في مساء يوم الخميس الموافق 21.1.21 كانت ح. (26 عاماً) وزوجها علاء سوافطة (35 عاماً) في طريقهما لزيارة عائليّة في بلدة طوباس ومعهما ابناهما مجد (6 سنوات) وجاد (3 سنوات) - وكانت ح. تقود السيّارة. قبل نحو 300 متر من شارع 60 ومدخل مستوطنة "جفعات أساف" لاحظ الزّوجان عشرات المستوطنين الملثّمين يُغلقون الشارع ويحملون حجارة وهراوات. عندما توقّفت ح. طوّق المستوطنون السيّارة وأخذوا يرشقونها بالحجارة ويضربونها بالهراوات فحطّموا زجاج النافذة اليسرى الأماميّة واليُمنى الخلفيّة. أصاب حجر ح. في ذراعها وحجر آخر أصاب الطفل جاد (3 سنوات) في خدّه وكان يجلس في المقعد الخلفيّ. خلال ثوانٍ واصلت ح. السّير وعندما أسرعت بسيّارتها تفرّق المستوطنون من حول السيّارة.
عندما وصلت ح. إلى المفترق القريب أوقفت السيّارة قرب عناصر شرطة وجنود انتشروا هناك لحماية مستوطنين آخرين تواجدوا في المكان. بعد أن أبلغت ح. وزوجها عن الاعتداء الذي تعرّضوا له صوّر عناصر الشرطة السيّارة واستدعوا سيّارة إسعاف.
بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة حضر إلى الموقع مُسعف إسرائيليّ على درّاجة ناريّة وأسعف الطّفل جاد وبعد مضيّ نحو 20 دقيقة وصلت سيّارة إسعاف من الهلال الأحمر وأخلت جاد إلى عيادة في البيرة وقد رافقه والده وأخوه فيما قادت ح. سيّارة العائلة خلفهم.
أجريت لجاد صور أشعّة وفحوصات طبيّية فتبيّن أنّه لم يُصب بكسور. بعد ذلك تمّ تحويله إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله ليبقى تحت المراقبة ونحو السّاعة 23:00 غادر جاد مع أسرته إلى منزله.
أدناه تحدّث الأمّ ح. سوافطة عن هجوم المستوطنين على أسرتها وجَرح طفلها - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:
تقيم عائلة علاء زوجي في طوباس وقد أردنا أن نحتفل بعيد ميلاد ابننا مجد معهم ونقضي عطلة نهاية الأسبوع عندهم وكنت أنا أقود السيّارة. عندما كنّا على مسافة بضع مئات من الأمتار عن مفترق الشارات الضوئيّة في شارع 60، قبالة مستوطنة "جفعات أساف"، رأيت شخصاّ يقف في عِرض الشّارع ويحمل مصباحاً ويشير لي أن أتوقّف وكان معه أكثر من عشرين شخصاً. للوهلة الأولى ظننت أنّهم جنود قد نصبوا حاجزاً ولذلك توقّفت فوراً. فجأة أدركت أنّ هؤلاء مستوطنون حين لاحظت أنّهم ملثّمون ويحملون هراوات وحجارة. لا أتمنّى لأيّ شخص أن يتعرّض لمثل هذه المحنة. كانت كلّ لحظة تمرّ كأنّها ساعات.
أخذ المستوطنون يخبّطون على السيّارة ويحاولون فتح الأبواب وكنت كعادتي قد أقفلتها من أجل أمان أطفالي. كانوا يعلمون أنّ معنا أطفال لأنّ المستوطن الذي كان يحمل المصباح وجّه الضوء إلى داخل السيّارة ورآهم جالسين في المقعد الخلفيّ. كان هذا الشخص واقفاً أمامي ويقود ويوجّه الهجوم. كانوا يضربون السيّارة بالحجارة ويخبّطون عليها بكلّ ما نالته أيديهم. لا يمكنني أن أصف مدى الخوف والهلع الذي انتابني. كنت أصرخ "من شان باللهّ! من شان اللّه!" والأولاد بدورهم يصرخون ويبكون. عندما بدأت الحجارة تحطّم زجاج السيّارة والزّجاج يتطاير علينا داخلها أخذت أصلّي وأتشهّد لأنّي تيقّنت أنّنا سنُقتل لا محالة.
لم يكن أمامي مسرب ألوذ عبره بالفرار فالمستوطنون سدّوا الشارع علينا من كلّ الجهات وكان أحدهم يوجّه ضوء المصباح نحو وجوهنا ويتعمّد أن يبهر بصري. في لحظة قرّرت أن أقود السيّارة وأتقدّم وليكنْ ما يكون - فإمّا أحمي أسرتي أو نموت معاً. حين قدت السيّارة وتقدّمت تفرّق جميع المستوطنين.
واصلت السّير حتى المفترق ورأيت عند مدخل مستوطنة "جفعات أساف" مظاهرة مستوطنين وعناصر من قوّات الأمن - شرطة وجنود. كان يمكن للعناصر أن يلاحظوا هجوم المستوطنين علينا ويتدخّلوا ولكنّهم عوضاً عن ذلك اهتمّوا بحماية المستوطنين المتظاهرين. أوقفت السيّارة عند طرق الشارع ثمّ توجّهنا نحو عناصر الشرطة. أبلغناهُم عن الاعتداء وطلبنا أن ينظروا النتائج في سيّارتنا ففعلوا. كان طفلانا يبكيان ونحن نحاول أن نهدّئ من روعهم. بعد مضيّ رُبع السّاعة طلبنا منهم أن يستدعوا سيّارة إسعاف فجاء مُسعف إسرائيليّ وأسعف جاد. بعد 5 دقائق جاء عناصر شرطة واستمعوا لإفادتينا ثمّ أخذوا أحد الحجارة الثلاثة التي كانت داخل سيّارتنا، كما نصحونا أن نقدّم شكوى في محطّة الشرطة في مستوطنة "بنيامين".
بعد مضيّ نحو 20 دقيقة جاءت سيّارة إسعاف من الهلال الأحمر الفلسطينيّ ونقلت جاد إلى عيادة في البيرة. رافقهم زوجي وأخذ معه مجد لأنّه خاف أن يبقى في السيّارة بعد الذي جرى وقدت أنا السيّارة خلفهم. يُذكر أنّ جيباً عسكريّاً رافقنا لمسافة بضعة كيلومترات حتى ابتعدنا عن منطقة الخطر.
كانت تلك ليلة رُعب حقيقيّ إذ رأينا الموت بأمّ أعيننا. لا يمكن وصف هوْل الرّعب الذي سيطر علينا. الهجوم استمرّ ربّما لحظات فقط ولكنّ منظر المستوطنين المخيف لا يفارق مخيّلتي ولا مخيّلة طفليّ. هما الآن يخافان النوم بمفردهما وحتى أثناء نومهما في غرفتنا يستيقظان مرعوبَين عدّة مرّات. إنّما يحسّان بعدم الأمان وكلّما دخلنا غرفة في المنزل يطلب مجد أن نغلق الباب والنافذة.
هذه الحادثة ستبقى دائماً محفورة في ذاكرتنا وخاصّة ذاكرة طفلينا. توجّهت إلى أخصّائيّة نفسيّة عبر الإنترنت لكي تساعدنا في مواجهة آثار الحادثة وتنصحني كيف أتعامل مع طفليّ. أنا قلقة عليهما وأدعو الله أن يحفظهما لي فهُما أغلى ما عندي في هذه الدّنيا.