خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
بردلة، غور الأردن: في مواجهة اندلعت بعد أن حاول مستوطنون طرد مزارعين من حقولهم، جنود ومستوطن يطلقون النار على سكان كانوا يفرّون ويصيبون خمسة منهم. بعد ذلك، أحرق المستوطنون مجمّعًا سكنيًا وحظائر أغنام
مبانٍ وممتلكات أخرى أحرقها المستوطنون في المجمّع السكني الخاص بعائلة جهالين في سهل قاعون. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
مساء يوم الأربعاء الموافق 23.4.25، جاء مزارعون من قرية بردلة إلى حقولهم الواقعة في منطقة سهل قاعون الزراعية، شماليّ القرية، لريّ محاصيلهم والاعتناء بها. نحو الساعة 22:00 حضر إلى المكان أربعة مستوطنين، كان واحدًا منهم على الأقل مسلحًا ببندقية، وحاولوا طرد المزارعين من الحقول. اندلعت مواجهة في المكان واستدعى المزارعون عددًا كبيرًا من أهالي بردلة إلى المنطقة. كما استدعى المستوطنون بدورهم مستوطنين آخرين، حضروا إلى المكان برفقة جنود.
في حوالي الساعة 23:00، أطلق الجنود، وأحد المستوطنين على الأقل، النار على المزارعين والسكان الذين حاولوا الفرار عائدين إلى القرية سيرًا على الأقدام وفي السيارات، مما أدى إلى إصابة خمسة منهم: ثلاثة أصيبوا بأعيرة نارية في أرجلهم بينما أصيب اثنان بشظايا. تم نقل المصابين إلى عيادة في بلدة عين البيضا المجاورة ومن هناك إلى مستشفيات في طوباس وأريحا وجنين ورام الله. بقي اثنان منهم في المستشفى لأكثر من أسبوع.
في الليلة نفسها، قرابة منتصف الليل، وصل جنود إلى المجمّع السكنيّ الذي تقطنه عائلة أحمد جهالين (53 عامًا) وابنه علاء (25 عامًا) مع أفراد عائلتيهما، الذين يعيشون منذ بضع سنوات على الأطراف الجنوبية لـسهل قاعون، على بعد نحو 200 متر شماليّ بردلة. كان أفراد العائلة قد فرّوا، قبل ذلك بوقت قصير، إلى منازل الجيران خشية هجوم المستوطنين وراقبوا ما يحدث عن بعد نحو 500 متر. اقتحم الجنود المجمّع وفتشوا المنزل والخيام والحظائر وفتحوا بوابات الحظائر للسماح للأغنام بالفرار وخرّبوا الممتلكات. عندما وصل الجنود إلى الجزء الخلفي من المجمّع، رأوا أفراد العائلة الذين كانوا يراقبونهم عن بعد، فطاردوهم واعتقلوا محمد جهالين (16 عامًا) واقتادوه إلى أحد معسكرات الجيش في المنطقة؛ وقد أطلق سراحه في اليوم التالي دون تفسير سبب اعتقاله. بعد ذلك، ابتعد الجنود في اتجاه قرية بردلة.
الصورة
خزان مياه دمّره المستوطنون في المجمع السكني الخاص بعائلة الجهالين في سهل قاعون. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
بعد لحظات قليلة من مغادرة الجنود، رأى أفراد العائلة مستوطنَين اثنين على الأقل يصلان إلى المجمّع على متن تراكتور صغير (تراكتورون). اقتحم المستوطنان المجمّع أيضًا وأضرما النار في الخيام والمباني السكنية والحظائر والأغنام التي كانت لا تزال في داخلها. استدعى أفراد العائلة سيارة إطفاء من محطة الإطفاء في بردلة، لكن الجنود والمستوطنين سدّوا طريقها في البداية فاضطر السكان لأن يشاهدوا عن بعد كيف كانت النار تقتل أغنامهم وتلتهم ممتلكاتهم. احترقت جميع المباني السكنية ودُمّرت محتوياتها بالكامل، بما في ذلك الأثاث والوثائق الرسمية والمجوهرات والنقود وأدوات المطبخ والأدوية والصور العائلية. احترقت حظائر الأغنام أيضًا ونفق نحو 50 رأسًا من الأغنام التي أصيبت في الحريق في تلك الليلة ثم في الأيام التي تلتها. كما أحرق المستوطنون أيضًا خزانَيْ مياه، سعة كل منهما متر مكعب ونصف، وكل مخزون علف الأغنام.
