في يوم الأحد الموافق 26.2.23 في ساعات الظهر، أطلق مسلّح فلسطينيّ النار وقتل الشقيقين هليل ويغيل يانيف، من سكّان مستوطنة "هار براخا"، بينما كانا ينتظران في زحمة السير على الطريق الذي يمرّ ببلدة حوّارة. وفي ساعات ما بعد الظهر من ذلك اليوم، اقتحم مئات المستوطنين، يرافقهم جنود، عدّة أحياء في بلدة حوّارة وقرى زعترة وبورين وعصيرة القِبليّة ونفّذوا فيها بوجرومًا.
في ذلك اليوم، قرابة الساعة 18:00، قَدِم مستوطنون إلى بناية تملكها عائلة ضميدي في حوّارة، يوجد في طابقها الأرضيّ سوبرماركت "أبو العيال" الذي يملكه فراس ضميدي (37 عامًا)، والذي كان موجودًا خارج البلاد في ذلك الوقت، وتسكن في طابقها العلويّ والدته نوال ضميدي (68 عامًا) وأخواته الثلاث حنان (38 عامًا) وفادية (35 عامًا) وياسمين (30 عامًا). أشعل المستوطنون النار في حاوية القمامة التي بجوار البناية وجرّوا منصّات خشبيّة وصناديق كانت موضوعة قربها وكوّموها عند مدخل البناية ثمّ أشعلوا النار فيها ورشقوا المنزل بالحجارة وحطّموا درابزين الشرفة. عندما حاولت نوال ضميدي نقل أسطوانة الغاز إلى الفناء الخلفيّ حتّى لا تنفجر من الحرارة، أطلق الجنود نحوها أربع قنابل غاز مسيِّل للدموع. في نهاية الأمر أدّت النار إلى انفجار ماسورة المياه فأطفأت المياه المتدفّقة من الماسورة الحريق بعد نحو 20 دقيقة من إضرام النار.
بالتزامن مع الهجوم على منزل العائلة قام المستوطنون أيضًا بالاعتداء بالحجارة على منزل ميرفت ضميدي (43 عامًا) المجاور، وهي ابنة نوال. حطّم المستوطنون زجاج ثماني نوافذ وألحقوا أضرارًا بقرميد السقف ومصابيح الإضاءة والأثاث وأواني الزهور التي في الفناء وأحرقوا سيّارتها.
باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي سجلت إفادات بعض أفراد العائلة في 5.3.23:
نوال محمّد ضميدي (68 عامًا)، أمّ لسبعة، من سكّان حوّارة، وصفتْ في إفادتها ما حدث في ذلك اليوم:
أنا أسكن مع عائلتي في حوّارة، بجانب الشارع الرئيسيّ. في الطابق الأوّل من بنايتنا يوجد سوبرماركت أبو العيال، الذي يملكه ابني فراس (37 عامًا)، والذي كان في دبي في ذلك الوقت. أنا أسكن في الطابق الثاني مع بناتي الثلاث.
في يوم الأحد الموافق 26.2.2023 قرابة الساعة 18:00 سمعتُ أصواتًا في الشارع وبجوار المنزل. خرجتُ إلى الشرفة لأرى ما يحدث لكنّني اضطررتُ إلى العودة إلى الداخل بسبب إلقاء الكثير من الحجارة على المنزل. درابزين الشرفة الزجاجيّ تحطّم. قلتُ لبناتي حنان وفادية وياسمين أن يختبئن. جلستُ في الصالة لأنّني لم أستطع الوقوف على قدمَي من شدّة الخوف. وبينما كنتُ جالسة هناك اتّصل بي حفيدي، قصيّ ضميدي (13 عامًا)، ابن ابنتي ميرفت، وقال إنّ المستوطنين يهاجمون منزلهم أيضًا ويشعلون النار في سيّارتهم الجديدة. لم أعرف ماذا أقول له. قلتُ له فقط "انتبهْ لنفسك". اتّصلتْ بي ميرفت أيضًا لتهدئتي. قالت ياسمين "حرقوا منزل ميرفت" وأخذت تبكي من شدّة خوفها على حياة أختها وأولاد أختها. قلتُ لها "لا تخافي، الله معهم، بعون الله لن يحدث لهم شيء، فليحرق المستوطنون كلّ شيء، المهمّ ألّا يُصاب أحد منهم بأذى".
