردي. مشينا قليلًا واسترحتُ ثم أكملتُ. كان ينزف باستمرار. وصلنا إلى منزل عمي الذي يبعد عن منزلنا حوالي خمسين مترًا. [...] فجأة لاحظتُ أن يده اليسرى ترتجف بشدة. سألته إن كان يريدني أن أدلكه، لكنني رأيت حينها أنه قد مات. تحققتُ مرة أخرى ولم أكن مخطئة. لقد مات بين يدي.
بينما كنا جميعًا نائمين، تم قصف المنزل [...] قُتل ثلاثة من أفراد الأسرة في القصف [...] أصيب ابني محمد مرة أخرى ونُقل إلى المستشفى المعمداني في مدينة غزة [...] في الصباح، خرجت أنا وزوجي مبكرًا إلى مستشفى المعمداني وعندما رأيت ساق محمد اليسرى كانت سوداء. أخبرني الطبيب بأنهم سيبترون ساقه، لأن حالتها خطيرة جدًا. كانت أمام أعيننا جثث قتلى وقلت في نفسي الحمد لله أن محمدًا لم يُقتل.
في 18.3.25 تجددت الحرب وبدأ القصف مرة أخرى. أغلقت المعابر وبدأ نقص حاد في الغذاء. ارتفعت الأسعار بشكل كبير: وصل سعر كيس الطحين إلى 1,500 شيكل. لم يكن لدينا ما نشتريه. [...] نحن نعيش اليوم على ما تقدمه إدارة المخيم - نصف كيلو من الطحين مرة كل يومين. [...] بعد تجدد الحرب، توقفت العديد من "التكايا" عن العمل على الرغم من أنها كانت المصدر الرئيسي للغذاء للناس. ظل معظم الناس جائعين. لم نتلق وجبات مطبوخة منذ أكثر من شهر. نضطر إلى التسول للحصول على وجبة واحدة للأطفال في اليوم، وخاصة لنجاح.
أرسل الجيش طائرة كوادكوبتر إلى داخل المنزل وأمرنا عبر مكبر الصوت برفع أيدينا. قامت طائرة الكوادكوبتر بتصويرنا. ثم دخل الجنود وأجبرونا على خلع ملابسنا [...] كما استخدم الجنود عبد الله [أحد أبنائي] كدرع بشري فأجبروه على القيام معهم بعملية تفتيش في المنزل وقاموا بتقييد أيدي الرجال الآخرين ثم بتقييد يديه واعتقاله هو أيضًا [...] أمرونا، نحن النساء - وتحت تهديد السلاح - بالمشي إلى جنوب القطاع على طول شاطئ البحر [...] بقينا نمشي طوال يومين [...] رأينا في الطريق عشرات الجثث - نساء، أطفال ورجال - ملقاة على الشاطئ والكلاب تنهشها. بعض الجثث كانت قد تحللت من ملوحة مياه البحر.
كان الأطفال يلعبون مع زوجي بينما كان والداي وأخي حمزة وابن عمي محمد جالسين في غرفة الاستقبال وكنت أنا في المطبخ أعد القهوة والمعكرونة للأطفال. فجأة، وقع انفجار هائل. من شدة الانفجار انغلقت أذني وسقطت على الأرض. اعتقدت أن أسطوانة الغاز انفجرت. كان كل شيء من حولي يحترق. عندما صحوت، لم أجد أطفالي ولا بقية أفراد الأسرة. تم تدمير كل شيء. تم قصف المنزل بثلاثة صواريخ من الجو.. [...]نقلوني بسيارة إسعاف إلى مستشفى الشفاء. لم أكن أعرف أن الجثة الصغيرة التي كانت في سيارة الإسعاف هي جثة ابنتي جوري. في المستشفى فقط أخبروني أن كل من كان في المنزل قد قتل، باستثنائي أنا وعلي.
في 2.3.25 أغلقوا المعابر ومنعوا دخول المواد الغذائية. اختفت البضائع من السوق تدريجيًا ولم يعد من الممكن الآن شراء الطعام هنا ولا تتوفر أية مساعدات [...] استؤنفت الحرب في 18.3.25 وعدنا إلى العيش في ظل كابوس القتل والقصف والدمار والتهجير [...] لم تدخل المواد الغذائية إلى القطاع منذ أكثر من شهر ونصف الشهر [...] أتمكن أحياناً من الحصول على رغيف خبز واحد أو اثنين ونضطر إلى الاكتفاء بذلك. ننام جوعى ونستيقظ جوعى ومرعوبين من القصف وضجيج الطائرات.