الصورة
الطريق من بردلة إلى الأراضي الزراعية في سهل قاعون التي أغلقها المجلس الإقليمي "عربوت هيردين". صورة قدمها نشيطات/ نشطاء الأغوار
في اليوم التالي، الخميس الموافق 24.4.25، حوالي الساعة 15:30، حضر إلى بردلة "شاي آيغنر"، "مركّز دائرة الأراضي في الشمال" في المجلس الإقليمي "عربوت هيردين"، برفقة شرطي وجرافة، فقام بسد الطريق الزراعي من القرية إلى سهل قاعون بواسطة الصخور. ويضطر المزارعون الآن إلى السفر أكثر من سبعة كيلومترات على طرق وعرة للوصول إلى أراضيهم.
تم إعادة بناء منزل عائلة الجهالين، الذي أحرقه المستوطنون، في نفس المكان بمساعدة التبرعات.
سجّل باحث بتسيلم الميداني عارف دراغمة إفادات بعض سكان قرية بردلة:
سليمان صوافطة (35 عامًا) تحدث في الإفادة التي أدلى بها في 19.8.25 عن إصابته بالرصاص أثناء محاولته الفرار باتجاه القرية:
أنا أسكن في قرية بردلة وأعمل في الزراعة منذ سنوات عديدة، في منطقة سهل قاعون والأراضي المجاورة لها. أزرع هناك مع مزارعين آخرين الخضروات بجميع أنواعها. بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 23.4.25، ذهبت إلى أرضي مع مزارعين آخرين للاعتناء بالحقول وفتح مياه الري. يتم توزيع المياه حسب الدور ـ في كل مرة يروي مزارع آخر أرضه لبضع ساعات. جاء معي مزارعون آخرون أرادوا ري أراضيهم وآخرون أرادوا حماية حقولهم لأن المستوطن الذي أقام بؤرة استيطانية شمال غرب بردلة قبل نحو ثمانية أشهر يُدخل أبقاره إلى الحقول ويُتلف المحاصيل.
نحو الساعة 22:00 سمعت فجأة مزارعين يصرخون بأن أربعة مستوطنين قد حضروا ويحاولون طردهم من الحقول وأن أحدهم مسلح. بعد ذلك سمعت مزارعين يصرخون بأن المستوطنين يهاجمونهم ورأيت الناس يفرّون باتجاه القرية. فجأة، بدأ إطلاق نار كثيف. ركضت أنا أيضًا بسرعة مع المزارعين الآخرين وفررنا باتجاه القرية. اشتدت كثافة إطلاق النار علينا.
أثناء الركض، أُصبتُ بعيار ناري في ساقي اليمنى، قرب الركبة. سقطت على الأرض وصرخت للناس بأنني أُصبت. حملني أحدهم إلى سيارة كانت تمر من هناك وأحضروني إلى بردلة. من هناك نقلوني إلى مستشفى في أريحا، ومن هناك إلى رام الله لمتابعة العلاج. رقدتُ في المستشفى لأكثر من أسبوع وعانيت من آلام شديدة وتعطلت عن العمل لعدة أشهر بسبب الإصابة.
لا أعرف مَن أطلق النار ـ الجيش أم المستوطنون ـ وأعتقد أن الجميع أطلقوا النار على الناس. كان هناك مزارعون آخرون وأناس من القرية أُصيبوا. جاء الجيش لدعم هجمات المستوطنين. أعتقد أن المستوطنين لن يتركوا المزارعين في سهل قاعون، بل إنهم مصممون على طرد المزارعين من هناك ومنعهم من فلاحة أراضيهم.
محمد صوافطة (32 عامًا)، أب لولد، روى في إفادتين أدلى بهما في 26.4.25 و 19.8.25 عن إصابته أثناء فراره باتجاه القرية:
مساء يوم الأربعاء الموافق 23.4.25، وحين كنت في منزلي في بردلة سمعت أشخاصًا يتحدثون خارج المنزل ويقولون إن مستوطنين جاؤوا إلى منطقة قاعون وأنهم يهاجمون المزارعين هناك. خرجت إلى هناك بالسيارة مع العديد من سكان القرية الآخرين.