في تلك الأثناء أضرم المستوطنون النار في منصّات خشبيّة وصناديق بلاستيكيّة كانت بجوار باب بنايتنا. دخل الدخان إلى المنزل عبر الشرفة ونافذة مطلع الدرج. كان من الصعب التنفّس وخشيتُ أن تصل النار إلى داخل المنزل أيضًا. أخذتُ حاوية الغاز ونقلتها إلى الفناء الخلفيّ للمنزل الذي يمكن الوصول إليه من داخل المنزل، لأنّني خفتُ أن ينفجر. عانيتُ من صعوبة في التنفّس بسبب الدخان ثمّ أطلق الجنود أيضًا نحو 4 قنابل غاز باتّجاهي. شعرتُ بوجهي يحترق من الغاز المسيِّل للدموع ومن الدخان وألسنة اللهب.
خرجتُ أنا وبناتي من المنزل إلى الفناء الخلفيّ، صرخنا وطلبنا مساعدةً على أمل أن يسمعنا أحدٌ ما. قال جارنا إنّه سيطلب سيّارة إسعاف وخدمات إطفاء لكن لم يأتِ أحد. اعتقدتُ أنّ المنزل سيحترق وسنموت هناك. بكت بناتي وصرخن بشكل هستيريّ. لم يكن لدينا خيار سوى محاولة إخماد النار بأنفسنا. ملأنا أواني المطبخ بالماء وسكبناها على النار ولكن بسبب كلّ الدخان المتصاعد لم نرَ إنْ كان ذلك يُساعد. بكت ياسمين وطلبت منّي أن أحذر بسبب النار والمستوطنين. كلّ ما أردتُه هو إطفاء النار وحماية حياة بناتي. لم نتمكّن من إخماد النار لكن عندئذٍ انفجرت ماسورة الماء وأطفأ الماء المندفع منها النار خلال نحو عشرين دقيقة.
استغرق المستوطنون نحو ساعتين حتّى انصرفوا وبعدها خرجتُ أنا وبناتي إلى الفناء الخلفيّ لاستنشاق هواء أنظف. كدنا نختنق. كان ذلك مخيفًا جدًّا. بكيتُ. بعد مرور بعض الوقت وصل إلينا مسعفون وقد تسلّقوا أسطح المنازل المجاورة من أجل الوصول إلينا. فحصوا لنا ضغط الدم والنبض ثمّ غادروا. طلبتُ منهم أن يغلقوا الصنبور حتّى لا نهدر المياه.
كانت تلك ليلة مروّعة. قبل إضرام النار لم يكن لدينا وقت لتناول العشاء وبعد ذلك لم نكن قادرات على تناول الطعام. في تلك الليلة لم نتمكّن من النوم إطلاقًا. لم يكن هنالك تيار كهربائي في المنزل بسبب الحريق. في الليلة الأولى واليوم التالي للاعتداء بقينا بدون كهرباء. ساخَ جزء من باب المدخل بالنار ولم نتمكّن من فتح القفل. بقينا عالقات هناك وبعد يومين من الاعتداء نفد الخبز والماء من عندنا. جاء صهري عبد الناصر ضميدي مع حفيدي جمال (7 سنوات) وجلبا لنا الماء والخبز اللذين رفعناهما إلى الشقّة بمساعدة حبل دلَّيتُه إلى الشارع.