خلال هذه الحرب الشرسة عانينا من أشياء قاسية كثيرة: القتل، النزوح، الدمار والجوع. لكنّ الجوع الذي نعاني منه خلال الشهرين الأخيرين هو بمقاييس مختلفة. أغلِقت المعابر ومُنع إدخال البضائع إلى القطاع بشكل تامّ. هذه طريقة أخرى من طرق الحرب التي يستخدمها الجيش الإسرائيليّ ضدّ المدنيّين في القطاع: حرب التجويع. أولادي يتوسّلون إليّ أن أحضر لهم اللحم أو البيض وأنا أضطرّ أن أقول لهم إنّ هذه غير متوفرة وإنّني لا أستطيع. ما هي الجريمة التي ارتكبها أولادي؟ ولماذا يتمّ تجويعهم؟
كان ابني الصغير، عزّ الدين، يبكي كثيرًا ويردّد دائمًا "أنا جوعان". كان يذبحني سماع ذلك وكنتُ أبكي بسبب حالته، لكن هذا كان حال الجميع. شرحتُ له أنّ الجميع جائعون وليس في وسعي فعل أيّ شيء. [...] لم نحصل على قسائم لحزم الطعام لأنّنا كنّا في شقّة وليس في خيمة، ولذلك كان علينا أن ندفع أسعارًا مجنونة مقابل الطعام. أصيب اثنان من أولادي، ليان ومحمود، بالتهاب الكبد الفيروسيّ، ولم يكن لديهما أيّ علاج.
كنت حاملاً في الشهر التاسع وكان وزني 55 كغم فقط، لأنّني كنت أتناول وجبة واحدة فقط في اليوم - عدس، فول أو فلافل. عندما حان موعد الولادة وذهبت إلى المُستشفى لم يصدّق الأطبّاء أنّني حامل. كان وزن المولودة 2 كغم، بسبب قلّة الطعام.
كنا جالسين نأكل فسمعنا انفجارًا في الشارع.. [...] كانت إيلياء تقف بجانبي. فجأة تعرض المنزل للقصف. انهار كل شيء وامتلأ بالدخان والغبار والأنقاض. قُتلت أمي ومرح وبيسان. أصبت أنا وإيلياء.. [...] أصيبت إيلياء بحروق من الدرجة الأولى والثانية في الوجه واليدين وإصابات في الرأس استدعت القُطَب. أصبتُ أنا بحروق من الدرجة الأولى في الوجه ومن الدرجة الثانية في الظهر واليدين. لم يتمكنوا من انتشال جثتي أختي بيسان وأمي ولا تزالان تحت الأنقاض. تم انتشال جثة أختي مرح بصعوبة، تحت إطلاق النار.
يعاني عمر كثيرًا منذ إصابته وفقدانه لعائلته. يختبئ طوال الوقت، لا يحب أن يراه أحد ويحاول إخفاء ذراعه المبتورة ووجهه [...] قُصف أفراد عائلته أمام عينيه دون أي ذنبٍ اقترفوه. سلبوا منه كل ما يمكن أن يجلب له السعادة في الحياة - أمه وأباه وأخته[...]. يقول لي: "لا أريد العودة إلى غزة. أريد البقاء هنا". إنه خائفٌ جدًا ولا يحب أن يتذكر ما حدث له.
في 7.11.24 في ساعات الصباح، بينما كنت أنا وابني حمودة بالقرب من بوابة المدرسة وكنا على وشك الخروج للبحث عن الطعام، أطلقت طائرة بدون طيار صاروخاً علينا مباشرة وأُصِبنا نحن الاثنان بجروح خطيرة. بقينا مُلقيَن على الأرض لمدة ساعتين ولم تصل أي سيارة إسعاف لإخلائنا، بسبب القصف المكثف وصعوبة الحركة في المنطقة. بعد ساعتين، وبطريقة ما، تم إجلاؤنا على عربة "توك توك" إلى المستشفى الأهلي العربي.