عندما وصلنا رأيت الكثير من الناس هناك، لكنني لم أستطع أن أفهم ما الذي يجري بالضبط. قال المزارعون إن محاصيلهم قد أُتلفت وقال آخرون إن هناك مستوطنين وجنودًا وإن المستوطنين هاجموا شخصًا ما. بعد ذلك بوقت قصير سمعت إطلاق نار كثيف وصراخًا. رأيت الناس يركضون ويدعون الآخرين إلى الفرار باتجاه القرية. ركبت السيارة مع آخرين وعدنا باتجاه بردلة. استمر إطلاق النار.
بعد أن تقدمنا قليلاً، أطلقوا النار علينا وشعرت بشيء يصيبني في ظهري. بدأت أنزف. كما أصيب أيضًا نادي صوافطة (39 عامًا)، الذي كان معي في السيارة، ومحمود صوافطة (41 عامًا) الذي كان واقفًا على جانب السيارة أثناء سيرها، أُصيب في ساقه.
واصلنا السير ووصلنا إلى بردلة، ومن هناك نقلتنا سيارة إسعاف إلى المستشفى التركي في طوباس. كان علينا أن نسلك طريقًا التفافيًا طويلاً عبر حاجز الحمرا، لأن حاجز تياسير كان مغلقًا. عندما وصلنا إلى المستشفى تبيّن أنني ونادي أُصبنا بشظايا وأن محمودًا أُصيب بعيار ناري. كانت إصابتي طفيفة نسبيًا لذا، عالجوني وسرّحوني بينما رقد الجرحى الآخرون في المستشفى.
المستوطنون يعادوننا ويريدون قتلنا وطردنا من أراضينا التي نملك وثائق طابو رسمية بملكيتنا عليها. الجميع يخشون مما سيحدث هنا. أنا وعائلتي نخاف الاقتراب من المنطقة لأن المستوطنين يتجولون هناك طوال الوقت والجيش يحميهم. إنهم يفعلون ما يريدون ولا أحد يقول لهم شيئًا.
علاء جهالين (25 عامًا)، أب لولد، روى في إفادة أدلى بها في 19.8.25 عن حرق المجمّع السكني الخاص بعائلته:
أنا أعيش مع عائلتي وعائلة والدي بالقرب من منطقة تسمى "ميشور قاعون"، شماليّ بردلة، ونحن نربي الأغنام لكسب رزقنا. قبل نحو ثمانية أشهر، جاء مستوطن وأقام بؤرة استيطانية غرب منزلنا. أحضر المستوطن قطيعًا من الأبقار، ومنذ ذلك الحين وهو يرعى قطيعه في كل مكان، بما في ذلك الأراضي التي نستخدمها للرعي والحقول المجاورة. لقد نكّل بنا الجيش عدة مرات، وصادر جرارنا، ومنعنا من رعي الأغنام في معظم المناطق. أصبحت حياتنا صعبة للغاية. يفعل المستوطنون كل شيء لطرْدنا، والجيش يساعدهم.
الصورة
ممتلكات أحرقها المستوطنون في مضارب تجمّع الجهالين في سهل قاعون. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
يوم الأربعاء الموافق 23.4.25، قرابة منتصف الليل، كنا جميعًا في المنزل باستثناء والدي. سمعت ورأيت أن سكانًا من بردلة كانوا شماليّ مجمّعنا السكني وفي الحقول المجاورة، ورأيت أيضًا بعض الأشخاص بالقرب من خيامنا. ثم سمعت صراخًا وطلقات نارية والأشخاص الذين رأيتهم بدأوا يركضون جنوبًا، باتجاه بردلة. اتصل بي والدي في تلك اللحظة لأنه سمع بوجود مستوطنين وجيش في منطقة قاعون، وعندما أخبرته بما يحدث طلب منا جميعًا مغادرة المنزل والانتقال إلى الجيران. هربنا، جميع أفراد العائلة، من المنزل دون أن نأخذ معنا أي شيء وركضنا مسافة 500-600 متر باتجاه الجيران.