في ذلك اليوم عاد ابني فراس من دبي. وصل إلى المنزل عبر جسر اللنبي ثمّ ذهب وأحضر حدّادًا ففتح الباب وعندها فقط تمكّن من الدخول. كان اللقاء بيننا مشحونًا جدًّا بالمشاعر. في وقت الحادثة كان معظم أولادي خارج حوّارة: فراس كان في دبي بينما فادي (42 عامًا) وعيسى (50 عامًا) يسكنان في رام الله ولم يتمكّنا من الوصول إلينا وابنتي نسرين (47 عامًا) تسكن في أبو ظبي. اتّصل بي فادي في أثناء الحادثة وقال لي "لا تقلقي يا أمّي أنا في الطريق إليكنّ". بكى عندما تحدَّث معي. لكنّ الجنود في حاجز زعترة لم يسمحوا له بالعبور. بعد ذلك نفدت لدينا بطّاريّات هواتفنا المحمولة ولم يعد بإمكانه الاتّصال بنا. شعرتُ بأنّنا وحدنا وليس ثمّة مَن يساعدنا. نفدت في اليوم التالي للاعتداء بطّاريّات جهاز السمَع الخاصّ بي أيضًا، والتي أبدِّلها كلّ بضعة أيّام، فلم أستطع سماع أيّ شيء. هذا الأمر زاد من معاناتي.
حتّى الآن لا أستطيع النوم لأنّني أخاف طوال الوقت من عودة المستوطنين وحرق المنزل ثانية. أجلس في الصالة وأقوم من حين إلى آخر وأخرج إلى الشرفة للتحقّق ممّا يحدث في الخارج. أشرب نسكافيه حتّى لا أغفو. كلّما سمعتِ البنات صوتًا يستيقظن من النوم فزعات وخائفات. تريد بناتي أن نترك المنزل وننتقل للسكن في رام الله لكنّني لا أريد مغادرة منزلي. أنا أسكن فيه مذ تزوّجتُ ولا أستطيع أن أقوم فجأةً وأتركه. ولأنّه لم تكن لدينا كهرباء بعد الحريق فقد فسَدَ كلّ الطعام الذي كان في البرّاد والثلّاجة واضطُررتُ إلى رميه. منذ تلك الليلة لم تعُد لديّ شهيّة على الإطلاق كما لم أطبخ أيّ شيء أيضًا. أنا في حالة شعوريّة سيّئة.
ميرفت ضميدي (43 عامًا)، أمّ لأربعة وابنة نوال، قالت في إفادتها:
في يوم الأحد الموافق 26.2.2023 قرابة الساعة 14:30 علمتُ بمقتل المستوطنَين في البلدة وبإغلاق الحواجز حول نابلس وحوّارة. تحدّثتُ عبر الهاتف مع ابنتي رنيم (19 عامًا) التي تتعلّم في الجامعة في نابلس. فقالتْ لي إنّ الحواجز مغلقة والوضع على الشوارع صعب ولا يمكن السفر إلّا على الشوارع الالتفافيّة. وصلتْ رنيم إلى البيت قرابة الساعة 17:00، بعد ثلاث ساعات من السفر عبر القرى المجاورة. قالتْ إنّها سافرتْ بحافلة صغيرة وقوفاً كل الطريق، لأنّها كانت مزدحمة جدًّا بالمسافرين لأنّ الكثير من الناس أصيبوا بالتوتر من جرّاء الوضع وأرادوا العودة إلى بيوتهم وقالت إنّه بسبب الازدحام أغمي عليها في الطريق. أجلستْها صديقاتها على مقعد أخلاه أحد المسافرين واستعادت وعيها عندما جلستْ هناك. وبينما كانت تخبرني بهذا كلّه وصل ابني عُبادة (15 عامًا) وأبلغنا بأنّ المستوطنين دخلوا إلى شوارعنا. كان ذلك في الساعة 18:00 تقريبًا. صعدتُ إلى الطابق الثاني من المنزل لأنّني أستطيع منه رؤية الشارع الرئيسيّ، الذي يبعد نحو 300 متر عن المنزل. أردتُ أنْ أرى ما الوضع حول منزل والدتي التي أصبحتْ تبلغ من العمر 68 عامًا.
رأيتُ مئات من المستوطنين وكذلك سيّارات جيب عسكريّة. اتّصلتُ بأمّي وطلبتُ منها الخروج إلى الشرفة، لأنّ المستوطنين قريبون من منزلها. كانت خائفة بسبب أصوات الانفجار التي سمعتْها وقلتُ لها ألّا تخاف وأنّ هذه قنابل صوتيّة فقط وليس إطلاق رصاص. بينما كنتُ أتحدّث معها سمعتُ ضجيجًا في الخارج. نظرتُ إلى أسفل ورأيتُ سيّارتي تحترق. نزلتُ مع زوجي عبد الناصر (52 عامًا) وأولادي رنيم وعُبادة وقصيّ (13 عامًا) وجمال (7 سنوات) لإطفاء النار بماء من الخرطوم. بينما كنّا نخمد النار رأيتُ الكثير من المستوطنين على مقربةٍ منّا، بين الأشجار. دفعتُ أولادي وزوجي إلى داخل المنزل، دخلتُ خلفهم وأقفلتُ الباب. قلتُ لهم إنّه من الأفضل أن تحترق السيّارة وأن لا يصاب أحد منّا. حالما أغلقنا باب المنزل بدأ المستوطنون بإلقاء الحجارة عليه من كلّ الاتّجاهات. صعدْنا إلى الطابق الثاني لأنّنا شعرنا بأنّه أكثر أمانًا. صعد ابني عُبادة إلى السطح وأقفل الباب خلفه لأنّه أراد صدّ المستوطنين وحمايتنا. خفتُ على حياته وخشيتُ أن يحدث له شيء، فتوسّلتُ إليه أن يفتح الباب. بعد بضع دقائق فتحه. لم نعرف ماذا نفعل، لم تكن لدينا أيّة وسيلة للدفاع عن أنفسنا. وجدْنا على السطح طوبتين من الخرسانة، كسرناهما وألقينا الشُّقَف على المستوطنين. رأيتُ سيّارتي جيب عسكريّتين على بُعد نحو 50 مترًا عن المنزل. صرختُ نحوهما "اللعنة عليكم، أنتم ترون ما يحدث ولا تفعلون شيئًا لهم". أشار لي الجنديّ بيده أن أدخل إلى البيت. جذبتْني رنيم إلى الداخل. رأيتُ سيّارتي تشتعل فيها النيران مرّة أخرى. ألقى المستوطنون أيضًا كيسًا يحتوي على موادّ قابلة للاشتعال إلى داخل المطبخ، ولكن الحمد لله أن المطبخ لم يحترق.
استمرّ الاعتداء ساعة أو أكثر. استنجدنا بالناس الذين في المنطقة وطلبنا أيضًا مساعدة من جميع السكّان والأصدقاء الذين اتّصلوا بنا، لكن دون جدوى. فإلى أن وصلتْ مركبة الإطفاء كانت سيّارتي التي اشتريتها قبل بضعة أشهر قد احترقت بالكامل. كلّفتني السيّارة 75 ألف ش.ج.، دفعتُ منها 40 ألف ش.ج. نقدًا وعليّ أن أدفع الباقي على أقساط. لديّ تأمين شامل لكنّ شركات التأمين لا تغطّي الأضرار التي يسبّبها الجيش والمستوطنون. اشتريتُ السيّارة بعد سنوات كثيرة من المعاناة بدون سيّارة. سافرتُ بها إلى عملي كسكرتيرة في مدرسة عينابوس واستعنتُ بها أيضًا للتسوُّق وللمهمّات، كما أوصلتُ بها زوجي إلى العمل والأولاد إلى المدرسة. الآن، يجب عليّ أن أبحث عن شخص ما للسفر معه إلى العمل، لأنّه لا توجد مواصلات من حُوّارة إلى عينابوس، وإلّا سأضطرّ إلى النهوض مبكّرًا جدًّا في الصباح والسفر عن طريق نابلس. الآن سنضطرّ جميعًا إلى التنقّل هنا سيرًا على الأقدام، بغضّ النظر عن حالة الطقس. بالإضافة إلى ذلك، كان لديّ في السيّارة مجلّدات للعمل من السنة الماضية وكتب تعليميّة للطالبات، وقد احترقت بالكامل. وهذه مشكلة كبيرة. السيّارة التي كانت في غاية الأهمّيّة بالنسبة إليّ تحوّلتْ بسرعة البرق إلى قطعة خُردة عديمة الفائدة. حطّم المستوطنون أيضًا 8 نوافذ في المنزل وألحقوا أضرارًا بالقرميد وبالمصابيح، بالأثاث وبأواني الزهور التي في الساحة.