من المكان الذي كنا فيه، رأيت جنودًا يظهرون فجأة بالقرب من خيامنا ورأيت السكان الذين كانوا ما يزالون في المنطقة وهم يهربون. دخل الجنود مجمّعنا السكني، إلى الخيام والحظائر، وفتحوا الأبواب وأجروا تفتيشًا ودمّروا الممتلكات. عندما كانوا خلف الخيام رأونا وبدأوا بملاحقتنا. تمكنت أنا وعائلتي من الاختباء، لكن الجنود ألقوا القبض علي أخي محمد (16 عامًا) واعتقلوه.
بعد ذلك، تركنا الجنود وواصلوا مطاردة سكان من بردلة حتى مقربة من أطراف القرية. ثم رأيت تراكتورًا صغيرًا يقترب من منزلنا، وعلى متنه شخصان على الأقل. ركضا وأضرما النار في المباني السكنية والحظائر وعلف الأغنام، فامتدت النيران وانتشرت.
أبلغت الناس بأن مستوطنين أضرموا النار في الخيام، فاتصلوا بمكتب التنسيق والارتباط الفلسطيني ليطلبوا حضور سيارة إطفاء من محطة الإطفاء في بردلة. في البداية، منع الجنود والمستوطنون سيارة الإطفاء من الوصول، لكن بعد فترة سمح الجيش لها وكذلك لسيارة إسعاف من عين البيضا بالاقتراب. رافقتهم باتجاه منزل العائلة.
كانت النار مشتعلة في كل شيء. كان جزء من الأغنام خارج الحظائر (يبدو أن الجنود فتحوا بعض بواباتها)، لكن الكثير منها بقي محبوسًا في الداخل. كانت الحظائر مصنوعة من أقمشة الخيش والنايلون وتسبب الحريق في انهيارها على الأغنام. في البداية، قدّرنا أن حوالي 20 رأسًا قد نفقت وأصيبت عشرات أخرى بسبب الحريق، لكن في الأيام التالية تبيّن أن حوالي 50 رأسًا من الأغنام قد نفقت بسبب الحريق. بعض النعاج الحوامل أجهضت أجنّتها أيضًا. كما احترق كل علف الأغنام.
احترق منزلنا أيضًا مع كل ممتلكاتنا. هربنا فقط بالملابس التي كانت علينا، لا شيء آخر. احترقت وثائق رسمية ومجوهرات ذهبية ومبلغ صغير من المال وكل ذكرياتنا، بما في ذلك صور حفلات الزفاف وصور الأجداد التي كنا نحتفظ بها. احترقت أغراض الأطفال والأدوية التي في الثلاجات وخارجها وذابت جميع أدوات المطبخ من حرارة النار. لم تتبق لنا ولو فرشة واحدة أو بطانية واحدة لننام عليها، لا شيء. حتى خزانات المياه احترقت ولم تبق قطرة ماء واحدة في المجمّع.
أحمد جهالين (53 عامًا)، أب لأربعة أولاد، أدلى بإفادة في 26.4.25 فأضاف إلى ما رواه ابنه علاء:
نحن نعيش في خوف دائم. لا تتوفر لنا أية حماية من المستوطنين الذين يتصرفون بعنف وبدعم من الجيش. يعرف الجنود جيدًا أن المستوطنين يهاجمون السكان، لكنهم يعتقلون السكان ويحمون المستوطنين ويدَعونهم يفعلون ما يريدون. في تلك الليلة أيضًا تصرفوا على هذا النحو ـ أحرق المستوطنون كل ما نملك، لكن الجيش لاحق السكان بالذات واعتقل الجنود ابني محمد (16 عامًا) لمدة يوم كامل.
الصورة
أحمد جهالين في المجمّع السكني الذي أحرقه المستوطنون. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
لم يترك لي المستوطنون شيئًا. لا أثاث، لا منزل، لا خيام. لكنني سأعود وأبني منزلي من جديد. السكان هنا كرماء وسأعود للعيش في المكان على الرغم من الخوف من أن يهاجمنا المستوطنون مرة أخرى. لقد عانينا على مر السنين الكثير من الاحتلال، وما زلنا نعاني حتى اليوم. يحاول المستوطنون أن يسدوا أمامنا كل إمكانية للعيش حياة طبيعية، لكننا مصممون على الاستمرار. ليس لدينا خيار آخر.