مشكلتنا الكبرى الآن هي الحالة النفسيّة لدى جمال. خلال الاعتداء بكى كثيرًا وأصيب بصدمة. لم أعرف ماذا أفعل وكيف أساعده خلال الحادثة. لا يزال يرتعد إلى الآن كلّما سمع ضجيجًا، ينفجر في البكاء ويرفض النوم بمفرده. يبقى مستيقظًا في الليل حتّى الساعة 1:00، ولا يتمكّن من النوم إلّا عندما يصبح منهكًا تمامًا. كما أنّه غير مستعدّ أن يتحدّث عمّا حدث ولا يريد سماع أيّ شيء عنه. تعاني رنيم أيضًا من الأرق ولم تعد إلى الدراسة بشكل حقيقيّ بعد. تقدّمت للامتحانات فقط. أنا أيضًا لم أعد إلى العمل بعد. ما زلتُ غير قادرة على ذلك. زوجي، الذي يدرِّس الإنجليزيّة في مدرسة عوريف الثانويّة، عاد إلى العمل أمس فقط. ابني البكر لا يتحدّث عمّا حدث، أعتقد أنّه لا يريد أن يزيد المصاعب علينا، لأنّه يرى مدى صعوبة الأمر علينا هكذا. نحن جميعًا في وضع صعب للغاية. فقدنا الشعور بالأمان الذي كان لدينا في منزلنا. هم أرادوا حرقنا وقتلنا. أنا أبقى مستيقظة في الليل وأنظر طوال الوقت إلى الخارج عبر النوافذ. أتخيّل أنّهم موجودون حول المنزل ويراقبوننا.
تلقّينا 1,000 ش.ج. كمساعدة من منظّمة الإغاثة الدوليّة، وقمنا بتركيب سياج حديديّ لحماية أنفسنا من المستوطنين. كلّفنا ذلك 3,000 ش.ج.. بخصوص النوافذ، لم نتمكّن حتّى الآن من تبديلها.
فراس ضميدي (37 عامًا)، أب لأربعة وابن نوال، صاحب سوبرماركت "أبو العيال" في الطابق الأوّل من البناية، قال في إفادته:
في يوم الأحد الموافق 26.2.23 قرابة الساعة 18:00 عندما كنتُ مع زوجتي في دبي لزيارة معرض للمنتجات الغذائيّة في إطار العمل، تلقّيتُ رسالة من جاري تحتوي على رابط لبثّ مباشر حول تجمّع لمستوطنين قرب مفرق يتسهار، وحول وجود الجيش هناك. فهمتُ أنّ شيئًا جدّيًّا قد حدث في المنطقة. فحصتُ كاميرات المراقبة في بنايتنا عن بُعد ورأيتُ بجانبها بعض المستوطنين الملثّمين الذين ترافقهم سيّارات جيب عسكريّة. اتّصلتُ على الفور بوالدتي التي تعيش فوق السوبرماركت الخاصّ بي وطلبتُ منها إغلاق الأبواب ودرفات النوافذ وإطفاء الأضواء عند مدخل المنزل والسوبرماركت.
رأيتُ المستوطنين يضرمون النار في حاوية القمامة القريبة من بنايتنا. في هذه الأثناء اتّصلت بي أختي ميرفت وقالت لي إنّ المستوطنين أحرقوا سيّارتها. أختي هذه تسكن في نفس المنطقة تقريبًا، لكنّ منزلها بعيد عن الشارع. بعد ذلك رأيتُ على الكاميرات المستوطنين وهم يضرمون النار في منصّات خشبيّة وصناديق بلاستيكيّة أمام باب بنايتنا ويرشقونها بالحجارة. أصِبتُ بالجنون، لم أعرف ماذا أفعل. من شدّة غضبي صرختُ وضربت رأسي بمقود السيّارة التي استخدمناها هناك. كانت والدتي وأخواتي الثلاث وحدهنّ في المنزل وتعرّضن للاعتداء بطريقة مخيفة جدًّا من قبل مستوطنين كان الجيش يحميهم، بينما أنا بعيد جدًّا وسيستغرق الأمر وقتًا طويلاً للعودة إلى البيت.
اتّصلتُ بالبلديّة وبأصدقائي في القرية وطلبتُ منهم مساعدة والدتي. لكنّهم قالوا لي جميعًا إنّ الوضع خطير جدًّا ولا يمكنهم الوصول إليها. قالوا لي أيضًا إنّه حتّى مركبة الإطفاء تعرّضت للاعتداء. بقيتُ على اتّصال مع والدتي لمدّة ساعتين وعندما رأيتُ في الكاميرات أنّ المستوطنين ابتعدوا قليلًا أبلغتُها بذلك وطلبتُ منها أن يسكبنَ ماء على النار. في محادثتنا الأخيرة في ذلك اليوم أبلغتني والدتي بأنّ المسعفين وصلوا إليها عبر السطوح. عندما توقّفتْ عن الردّ على اتّصالاتي الهاتفيّة اعتقدتُ أنّ الأسوأ قد حدث. اتّصلتُ بأختي ميرفت، التي كانت في وضع صعب جدًّا، وقالت لي إنّهم لا يستطيعون الوصول إلى منزل والدتي لأنّ المستوطنين لا يزالون في المنطقة والوضع خطير.
رأيتُ في كاميرات المراقبة شرارات كهربائيّة تخرج من خزانة الكهرباء التي بجانب الباب. بعد ذلك رأيتُ سيّارة إسعاف تقف هناك وقام المسعفون الذين نزلوا منها بإطفاء النار بزجاجات ماء تابعة للسوبرماركت كانت على الرصيف.
في تلك الليلة، أو بالأحرى في فجر يوم الاثنين، كنّا قد وصلنا إلى مطار دبي لكنّ الرحلة الأولى التي وجدناها إلى الأردنّ كانت في الساعة 10:00 صباحًا. وصلنا إلى مطار الأردنّ ومن هناك سافرنا إلى الجسر للعبور إلى الضفّة. بعد أن عبرنا الجسر ووصلنا إلى أريحا اكتشفنا أنّ جميع الشوارع مغلقة فاضطررنا إلى البقاء داخل سيّارتنا في أريحا حتّى اليوم التالي. كان هذا الأمر صعبًا جدًّا. في يوم الثلاثاء كان حاجز زعترة لا يزال مغلقًا ولذلك سافرنا عبر قرية جماعين حتّى وصلنا إلى حُوّارة في الساعة 9:00 صباحًا.
بدت البلدة وكأنّها مدينة أشباح. كانت الحوانيت مغلقة وظهرت علامات الاعتداء في كلّ ناحية وكان الجنود في كلّ مكان. عندما اقتربتُ من منزل والدتي رأيتُ ابن شقيقتي ميرفت، جمال (7 سنوات)، يربط كيسًا من الخبز بحبل وسحبت والدتي الحبل من الشرفة. حاولتُ الدخول إلى البناية لكنّ الباب كان منصهرًا تمامًا وليس بالإمكان فتحه. اتّصلتُ بالبلديّة. قالوا إنّهم لا يستطيعون القدوم لأنّ ذلك سيعرِّض فرقهم للخطر لكنّني شرحتُ لهم الموقف وأنّنا بحاجة إلى مساعدة. بعد ساعتين فقط أرسلت البلديّة فرقة لمساعدتنا وتمكّنّا من فتح الباب.
عندها فقط تمكّنت من مقابلة والدتي وأخواتي. عندما التقينا كان الجوّ مثل "القيامة من الموت". لم أصدّق أنّهم ما زالوا على قيد الحياة. كانت الحادثة مخيفة جدًّا. كانت هذه أصعب أيّام في حياتي منذ وفاة والدي عندما كنتُ ابن 6 سنوات. لا أريد أن أتذكّر هذا اليوم لأنّه يثير بي مشاعر صعبة جدًّا.